في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

المعبود بحق


(لا إله إلا الله.. إذن لا معبود إلا الله) هذا قول الدكتور، وهو قول منقول ومأثور بإضافة كلمة (بحق) بعد كلمة معبود وقد كان صحيحا في مرحلة عبادة الأصنام – مرحلة الشرك الغليظ – أما الآن وقد إنتقل الشرك الغليظ إلى الشرك الخفي فقد تطور مفهوم (لا إله إلا الله) ولم يعد: (لا معبود بحق إلا الله) وإنما أصبح معناها لا فاعل لصغير الأشياء وكبيرها إلا الله.. الفاعل واحد للكبيرة وللصغيرة، وذلك أن الإله هو تنزل الله إلى مرتبة الفعل.. فالتنزلات ثلاث: إلى مرتبة الاسم – الله – وإلى مرتبة الصفة – الأحد – وإلى مرتبة الفعل – الواحد – والواحد دائما صفة الإله.. وحيث وردت صفة (لله) فإنما هي الله في مرتبة الفعل مثل قوله تعالى: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟؟) أو.. (قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) أو (لمن الملك اليوم؟؟ لله الواحد القاهر) ووصف الإله (بالواحدية) هو ما عليه الأمر في ساير القرآن، ومن أمثلة ذلك: (ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا‍‍!! خيرا لكم.. إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد، له ما في السموات، وما في الأرض، وكفى بالله وكيلا) أو قوله: (إلهكم إله واحد، فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة، وهم مستكبرون) أو مثل قوله: (وقال الله: لا تتخذوا إلهين، اثنين، إنما هو إله واحد، فإياي فارهبون)..
وذلك أن الناس لم ينكروا الله، وإنما أنكروا الإله.. يعني أنكروا أن يكون الله هو الفاعل لكل الأشياء، كبيرها، وصغيرها.. فأما الأفعال الكبيرة فقد فعلها الله.. يعترف بذلك كل الناس.. وأما الأفعال الصغيرة التي لهم فيها وهم مشاركة فهم ينسبونها للمخلوقات، ويذهلون عن الله.. قال تعالى في ذلك: (ولئن سألتهم من خلق السموات، والأرض، وسخر الشمس، والقمر؟؟ ليقولن الله.. فأنى يؤفكون؟؟ * الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، إن الله بكل شيء عليم * ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها؟؟ ليقولن الله.. قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون * وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون).. قوله: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر؟؟ ليقولن الله) يعني لئن سألت المشركين عن ذلك يقولون (الله) لأن هذه الأعمال الكبيرة لا يقع لهم فيها وهم مشاركة، لعظمتها وجلال قدرها، وظهور عجزهم، وعجز المخلوقات الأخرى عن الإتيان بمثلها.. ثم قال (فأنى يؤفكون؟؟)
فكأنه قال فكيف يصرفون عن حقيقة هذا التوحيد عندما تدخل في الإعتبار الأعمال الصغيرة التي تتعلق بالرزق مثلا؟؟ فكأنه قال إن تسألهم: من خلق السموات والأرض؟؟ يقولوا: الله.. وإن تسألهم: من يرزقكم؟؟ يقولوا: كدنا، واجتهادنا.. وههنا يقع منهم الشرك.. وكذلك فقد أردف قوله السابق بقوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، إن الله بكل شيء عليم) فكأنه قال: إن الرازق للعباد، وإن خالق السموات، والأرض، هو واحد.. ثم هو لتوضيح كل ذلك ذهب ليقرّب الأمر للعقول فقال: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها؟؟ ليقولن الله.. قل الحمد لله، بل أكثرهم لا يعقلون) فههنا إشارة لطيفة للشرك في أمر الرزق في الزراعة.. فكأنهم يعتقدون، أو يكادون يعتقدون، أن عمل الله وقف عند هذا الحد، وبدأ عملهم هم في بذر الحب، وتعهده بالنظافة، والعناية، حتى يبلغ حصاده، فيصبح رزقا ناجزا.. ولتوضيح هذا الخطأ يجيء القرآن في موضع آخر ليقول: (أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟؟ * لو نشاء لجعلناه حطاما فظللتم تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن محرومون) فيستخدم كلمات اللغة أتم استخدام باستعمال كلمة (حرث) لما يخص عمل (الزارع) ثم استعمال كلمة (زرع) لما يخص الله من فعل (الإنبات).. ثم تجيء الآيات الباقيات لتزيد توضيح الفعل الإلهي الدقيق الذي يتدخل في أمر الرزق بصورة تجعل اللجوء إليه في كل كبيرة وصغيرة من أولويات العلم..
ولأهمية ترسيخ وحدة الفاعل في أخلاد السالكين يقول تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم.. وهو السميع العليم * ولئن سألتهم من خلق السموات، والأرض، وسخر الشمس، والقمر؟؟ ليقولن الله.. فأنى يؤفكون؟؟ * الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدر له.. إن الله بكل شيء عليم) فيحف الآية ذات الدلالة الدامغة على وحدة الفاعل وهي: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر؟؟ ليقولن الله.. فأنى يؤفكون؟؟) بآيتين: قبلها، وبعدها، كليهما في أمر الرزق، فيقول في الآية التي سبقتها (وكأين من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم.. وهو السميع العليم) وهذه إشارة إلى أن الحيلة في تدبير الرزق ليست هي سبب الرزق، وأن الله يرزق من يدبر، ومن لا يدبر، لأن الله هو سبب الرزق.. (الله يرزقها وإياكم)… ثم يقول في الآية التي لحقتها (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدر له.. إن الله بكل شيء عليم) فلم تغادر شيئا من وهم الواهمين إلا جلته.. فإن حدثتك نفسك بأن الضروري، والكفاف من الرزق مضمون بلا تدبير، ولكن لتوسعة الرزق لا بد من سعة الحيلة، فاعلم أن (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدر له) وهو، في هذا، أو ذاك، أعلم بما يصلح عباده (إن الله بكل شيء عليم)..
إن الشرك الغليظ قد انتهى لغير عودة.. ولم يبق إلا الشرك الخفي، ولا نهاية لهذا، فإنه يدق، ولا ينقطع، ولا ينتهي.. وكل الشرك سببه الرزق.. فإنا نتهم الله سبحانه، وتعالى، عن ظنون جهالاتنا.. قال المعصوم: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده.. وما علم ذلك أحد!! قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا!! قالوا: ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيء!! قال: إن الله أجل، وأخطر، من أن يحيط بما عنده أحد) ومعنى هذا أن النبي، على جلال قدره، وكمال معرفته بربه وحسن توكله، وتمام عناية ربه به، حتى أنه لقد قال: (إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني، ويسقيني!!). مع كل أولئك لم يكن ليستطيع أن يتوكل على الله حق توكله.. وهناك حديث، في أمر الرزق، وأمر التوحيد، يقول فيه المعصوم: (لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله، ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم، فإذا فعلوا ثم قالوها، قال الله: كذبتم، لستم بها صادقين).. (يبالوا ما نقص من دنياهم) قد تعني حركة الخاطر بالاعتراض، أو بالسخط على أمر تتمنى النفس أن لم يكن قد كان.. وهذا من أدق الأشياء، ولا يستقيم لأحد الخلاص منه، بالغا ما بلغ من صدق اليقين، ومن تمام الرضا.. فإن الله، جل، وعلا، وتنزه عن أن يرضى به عبد كل الرضا..