في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

التجلي الذاتي


وعجيب حديثك عن التجلي الذاتي!! وواضح أنه لا حظ لك فيه.. ومع ذلك، فأنت تتحدث عنه على هينة، وفي يسر.. (القيامة باختصار هي تجلي الله بذاته..
ولا شك أن الله موجود دائما في كل مكان وفي كل آن ولكن.. فرق بين وجوده وبين تجليه بذاته.
وبالتجلي بالذات يحدث القهر التام لكل شيء والفناء للصور المادية بأسرها فلا صورة للمادة يمكن أن تقوم أمام ذات الله في توحده وكماله وتجليه.
هذا حدسي في مسألة القيامة).. هذا قولك من صفحة 194، أعيد إقتباسه عليك، مرة أخرى، لعله يحدث في نفسك ما أحب له أن يحدث فيها. من تهيب هذا الأمر الخطير، الذي ما كان ينبغي لها أن تخوض فيه قبل أن تخلع النعلين، وتواصل التلبية، وتستشعر الخشوع..
والقيامة ليست تجلي الله بذاته، وإنما هي تجلي الجبروت.. فالتجليات ثلاث: التجلي الجلالي، والتجلي الجمالي، والتجلي الكمالي..
فأما التجلي الجلالي فهو تجلي القهر الإرادي الذي، تحت وطأته، سارت العناصر جميعها في طريق الإسلام العام: (وله أسلم من في السموات، والأرض، طوعا وكرها..) والمقصود، في هذه المرحلة من التجليات، (الكره).. وما دخل (الطوع) في العبارة القرآنية: "طوعا وكرها" إلا باعتبار ما يؤول إليه الأمر، كنتيجة لقهر الأشياء تحت سطوة التجلي الجلالي، وذلك حين تبرز العقول من المادة الصماء، وساعتئذ، يبدا طرف من التجلي الجمالي، في الفينة بعد الفينة، وذلك لتدريج العقول الناشئة.. وهذا تجل يزيد، كل حين بروزه عن التجلي الجلالي، وذلك كلما زادت العقول في ترقيها نحو النضج.. ثم يبرز التجلي الكمالي. وإلى بروز العقول الإشارة بقوله تعالى: "وإليه يرجعون".. من الآية الكريمة "أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات، والأرض، طوعا وكرها، وإليه يرجعون؟؟" فإن الرجوع إلى الله لا يكون إلا عن طريق العقول.. وإنما غرض التجلي الجلالي قهر المواد، لإبراز العقول منها.. فتجلي القيامة هو تجل جلالي.. أقرأ قوله تعالى (يأيها الناس!! اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى.. ولكن عذاب الله شديد..).. وهذا مشهد ساعة التخريب، وهو مشهد مستمر، إلى أن يبرز أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.. فيلازم التجلي الجلالي أهل النار في النار.. ويصير أهل الجنة، في الجنة، إلى التجلي الجمالي، والتجلي الكمالي.. كل حسب مقامه.. (هم درجات عند الله).. وترد هذه الصورة في الآيتين الكريمتين "وإن منكم إلا واردها.. كا على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا.. ونذر الظالمين فيها جثيا".. ويتوق أهل التجلي الجلالي إلى شيء من برد التجلي الجمالي، وذلك "يوم يقول المنافقون والمنافقات، للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم" فيرد عليهم الخطاب الجلالي: "قيل ارجعوا وراءكم، فالتمسوا نورا، فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب" قوله.. "باطنه فيه الرحمة" فهذه رحمة "الرحيم"، وهي جمالية، وكمالية.. قوله: "وظاهره من قبله العذاب"، فهذه رحمة "الرحمن:، وهي جلالية، في غالب أحوالها، والحكمة وراءها صهر العناصر واستخراج اللطائف من الكثائف – العقول من الأجساد – فهذا معنى قوله تعالى: "قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا").. فإذا برزت اللطيفة فقد وجب التجلي الجمالي بحكمة تدريجها، وتربيتها.. فإذا قويت اللطيفة (العقل) فقد وجب التجلي الكمالي.. والتجلي الكمالي هو تجلي ذات الله.. ذلك بأن ذات الله خير صرف، لا مكان للشر فيه، وإنما الشر في تنزلات الذات إلى مرتبة الحكمة.
