((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ يهدد أمن ووحدة الشعوب ويعوق بعث الإسلام

اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ واللجوء السياسي

اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ واللجوء السياسي:


إنّ الموقف الذي وقفه السادات من شاه إيران لهو موقف مجيد يسجّله له التاريخ .. فبصرف النظر عن الرأي في حكم الشاه السابق، وفي حكم الخميني الحاضر، فإنّ هناك حقائق لا بد أن تقدّر في موقف السادات: أولاها أن حق اللجوء السياسي أمر راسخ في القانون الدولي، وفي الأعراف المرعية عالمياً .. وثانيتهما أن الشاه يعاني من مرض خطير ولذلك فإنّ أبسط المبادئ توجب توفير العلاج العاجل، الملائم، لحالته المرضية الخطيرة هذه ..
ولكن الهوس الديني الذي يعيث فساداً في إيران، والذي انتهك كل القيم والأعراف الدولية، وداس عليها بالنعال، قد ظلّ يلاحق الشاه حتّى في مصر حيث يجد هوس إيران الديني رصيداً جاهزاً ..
لقد سيّر الأخوان المسلمون في مصر المظاهرات، وعقدوا المؤتمرات، احتجاجاً على استضافة مصر للشاه .. لماذا؟
تجيب على هذا التساؤل مجلّتهم «الدعوة» عدد رجب ١٤٠٠ﻫ ص ٤٧ بما يلي: «وجهة نظرنا ذكرها الأخ الأكبر عمر التلمساني في العدد الماضي من المجلّة حيث طالب بتسليم الشاه إلى قضاته وشعبه يطبّقون فيه شرع الله .. فإن التزموا جانب الحق وإقامة العدل فلهم أجرهم. أما أن يخرجوا عن السراط المستقيم في المحاكمة فحسابهم في ذلك على الله. والحق الذي لا مراء فيه أن العالم ما دام قد سكت على كل ما فعله الشاه بشعبه فمن الإنصاف في المعاملة أن نتركه لهم ولسنا في ذلك بظالمين أو متجافين لقواعد الإنسانية فكما يدين الفتى يدان وهذه هي موازين الإنسانية الحقة ومعاييرها المنصفة.» ..
ولمّا كانت فوضى الحكم في إيران، وجور ما يسمّى فيها بالمحاكم الثورية، قد بلغا حدّاً من السوء أدانته نقابة المحامين الإيرانيين وقد نقلت هذا الخبر جريد الأيّام بتاريخ ١٦/٣/١٩٧٩ كما يلي: «أعلنت اللجنة التنفيذية لنقابة المحامين في إيران احتجاجها ضد عمليات الإعدام التي تنفّذها المحاكم الثورية ومما يذكر أنّ اللجنة أرسلت برقية إلى وزير العدل أوضحت فيها أنّ الأشخاص الذين حكمت عليهم هذه المحاكم الثورية قد سلبوا من حقّهم المشروع في الدفاع عن أنفسهم ومن حقّهم المشروع في الاستعانة بمحامين ..»
بل أدانه رئيس وزراء الخميني السابق بازرجان: «أعرب بازرجان عن اشمئزازه من المحاكمات السرّية وعمليات القتل التي قال أنّها تلوّث ثورتنا وتحط من شأنها. وذلك يضر بهيبة ثورتنا في العالم، فقد أخذت الثورة بذلك طابعاً غير روحي وغير ديني وغير إنساني، فبعض المنظّمات الدولية التي دافعت عنّا ضد الدكتاتورية والتي جعلت صوتنا مسموعاً تحتج الآن ضد المحاكمات التي نقوم بها ومعاملات المسجونين فكفى ما أصابنا من عار في العالم» ..
لمّا كان الأمر بهذا المستوى الذي لا يملك أحد أن ينكره، فإنّ التلمساني، مرشد الأخوان المسلمين بمصـر، أشـاح بوجهه عنه، وذهب ليقول بتسليم الشاه لقضاته – الخميني وأعوانه – طبعاً – ليطبّقوا فيه شرع الله!! «فإن التزموا جانب الحق وإقامة العدل فلهم أجرهم. أما أن يخرجوا عن السراط المستقيم في المحاكمة فحسابهم في ذلك على الله»! ..
هكذا!! بكل بساطة نسلّم متّهماً «لقضاته» الذين حكموا عليه مسبقاً، بل هم الذين حكموا بالإعدام على من هم دونه بكثير، من خصومهم السياسيين الذين لم توفّر لهم أبسط قواعد العدالة في المحاكم الثورية الإيرانية الإسلامية المزعومة فهم لم تقبل لهم استئنافات ضد أحكام الحاكم وقد سخر الخميني من المطالبة بحق الاستئناف للذين تدينهم محاكمه، ورغم ذلك يريد زعيم الأخوان المسلمين من السادات أن يسلّم الشاه منتهكاً بذلك حق اللجوء السياسي، ومتجاوزاً كل السوابق، والأعراف الدولية، من قديم الزمان، تلك الأعراف التي تضمن للسياسيين سلامتهم، ما داموا قد خرجوا من بلادهم، وما داموا لا يباشرون نشاطاً ضد بلادهم من الأرض التي آوتهم.
يريد التلمساني من الحكّام المصريين أن يسلّموا الشاه لجلاديه ولسان حالهم يقول، في تغاب: على الإيرانيين وحدهم يقع الوزر إن هم لم يعدلوا في محاكمته!!
ألم نقل أنّ الهوس الديني يعطّل ملكات الفرد، ويهز شخصيته، ويجعله يتخبّط بلا عقل، وبلا ضمير؟!