((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ يهدد أمن ووحدة الشعوب ويعوق بعث الإسلام

الأخوان المسلمون يطفّفون التحرك المسيحي

الأخوان المسلمون يطفّفون التحرك المسيحي:


لقد حاول الأخوان المسلمون أن يبخسوا من أمر التحرّك المسيحي الذي أدّى إلى حد إصدار الأنبا شنودة الثاني إعلاناً بعدم الاحتفال بعيد الفصح احتجاجاً على اعتداءات قال أنّها وقعت على عدد من الكنائس ..
ففي مجلّة الدعوة عدد رجب ١٤٠٠ – ص – ٦٠ – جاء ما يلي:
«مؤتمر إسلامي بجامعة القاهرة: وفي يوم ٨/٤/١٩٨٠ عقد مؤتمر إسلامي بجامعة القاهرة حضره عدد كبير من شبّان الجامعة.
وقد أوضح الأخ حلمي الجزّار أمير الجماعات الإسلامية بمصر بعض مؤامرات النصارى بمصر فقال:
إنّ المسيحيين في مصر وهم أقلّية (٦٪ من مجموع سكّان مصر) يتمتّعون بمزايا لا تتمتّع بها أي أقلّية في العالم. ولو قارنّا بين الأقلّية المسيحية والأقلّيات الإسلامية في أي بلد من العالم لوجدنا فرقاً شاسعاً.
إنّ أبناء هذه الأقلّية يتولّون أعلى المناصب .. فوزير الدولة للشئون الخارجية مسيحي. وأمين الحزب الحاكم في مصر مسيحي، ومحافظ سيناء مسيحي.» .. انتهى.
وواضح من لهجة «أمير الجماعات الإسلامية» أنّهم متشبّعون بروح تفرقة، وتعصّب، وهوس ..
وكشأن قادة الأخوان المسلمين في كل مكان، فإنّ أمير الجماعة هذه يقع في تناقض مزر، ويتورّط في كذب مشين، حين يقول، في سبيل التدليل على مساواة المسيحيين بالمسلمين: «فوزير الدولة للشئون الخارجية مسيحي. وأمين الحزب الحاكم في مصر مسيحي، ومحافظ سيناء مسيحي» ..
إنّ هذه كلمة حق أريد بها باطل، فقول أمير الجماعات الإسلامية هذا مضلّل، ومزوّر للحقائق بشكل يأباه الدين، ويأباه الذكاء الفطري للإنسان العادي .. فنحن نعلم بأنّ في الحكومة المصرية وزراء مسيحيين، ولكنّا نعلم أيضاً، وفي نفس الوقت، أنّ الأخوان المسلمين في مصر يعترضون على وجود هؤلاء الوزراء المسيحيين وهاكم الدليل:

الاحتجاج على وجود وزراء مسيحيين:


نشرت جريدة الشرق الأوسط – ٦/٤/١٩٨٠ – هذا الخبر:
«مؤتمر وطني للجماعات الإسلامية في مصر للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، خلال المؤتمر الذي عقد يوم الخميس وجّه المتحدّثون انتقاداً عنيفاً إلى وجود شخصيّات غير إسلامية في الحكومة المصرية كما طالبوا بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر.
كما نفت الجماعات الإسلامية أن تكون وراء حوادث طائفية وقعت في أنحاء متفرّقة من مصر» ..
إنّ هذه الجماعة الإسلامية يتبوأ منصب الأمارة فيها حلمي الجزّار الذي قال في حديث لمجلة الدعوة، حول صراعهم مع المسيحيين: «إنّ أبناء هذه الأقلّية يتبوأون أعلى المناصب» إلخ .. وهو يرسل هذا القول بينما نرى مؤتمرهم الذي عقدوه بجامعة القاهرة «يوجّه انتقاداً عنيفاً إلى وجود شخصيّات غير إسلامية في الحكومة المصرية »!!
وأكثر من ذلك فقد، طالب المؤتمر بتطبيق الشريعة الإسلامية .. وهل يبقى مجال لمسيحي ليتولّى منصباً عالياً في الدولة إذا ما طبّقت الشريعة السلفية؟؟ .. وإمعاناً في التناقض، والتنصّل من المسئولية تحاول الجماعات الإسلامية أن تتبرّأ من «أن تكون وراء حوادث طائفية».
أليس في مجرّد التكتلات، والحشود التي تنظّمها هذه الجماعات الإسلامية، وفي الاحتجاج على وجود شخصيّات مسيحية في الوزارة المصرية، أليس في مجرّد هذا تحرّش بالمسيحيين، ودعوة للفتنة الطائفية، وممارسة لها؟ .. إنّ هذا التساؤل يوجّه أيضاً للمسئولين المصريين – الذين حاولوا، كما رأينا في بيان وزير الداخلية المصري، أن يقلّلوا من خطورة اتّجاهات الجماعات الإسلامية ..

