((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ يهدد أمن ووحدة الشعوب ويعوق بعث الإسلام

وجهان لعملة واحدة - الأطفال هم أيضاً ضحايا

وجهان لعملة واحدة:


إنّ ما تورّط فيه التلمساني، زعيم الأخوان المسلمين في مصر، تورّط فيه أيضاً زعيم الأخوان المسلمين في السودان الدكتور حسن الترابي، فهم ينهلون من معين واحد، ولذلك يجئ ثمرهم متشابهاً ..
فلقد ادّعى الترابي في مغالطة مكشوفة، أنّ تنظيم الأخوان المسلمين لا ينزع إلى العنف .. جاء ذلك في إجابة له على سؤال لمجلّة الحوادث البيروتية بتاريخ ٨/٢/١٩٨٠ ما يلي: «س: الذي يفهم من اختيار اسم الأخوان أنّ الدعوة المنطوية تحت هذا الاسم هي دعوة إلى الإخاء لا إلى العنف فهل مثل هذا الفهم صحيح بالنسبة إلى الأخوان أنفسهم؟
ج: صحيح أن حركة الأخوان هي حركة إصلاح اجتماعي شامل وأنّ الأخوان يتّخذون الوسائل التربوية والسياسية لتحقيق أهدافهم ولم ييأسوا من المجتمع المسلم فيرموه بالكفر ويجانبوه بالرغم من المحاولات القهرية التي أحيطوا بها إلا أنّ التاريخ الحديث لم يسجّل عليهم محاولة واحدة للانقلاب سواء أكان ناجحاً أم غير ناجح» .. هذا ما قاله الترابي لمجلّة الحوادث ..
ولقد علّقنا نحن على هذا الادّعاء الزائف، في كتابنا: «أنقذوا الشباب من هذا التنظيم الدخيل»، وبيّنّا بطلانه، بما سقناه من أمثلة العنف بالأفراد والجماعات، ومن السعي للاستيلاء على السلطة، الأمر الذي ظلّ يمارسه تنظيم الأخوان المسلمين، في السودان، وفي غير السودان .. والأمثلة التي سقناها هنا، في هذا الكتاب، لممارسات الأخوان المسلمين، هي وحدها كافية لدحض ادّعاء، وتناقض زعيمي الأخوان المسلمين في مصر والسودان ..

الأطفال هم أيضاً ضحايا:


