في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

البيان الذى ألقاه رئيس الحزب في الاجتماع العام

ونحن الآن في وضع سيئ جدا ، ولا يمكن أن نحقق شيئا من الإصلاح المرتقب ، إلا إذا تغير هذا الوضع تغييرا تاما بجلاء الاستعمار البريطاني عن أرضنا وحركتنا الوطنية الآن مقسومة على نفسها ، ففريق يريد تحرير البلاد بالتعاون مع الاستعمار البريطاني وفريق يريد تحرير البلاد بالتعاون مع مصر .. فأما المتعاونون مع الاستعمار البريطاني فإنا لا نقرهم على شئ من عملهم البتة ، لا في جملته ، ولا في تفصيله وأما المتعاونون مع مصر فإنا نقرهم على عملهم في شئ ، ونخالفهم في شئ .. نقرهم على الكفاح ضد الإنجليز ، ونخالفهم في الإتحاد مع مصر ، حتى ولو كان الإتحاد في التاج كرمز فقط ..
نحن والمصريون طلاب حرية ، وزملاء جهاد وعدوُّنا واحد ، هو الاستعمارالبريطاني فينبغي أن نتفق على جهاده ، وإجلائه ، لنكون نحن أحرارا في بلادنا ، وليكونوا هم أحرارا في بلادهم .. ويجب أن لا ينسينا اجترار العواطف أن للمصريين مطمعا في بلادنا .. نريد أن نكون وإياهم زملاء جهاد ، لا زملاء وحدة ، أو إتحاد .. نريد أن يكون السودان للسودانيين قولا ، وفعلا .. وندعو الأحزاب جميعا إلى أن تدعو للجمهورية السودانية على نحو ما ندعو ، فإنها إن فعلت صرنا حزبا واحدا أمام العالم ، وحققنا ، عن بينة ودراسة، العدالة الإجتماعية ، والحرية الفردية ..
دعونا ومازلنا ندعو .. قلنا لهم أن عدونا الأول ، المباشر ، هو الاستعمارالبريطاني ، ولذا فيجب العمل على إجلائه إجلاء تاما ، ناجزا وهذا العمل على إجلاء البريطانيين يتطلب ضم الصفوف ، ولا تضم الصفوف إلا على كلمة موحدة وهنا يقول المتحدثون باسم الحركة الوطنية أن هذه الكلمة الموحدة هي الجلاء .. فإذا سألتهم هل الجلاء غاية في ذاته ؟؟ أجابوا بأنه وسيلة فإذا سألتهم : لماذا لا نتفق على الغاية ، حتى تكون الكلمة الموحدة تضم صفوفنا هي الغاية من الكفاح ؟؟ قالوا هذا مستحيل ، لأن لكل حزب مبدأ ، وهذه المبادئ لا تتفق إلا في عداء الاستعمار .. فلنضم صفوفنا جميعا إذن حول عداء الاستعمار ..
وهذا قول يشبه الحق ، ولكنه باطل .. وهو على كل حال ، قول لم يمله الدرس ولا الفهم الصحيح لطبائع الأشياء ، وإنما أملته العجلة على النتيجة ، ولرب عجلة أورثت ريثا ..
وأما القول الذي يمليه الدرس ، والفهم الصحيح لطبائع الأشياء ، فهو أن الناس لا يمكن أن يتكتلوا تكتلا صلبا يهدم الباطل ، ويقيم مكانه الحق ، إلا إذا فكروا جميعا في شئ واحد ، وأحبوا جميعا شيئا واحدا ، وسلكوا جميعا سبيلا واحدة .. وهذا الشئ الواحد الذي يجمع الناس لا يمكن ، بالضرورة إلا أن يكون الغاية من حياة كل حي .. والغاية من حياة كل حي هي الحياة الحرة ، الكاملة ، السعيدة .. والحياة الحرة ، الكاملة ، السعيدة ، لا تحقق بجلاء الاستعمار وحده ، وإنما تحقق بجلاء الاستعمار ، وشئ وراءه ، هو الفهم الصحيح بأساليب الحكم الصالح الذي يخلف الاستعمار غداة جلائه وهذا الأسلوب الصالح هو الإسلام الذي دعا إلى التوسط بين تفريط المادية الغربية التي جعلت سعي الإنسانية موكلا بمطالب المعدة ، والجسد ، وإفراط الروحانية الشرقية التي أقامت فلسفتها على التحقير من شأن أي مجهود يرمي إلى تحسين الوجود المادي بين الأحياء ..
وشئ آخر فإن التفريط في الفكرة التي تجمع بين قلوب الناس ، وعقولهم ، تفريط في الجهاد الصادق ضد الاستعمار .. ذلك بأن الناس لا يصدقون في الجهاد ، ولا يستطيعون التضحية بالنفس ، والنفيس ، إلا في سبيل فكرة كبيرة ، خالدة ، تصغر ، في نظرهم ، الوجود المادي المحدود ، وتطمعهم في الخلود المطلق الباقي .. وهذه الفكرة الخالدة ، الكبيرة ، هي الإسلام ، الذي يدعو المجاهد إلى إحدى الحسنيين: إما شرف الشهادة ، وإما عزة النصر ..
فللجهاد الصادق ، لابد من الإسلام ، ولإسلوب الحكم الصالح ، لابد من الإسلام ، أيضا ولو أن السودانيين دعوا إلى الجهاد لأن تكون كلمة الله هي العليا لصدقوا الجهاد ، أولا ، ولنقوا نفوسهم ، وأناروا بصائرهم ، ثانيا ، ولتحقق إذن بذلك غرضان ، في وقت واحد ، أولهما جلاء الدخيل ، وثانيهما تحقيق الحكم الصالح الذي يكون فيه الشعب المستنير رقيبا يقظا على قادته وحكامه ..
ولو فرضنا جدلا أن هذا التكتل (الصناعي) الذي تدعو إليه حركتنا الوطنية حول جلاء الاستعمار فحسب ، استطاع أن يخرج الاستعمار لخشينا أن يقودنا إلى حرب أهلية مستطيرة ويجب أن نفهم جيدا أن القول بالجمعية التأسيسية التي تقرر مصيرنا قول مضلل ، ذلك بأننا نحن منقسمون بين طائفتين كبيرتين بينهما عداء تاريخي ، وليس لأيهما برنامج ايجابي ، وإنما برنامج كلتيهما الحرص على ألا تنتصر الأخرى .. ولا يمكن أن يكون ، في مثل هذه الحالة ، انتخاب حر .. ولا ينتظر أن يرضى المهزوم في انتخاب مطعون فيه عن نتيجته ولايمكن ، تبعا لذلك ، أن يكون هناك استقرار ، وإنما هي الحرب الأهلية ، والفوضى ، والفساد ، والنكسة ..
إن حركتنا الوطنية لا يمكن أن تحقق طائلا إلا إذا جمعت أشتات الفرق ، والطوائف ، والأحزاب ، أيضا ، حول الفكرة الخالدة التي جاء بها الإسلام ، والتي ، أشرت إليها آنفا ، والتي اجتمع عليها أوائلنا ، فحققوا العزة ، والحرية والعدل .. ولن تجد سودانيا واحدا يتخلف عن دعوة تجمع بين عز الدنيا ، وشرف الآخرة ..
الخرطوم في 30 / 10 / 1951 م