المسيحيون معذورون:


ألم يكن المسيحيون المصريون معذورين، حين قرّروا: إنّ المطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية معناها: «حرمان المسيحيين من تولّي المناصب القيادية»، وهم يرون الجماعات الإسلامية بمصر تعترض بشدّة على وجود مسيحيين، حتّى في الحكومة العلمانية المصرية الحاضرة؟
وكيف يستقيم اعتراض الجماعات الإسلامية هذا مع قول مجلّة الدعوة عدد رجب ١٤٠٠، حيث قالت، إمعاناً منها في الجهل، والتضليل باسم الإسلام:
«نرجو ألا تكون مطالبة التيّار الإسلامي في مصر بتطبيق الشريعة الإسلامية من أسباب الإثارة الأخيرة عند بعض المواطنين النصارى، فهو تخوّف في غير موضعه فإنّ تطبيق الشريعة الإسلامية لا يضر بهم بل بالعكس يكفل لهم كل الأمن وحرّية الاعتقاد» .. انظر لهذا القول الساذج: «يكفل لهم كل الأمن وحرّية الاعتقاد» .. هكذا قالت «مجلّة الدعوة» وهي تتعامى عن تخوّف المسيحيين من فقدان حقوقهم الأساسية كمواطنين متساوين مع المسلمين في الوطن الواحد، وقد أثاروا بتحديد واضح مسألة «تولّي المناصب القيادية»!!

مواطنون من الدرجة الثانية:


يا هؤلاء!! إنّ المسيحيين في فهمكم الشائه للإسلام، هم مواطنون من الدرجة الثانية .. ولذلك قلتم أنّ تطبيق الشريعة «يكفل لهم كل الأمن وحرّية الاعتقاد»، ولكنّكم لم تتعرضوا للثمن الذي سيدفعونه لقاء هذا «الأمن»، و «حرّية الاعتقاد» التي تكفل لهم – في ظل الحكم الإسلامي المزيّف الذي تسعون إليه .. ألم يقل بيان الجماعات الإسلامية في خطابهم للمسيحيين وهم يتحدّثون إليهم بشأن تطبيق الشريعة الإسلامية: «وأن يطمئنّوا إلى أنّ شريعة الإسلام سوف تكفل لهم الحقوق التي كفلتها لأسلافهم» - مجلّة الدعوة – ص ٢٣ – عدد رجب ١٤٠٠ﻫ –
فماذا كان شأن أسلافهم، وقد كانت الشريعة مضطرّة في الماضي للوقوف منهم هذا الموقف؟ ألم يكن حكمهم هو الذي جاء في الآية «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» ..
فهل تملك هذه الجماعات الإسلامية، معاملة غير هذه المعاملة للأقباط المصريين، إذا طبّق الحكم الإسلامي وفقاً لتصوّرهم هم القاصر للإسلام؟
إنّ القصور ليس قصور الإسـلام، ولا هو قصور الشـريعة، وإنّما هو قصور هؤلاء الدعاة .. ذلك بأنّ الإسلام في الفهم الواعي له، في أصوله، يكفل الحقوق المتساوية للمواطنين كافة من غير تمييز بينهم بسبب العقيدة، أو العرق، أو اللون، أو الجنس .. انظر كتاب «الرسالة الثانية من الإسلام» - للأستاذ محمود محمّد طه ..