((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ يهدد أمن ووحدة الشعوب ويعوق بعث الإسلام

يستغلّون الشباب ويفسدون تربيته - التلمساني يخدع الشباب

يستغلّون الشباب ويفسدون تربيته:


إنّ الأخوان المسلمين يعتمدون، في إثارة، وتغذية الهوس الديني، على الشباب الأيفاع الذين تجيش دواخلهم في العادة بالعاطفة، والحماس .. فهم يركّزون عليهم، ويستغلّون فيهم هذا الاستعداد أسوأ، وأبشع أنواع الاستغلال، مستثيرين عواطفهم الدينية، ومرسّخين في خلدهم بأنّ ممارسات الأخوان المسلمين العنيفة، إنّما هي الجهاد!! ويزيّنون لهم هذا العمل، ويوهمونهم بأنّ الموت في مجاله هو الشهادة في سبيل الله .. ويقولون لهم في شعارهم الشهير: «إنّ الموت في سبيل الله أسمى أمانينا».

لكنهم لا يصدقونهم القول:


وزعماء الأخوان المسلمين لا يصدقون هؤلاء الشباب القول، وإنّما يخدّرونهم بشتّى السبل، ثم يستدرجونهم، شيئاً فشيئاً، حتّى ينصهروا، وهم لا يشعرون، في بوتقة الهوس الديني الذي يمسخ شخصياتهم الإنسانية ويجبلهم على الغلظة والعنف ..

التلمساني يخدع الشباب:


وها هو زعيم الأخوان المسلمين في مصر، ينشر بمجلّة الدعوة عدد رجب ١٤٠٠ﻫ تحت عنوان: «بعض ما وعيناه عن إمامنا الشهيد»، ما لم يرع فيه إلا ولا ذمّة .. فاسمعه يقول: «وهل بعد إقبال الشباب الطاهر على دعوة الأخوان المسلمين، هذا الإقبال المنقطع النظير، من نصر وانتصار؟؟! إنّنا لا ندعو الناس لكي نصل إلى الحكم على أكتافهم ولا نبصّرهم بدينهم لمغنم دنيوي هزيل عن طريقهم، إنّنا ندعوهم ليقيموا أمّة قوية عزيزة طاهرة، وها هم اليوم يأخذون بأطراف الدعوة من كل حدب وصوب، فما بالنا لا نحمد الله إن نصر دعوته، ورأينا الناس يدخلون تحت لوائها أفواجاً؟!! لماذا لا نحارب من حاربنا ولا نقابل الشر بالشر، ونتحمّل الضربات القاسيات في صبر واحتساب؟ ذلك لأنّنا لو أردنا شراً لاستطعناه، فما أيسر تخريب جسر هنا أو قنطرة هناك!!! وما أسهل النسف لمن أراد فساداً، وما أقرب الاغتيال لمن أراد ضلالاً! إنّنا لا نلقى الشر بالشر»، «ولكنّنا نريد أن نقيم قاعدة إسلامية راسخة، ونريد أن نوجد رأياً إسلامياً عارماً يقول فيستمع له، ويصمت فينتظر منه القول .. نريد أن نوجد أمّة قوية الشأن، عالية المقدار، عزيزة الجانب، موحّدة الصف، ونريد أن نقيم ذلك كله على أساس الحكمة المستبصرة، والموعظة المنتجة والمجادلة بالتي هي أحسن، لا نريد أن نصل إلى تحقيق أهدافنا عن طريق القهر والغلبة» .. فليتأمّل القارئ بصورة خاصة الكلمات التي تحتها خط – والخطوط من وضعنا نحن – وليقارنها بممارسات الأخوان المسلمين العنيفة في مصر، وفي السودان، وفي سوريا، وليتساءل أين هذه «الكلمة الرقيقة»؟ وأين «المجادلة بالتي هي أحسن»؟ وليمعن النظر في عبارات «لا نحارب من حاربنا ولا نقابل الشر بالشر .. ما أيسر تخريب جسر هنا وقنطرة هناك» و «ما أقرب الاغتيال لمن أراد ضلالاً»!!
هذا ما قاله التلمساني متصنّعاً المسالمة، والموضوعية في الدعوة لتنظيمه .. الأمر الذي لم يدعه مؤسس التنظيم نفسه!!
فليتأمّل القارئ عبارات التلمساني: «لن نحرّضكم على أحد، ولن نبغّضكم في أحد ولن نحارب بكم أحد»، وهو يتحدّث عن بعض ما وعاه عن إمامه الشهيد حسن البنّا .. ونحن هنا نرده إلى «إمامه» ليرى القارئ كيف كان يخاطب الشيخ حسن البنّا الشباب وكيف كان يربّيهم .. هل كان يحارب بهم الخصوم السياسيين أم كان يوصيهم بالكلمة الرقيقة والقول الليّن؟ .. إنّ تعاليم البنّا التي وعاها التلمساني، ومارسها فعلاً مع الشباب، هو وزملاؤه إنّما هي العنف ومحاربة كل من لا يذعن لمخطط الأخوان المسلمين .. وهاكم ما قاله البنّا لأتباعه: افتتاحية مجلة الأخوان المسلمين «النذير» مايو ١٩٣٨:
«بسم الله الرحمن الرحيم
خطوطنا الثانية
بقلم صاحب الفضيلة أستاذنا المرشد العام للإخوان المسلمين إلى الأمام دائماً .. الدعوة الخاصة بعد الدعوة العامة .. أيها الأخوان تجهّزوا» ويمضي الشيخ حسن البنّا ليقول في تلك الافتتاحية للإخوان المسلمين وتحت عنوان «ما خطوتكم الثانية»: «أقول لكم فاسمعوا: سننتقل من حيّز الدعوة العامة إلى حيّز الدعوة الخاصة، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال وسنتوجّه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه، ووزرائه، وحكّامه وشيوخه، ونوّابه وأحزابه، وسندعوهم إلى منهاجنا، ونضع بين أيديهم برنامجنا وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم، بل زعيم الأقطار الإسلامية في طريق الأقطار في جرأة لا تردّد معها وفي وضوح لا لبس فيه ومن غير مواربة أو مداورة، فإنّ الوقت لا يتّسع للمداورات، فإن أجابوا الدعوة، وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم وإن لجأوا إلى المواربة، والروغان، وتستّروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتّى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين»

