في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

الصورة البشرية صورة الإنسان


وعن الصورة البشرية!! فإنها صورة الإنسان الكامل، وهي غاية التطور.. ولا يقع فيها تغيير إلا في لطافة حسها بتطور حدة حواسها، وبظهور الحاسة السادسة – العقل المكتمل – والحاسة السابعة – القلب السليم – ثم لا يقع فيها تطور، في السرمد، إلا باستمرار الخروج من العجز الى القدرة، وذلك باستمرار الخروج من الكثافة إلى اللطافة.. ومن ههنا تجيء زيادتها، في الكمال والجمال، وهي زيادة لا تتناهى.. إن لقاءك الله إنما يتم فيك.. (سيرك منك، وصولك إليك)..
إن أمرك لعجب!! حين تقول: (لأننا نقوم كلنا للقيوم. ومن هنا كان إسمها قيامة (لمن الملك اليوم؟؟ لله الواحد القهار)..
إنتهت الخلافة الوهمية التي كان كل منا يتصرف فيها كأنه إله وملك له ملك ورعية، وحاكم يحكم في بيته ومملكته.. حتى ظن بنفسه الظنون وتخيل أنه شيء..
هنا يعود الملك للمالك الحقيقي.
لقد حضر صاحب الشأن، الخالق الذي خلق كل شيء.. وإليه يعود كل شيء.
القيامة باختصار هي تجلي الله بذاته.
ولا شك أن الله موجود دائما في كل مكان وفي كل آن ولكن.. فرق بين وجوده وبين تجليه بذاته.
وبالتجلي الذاتي يحدث القهر التام لكل شيء والفناء للصور المادية بأسرها فلا صورة بالمادة يمكن أن تقوم أمام ذات الله في توحده وكماله وتجليه.
هذا حدسي في مسألة القيامة.) هذا ما قلته أنت في صفحة 194.. والعجيب حقا، في أمرك، أنك تخوض في أدق دقائق العلم الإلهي – في التجلي الذاتي – بغير علم، وتعترف بأنك تحدس (هذا حدسي في مسألة القيامة).. والحدس هو الظن، والتخمين، والقول بالرأي الفطير.. فكيف سولت لك نفسك مثل هذه الجرأة العظيمة على الحق؟؟..

القيام لله والقيام بالله


انظر لقولك: (لأننا نقوم كلنا للقيوم. ومن هنا كان اسمها قيامة)!! إن هذا قول خاطئ، فإن القيام للقيوم عبادة.. قال تعالى في ذلك: (حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين).. قوله (قوموا)، يعني: قفوا لله.. يعني انتصبوا.. قوله: (قانتين)، يعني: متواضعين.. يعني: متذللين.. والقيام لله، في العبادة، مدخل على مقام الاستقامة في العبودية.. ولقد تحدثنا عن الاستقامة في هذا الكتاب، وقلنا أنها أعز مطالب الرجال، إذ فيها تسقط الدعاوي، ويتفرد القيوم بالقيومية، ويتحقق للعباد مشهد القيام بالله.. ويومئذ يتم بعثهم من قبورهم، التي هي أجسادهم – يتم بعثهم من الموت، الذي هو ظلام جهلهم وينهضوا في مدارج الحياة الكاملة، ومعارج الأنوار الساطعة: "أومن كان ميتا، فأحييناه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات، ليس بخارج منها؟؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون..".. "ميتا" يعني بالكفر "فأحييناه"، يعني بالإيمان.. القيام لله عبادة، وهو دعوى.. وهو مع ذلك، سبيل إلى التخلي عن الدعوى وذلك في مقام الإستقامة.. ويومئذ يحل محله القيام بالله..
القيام لله عبادة، والقيام بالله عبودية.. والعبادة دعوى، والعبودية تخلي عن الدعوى، وإستسلام.. القيام لله جهل، والقيام بالله علم.. القيام لله غفلة، والقيام بالله يقظة.. والموتى رفع عنهم بالموت حجاب الغفلة.. قال تعالى عنهم: "لقد كنت في غفلة من هذا، فكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد.." فهم لا يقومون لله، وإنما يقومون بالله، وقد سقطت عنهم دعاوي الغفلة، ومن ههنا – من (القيام بالله)، لا من (القيام لله)،- سميت القيامة (القيامة).. فالقيامة بعث من موت القبور.. أو بعث من موت القلوب.. وهي، في الحالتين كلتيهما، صيرورة إلى الكمال، كل بحسب حاله.. فأما في حالة القيام من موت القلوب – في حالة بعث موتى القلوب – فإنما هي كمال بالخروج من ظلام الجهل إلى نور العرفان..
ولقد عناها العارف النابلسي حين قال: (إن تكن (بالله) قائم * * لم تكن.. بل أنت هو..).. والذي تجب ملاحظته هو أنه لا يمكن أن يقول: (إن تكن (لله) قائم * * لم تكن.. بل أنت هو..).. قوله: (إن تكن بالله قائم).. يعني إن تخلصت من وهم قيامك بأمر نفسك، وشاهدت شهودا ذوقيا، حسيا ألا حول لك، ولا قوة، وأنه: (لا حول، ولا قوة، إلا بالله)، فقد أمحت عنك رعونات نفسك.. يعني: تخليت من نقص صفاتك، وتحليت بكمال صفاته..
(إن تكن (بالله) قائم * * لم تكن.. بل أنت هو)
أرجو أن يكون قد وضح لك أن قولك: (لأننا نقوم كلنا للقيوم، ومن هنا كان إسمها قيامة)، قول ممعن في الخطأ.. وأرجو أن يكون واضحا عندك أنه، وإن كان في لغة العرب قد ينوب بعض حروف الجر عن بعض، غير أنها تشكل إختلافا كبيرا في لغة العرفان: فالصبر (مع الله)، والصبر (بالله)، والصبر(في الله)، والصبر(على الله)، والصبر(عن الله)، كلها تختلف إختلافا كبيرا فيما بينها.. وللعارفين فيها مشاهد، ومقامات.. وما يقال عن هذه يقال عن: (القيام لله)، و(القيام بالله)..