ولقد تم تجلي الله بذاته على نبينا في مقام معراجه.. ذلك المقام الذي قال عنه تعالى: "إذ يغشى السرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى".. وعبارة: "مازاغ البصر وما طغى"، إنما هي وصف لاستعداد المحل، من النبي، لتلقي هذا الأمر العظيم.. واستعداد المحل يعني أن النبي، بفضل الله، قد أصبح وحدة ذاتية، في وحدة زمانية، في وحدة مكانية – اكتمل له التوحيد اكتمالا كبيرا – فتأهل بذلك لشهود المطلق - لتجلي الله بذاته.. واستعداد المحل عند النبي قد كان مقدمة، وكان نتيجة، في آن معا..
إن تجلي الله بذاته تجلي ربوبية، وهو لا يتم إلا إذا استعد المكان بصفة العبودية لتلقي أنوار الربوبية.. وأحب أن تعلم أن كبار العباد قد يكون لهم حظ من تجلي الله بذاته عليهم، وهم في هذه الحياة الدنيا، وذلك بفضل الله، ثم بفضل تجويدهم العبادة، ونزولهم منازل العبودية.. وإلى نزول هذه المنازل وردت التوصية النبوية الكريمة: (موتوا قبل أن تموتوا).. فإذا بلغ العابد، من الرضى بالله بحيث يكون كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف شاء، من غير اعتراض فقد بلغ مقامات شهود التجلي الذاتي.. ومن نقص الرضا بالله، ومن ثم، من نقص العبودية، أن تسأل الله شيئا لم يكن قد أعطاك إياه.. وهم يقولون، في ذلك: (من وثق بحسن اختيار الله له، لم يتمن غير الحالة التي هو فيها..) ومن ههنا جاء منع موسى، عليه السلام، من شهود الذات.. قال تعالى، في ذلك: "ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال: ربي أرني أنظر إليك!! قال: لن تراني.. ولكن أنظر إلى الجبل، فإن إستقر مكانه فسوف تراني.. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا.. فلما أفاق، قال: سبحانك!! تبت إليك.. وأنا أول المؤمنين".. سؤاله الرؤية: "ربي أرني أنظر إليك"، دل على نقص العبودية.. فجاء الرد من جانب القدس.. "قال لن تراني".. السبب؟؟ أن المكان منك لم يستعد بالعبودية لتجلي الذات – ذات الربوبية – أن ذاتك لم تستعد لترى ذات ربك – فحُجبت، بمحض الفضل، عما طلبت.. وإلا، لعطبت كما عطب الجبل، ولذهبت هباء، منثورا، كما ذهب الجبل.. وقد جعل الفضل الإلهي الجبل فداء لموسى، ومع ذلك، فلم يكن الذي وقع للجبل تجليا ذاتيا، وإنما كان تجليا جبروتيا، وذلك لأن الجبل لا ذات له – لا نفس له – تتلقى التجلي الذاتي.. أما محمد، سيد الأنبياء، وسيد ولد آدم، فلم يطلب الرؤية، ولم يطلب المعراج، فكان ذلك منه دليلا على تمام سكونه تحت مجرى الأمر الإلهي، فجاء وصفه بالعبودية من ربه.. قال تعالى عنه: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا.. إنه هو السميع البصير".. فتجلي الله بذاته إنما هو خير محض، لا مكان للشر فيه.. وتجلي الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، إنما هو إعداد لذات العبد لتتهيأ، بخروج الأغيار عنها، وخلوصها إلى العبودية الصرفة لتلقى الخير الصرف – لتلقى التجلي الذاتي – ومن ههنا فإن قولك الذي اقتبسناه آنفا: (وبالتجلي بالذات يحدث القهر التام لكل شيء والفناء للصور المادية بأسرها فلا صورة بالمادة يمكن أن تقوم امام ذات الله في توحده وكماله وتجليه) إنما هو قول باطل، ومسرف في البطلان.. وإني أعيذك بالله أن تخوض فيما ليس لك به علم، بمثل هذه السهولة، واليسر.. (إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم)..