ليطّلع القارئ على قول حسن البنّا « فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام .. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة»، ثم ليقارن بينه وبين ما قاله زعيم الأخوان الحالي، عمر التلمساني، مما نقلناه آنفاً، وسيجد القارئ أنّ التلمساني هو أحد رجلين فإمّا أنّه لم يع إمامه ما يجب عليه أن يعيه من اتّجاه إلى العنف، أصيل عند الأخوان المسلمين، أو أنّه قد وعى ذلك جيّداً، لكنّه أراد أن يخدع الشباب، ويخدع الناس، ويضلّلهم جميعاً عن حقيقة ما عليه تنظيم الأخوان المسلمين .. ونحن إنّما نميل إلى الصفة الأخيرة، إذ يصدقها واقع الأخوان المسلمين، حيث وجدوا، إذ أنّ العنف لازمة من لوازم تنظيمهم، بل إنّنا لنجد في «مجلّة الدعوة» أنموذجاً لإفساد تربية الشباب ودفعهم إلى العنف وإلى الضيق بالآخرين ففي صفحة ٢١ من مجلّة الدعوة – رجب ١٤٠٠ﻫ - وتحت عنوان «من أناشيد الأخوان» نشيد الكتائب – نشر نشيد نقتطف منه هذا المقطع:
«فتى الكـفر ما تبعت الهداة
فأصبحت فينا الأخ المفـدّى
وإمّا جهـلت فنحن الكـماة
نقاضي إلى الروع من هددا
إذاً لأذقناك ضعف الحـياة
وضعف الممات ولن تنجدا»

فهم يغرسون في نفوس الشباب روح المعاداة والتكفير لكل من يخالفهم الرأي، أو يقف في طريقهم .. وهذه الروح هي التي تستقيم مع تعاليم الشيخ حسن البنّا، وما عداها، من ادّعاء «المسالمة»، و«الرقة»، إنّما هو محض زيف لا يجوز على أحد، مهما حاول الزعماء المحدثون أن يضلّلوا به الناس ويخدعوهم.