إنّنا مهما حاولنا أن نستقصي ظاهرة الهوس الديني لدى الأخوان المسلمين، فإنّا نجد أنفسنا عاجزين عن بلوغ مداها، فلم نكن نظن أنّ تنظيم الأخوان المسلمين يمكن أن تسوّل له نفسه إفساد فطرة الأطفال بشحن قلوبهم البريئة بالحقد والضغينة ليشبّوا عنيفين شرّرين ..
إنّ هذا لا تبيحه شرعة في الأرض، دينية، أو وضعية، مهما كانت الغاية من وراء هذا العمل السيء .. فهؤلاء الأطهار حق قلوبهم الغضة أن تغذّى بالحب وتشرّب الرقة، والمثل العليا، ولكن الليالي من الزمان حبالى يلدن في كل يوم جديد .. فلقد هالنا ما طالعناه في مجلّة «الدعوة» عدد رجب ١٤٠٠ﻫ، في الصفحة المخصّصة للأطفال، فقد جعلت مادّة «مسابقة أشبال الدعوة» سبيلاً مباشراً لتشبيع أفكار، ومشاعر الأطفال بكراهية، ومعاداة بعض الاتّجاهات السياسية المناوئة للإخوان المسلمين .. وها هو أحد أسئلة تلك المسابقة: «دولة مسلمة تقع في قارة آسيا في الشمال الشرقي من جزيرة العرب تجاور إيران والمملكة العربية السعودية وسوريا وتطل على الخليج العربي يحكمها حزب يحارب الإسلام والمسلمين كانت عاصمتها مقر الحكم في عهد الدولة العباسية. أ/ ما اسم الدولة؟ ب/ ما اسم الحزب الحاكم؟ ج/ ما اسم عاصمتها؟». وهم بالطبع يعنون بذلك العراق، وحزب البعث الحاكم .. ولكن مهما كان الرأي في حكم حزب البعث فإنّ حرمة الأطفال أجلّ، وأخطر من أن ننتهكها من أجل خلافات سياسية، وصراعات حزبية ليس الأخوان المسلمين بالجانب المبرّأ فيها .. وأمّا السؤال الآخر في هذه المسابقة العجيبة، فقد قصد به تمجيد زعيم الأخوان المسلمين الحالي، وجعله مثلاً أعلى لدى الأطفال، وفي نفس الوقت إثارة حقدهم، ومقتهم للخصوم السياسيين .. وها هو نص السؤال: «- داعية مجاهد كان يعمل محامياً قدّمه الحاكم الظالم الذي حارب الإسلام والمسلمين إلى محكمة الشعب فحكمت عليه بالسجن، ثبت على الحق وظلّ في السجن عشرين عاماً .. يقود دعوة الإسلام في مصـر ويدير مجلّة تدعو إلى الله على بصيرة .. مد الله في أجله وأحسن عمله .. من هو؟» .. الإجابة سهلة، فإنّ الرجل المسئول عنه هو زعيم الأخوان الحالي في مصر، عمر التلمساني!! وأمّا الذي حارب الإسلام، والمسلمين، فإنّهم يقصدون به جمال عبد الناصر .. هكذا يفعلون بقلوب، وعقول الناشئة!! كما كان يفعل النازيون الذين تولّوا صياغة أبناء ألمانيا صياغة حربية عدوانية، مستغلّين في ذلك مناهج التعليم، ووسائله المختلفة!!
إنّ الأخوان المسلمين، لو كانوا منصفين، لتركوا بطولة زعمائهم للتاريخ، وللأجيال القادمة لتقيّمها، ولتضع زعاماتهم في موضعها .. فإنّ تاريخ الإسلام، والإنسانية زاخر بالشخصيات المتّفق على عظمتها، لتساق تجسيداً للبطولة لدى الأطفال ..
وأمّا جمال عبد الناصر فإنّ لنا نحن الجمهوريين مواجهة قوية لسياسته، وممارساته .. ولكن، مهما يكن من أمر سوء سياسته، فإنّه لا يجوز أن يوصف، ويصوّر بأنّه يحارب الإسلام، والمسلمين .. ولدى من يصوّر هكذا؟! لدى أطفال أبرياء!! ولماذا؟ لأنّه واجه الأخوان المسلمين الذين عملوا على احتوائه، ولمّا فشلوا حاولوا اغتياله!! أطلق عليه الرصاص محمود عبد اللطيف وهو من الجهاز السري للإخوان المسلمين ..
وقد وردت الإشارة إلى محاولة اغتيال عبد الناصر في مذكّرات حسن العشماوي وهو قد كان من قادة الأخوان المسلمين حيث قال ص ٧٤ من مذكّراته:
«ومع الصباح علمنا أنّ الذي أطلق النار هو المرحوم محمود عبد اللطيف وأنّه اعترف بأنّ محرّضه هو المرحوم هنداوي دوير المحامي بأمبابة. وأنا أعرف محمود عبد اللطيف منذ كان يعمل في معركة قناة السويس عام ١٩٥١ وأعلم أنّه انضم إلى الجهاز السري أيضاً، وأعرف مهارته في إصابة الهدف بالمسدّس على نحو غير طبيعي، ثم أنا أعرف الأستاذ هنداوي دوير ولكن ما كنت أتصوّر أنّه رئيس مسئول بالجهاز السري لأنّه رحمه الله عصبي المزاج سريع الانفعال بحيث لا يصح وضعه كمسئول في أي نظام سري» ..