((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

كيف تسربت الدعوى ؟


وتقول مصادر أخرى أن هذه الفلسفة، أو "الشعوذة"، تسربت إلى إفريقيا عن طريق هجرة الهنود من أجل الرحلات التجارية، والعلمية والثقافية.. كما أن كتب التاريخ حافلة باعتقاد قدماء المصريين، في كثير من المسائل المحسوسة كالسحر، والطلاسم..
وتقول المصادر الواردة في الكتب: أن فلسفة تحضير الأرواح خليط من فلسفة أفلاطون، ومذهب الرواقيين، ونظريات البوذيين الهنود، والصينيين، وهم أصحاب بدع مستحدثة !!
وبعد.. هذا قليل من كثير روته كتب التاريخ عن تحضير الأرواح، في الماضي، وكيف تسربت الحركة من العراق إلى البلاد الأخرى..

و ما هي الإعتقادات ؟


إننا نعتقد أن مثل هذه الحركة "تحضير الأرواح" تحتاج إلى باحثين، متقدمين، أن يسلطوا الأضواء عليها، ويوضحوا أبعادها، وأضرارها.. أن ما سطرناه في "الأيام" هو محاولة متواضعة، سطحية، أخذت الطابع التعميمي ونرجو أن تكون البحوث القادمة من باحثينا المقتدرين، فيها سعة الفكر، والجلاء لما أغمضه التاريخ"..
هذا ما أورده الأستاذ مراسل صحيفة "الأيام" بمدني.. ولما كانت إجابتي لا بد أن تكون قصيرة، الآن، فإن الذي يهمني هو السؤال الوارد في صدر التحقيق بالحروف الكبيرة عن تحضير الأرواح.. أهو فلسفة؟؟ أم مذهب ديني؟؟ أم شعوذة، ودجل؟؟ وأحب أن أقرر، ومن الوهلة الأولى، أنه ليس فلسفة، ولا هو بمذهب ديني، وإنما هو شعوذة، ودجل.. بل هو، فيما يخص المرحلة الحاضرة من تاريخنا، نحن المسلمين، شر من الشعوذة، والدجل.. هو حرب على الدين، وتعويق لبعثه، وتخريب للضمائر، ومفسدة للعقول، والقلوب.. وشر ما فيه أنه يمر باسم الدين، إذ تمارس، بإرشاد هذه الأرواح، تلاوة القرآن، وتقام حلق الذكر.. وشر البلية أن هذا التضليل قد جاز على بعض مشائخ الطرق الصوفية المعاصرين، فأخذوا يلبون دعوات هؤلاء النفر لإحياء ذكرى بعض السلف الصالح، من أمثال الإمام الغزالي.. ولقد كان أولى الناس بأن يكشف تضليلهم مشائخ الطرق، الذين يعلمون أن الطريق مكاففة، إذ أنك لابد أن تضع كفك في كف مرشدك، لتتلقى العهد وتسلك الطريق..
ولكن لا جرم !! فإن الطرق الصوفية قد أنى لها أن تعود إلى طريقة الطرق ـ إلى طريق محمد ـ الذي منه انبثقت، أول أمرها.. ولقد كان مشايخة الطرق ومؤسسوها، نواباً للنبي المعصوم، في عهد الجهالات.. ينقلون الناس إليه، في حكمة، وبصر، وعلى هدى مستنير.. وهذا هو السر الذي به ظهرت الشهادة المثلثة فأدخلت المشايخ: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، الجيلاني ولي الله"، هذا لمن كان طريقه جيلانياً.. وكل تابع طريق يقوم بينه وبين النبي شيخ طريقته.. حتى لقد بلغني أن الشيخ صالح فضل الركابي كان يقول: حاج عبد الله الدفاري محمدنا إلى الله.. وهو قول صحيح، ويدل على بصر بأمر السلوك.. فإن مشائخ الطرق ورثة محمديون.. على القدم المحمدي.. كل حسب تحصيله.. والآن، فلنقل شيئاً عن السلوك، ولنبدأ بالروح:

الروح


لقد ختمت جوابي إلى موسى أبو زيد عن الروح بإشارة إلى العقل، والعقل أكرم خلق الله على الله، لأنه الوسيلة إليه، وليس غيره وسيلة.. وبه الترقي في مراقي القرب، وذلك ترق سرمدي، لا يقر له قرار، ولا يتناهى له مدى.. ولقد نزل القرآن من أجل ترويض هذا العقل، وتأديبه، وتسديده إلى معارج القرب.. وإنما من أجل ذلك أيضاً، فرضت الفرائض وعزمت العزائم، ونهضت التكاليف..
فالعقل روح، والجسد روح.. والاختلاف بين العقل والجسد اختلاف مقدار، وليس اختلاف نوع.. فالعقل هو الطرف الرفيع من الجسد.. وأما غرض العبادة، وغرض التكاليف التي احتشد بها القرآن أن تستخرج اللطيف من الكثيف حتى يصير الجسد في لطافة العقل.. وبذلك يحيا الحياة الكاملة، الخالدة، التي لا تؤوفها آفة، ولا ينغصها منغص.. فالقرآن بهذا وسيط بين الكثيف ـ الجسد ـ واللطيف ـ العقل.. والقرآن أيضاً روح..
ولقد وردت "الروح" في القرآن بهذه المعاني الثلاثة.. ففي معنى العقل وردت العبارة بجبريل، وذلك حيث يقول تبارك، وتعالى: "نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين".. فإن جبريل كل إنسان هو عقله الذي في دماغه.. وفي معنى الروح الذي هو الجسد ـ أعني الحياة ـ جاء قوله، تعالى من قائل: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".. فالروح هنا روح الله، وهي تعني العلم القديم.. وتعني الجسد الحي حياة كاملة، قديمة، وتعني أيضاً الحياة الكاملة المطلقة الكمال..
وفي معنى الروح الذي هو القرآن ـ العلم الحادث، والعلم القديم ـ جاء قوله تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب، ولا الإيمان؟ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا.. وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم..".. وفي القرآن العلم الحادث، والعلم القديم.. فالعلم الحادث شريعة وطريقة.. والعلم القديم حقيقة، والغرض وراء العلم الحادث، ووراء العلم القديم، هو ترويض العقل، وتأديبه بأدب القرآن حتى يتطور بالتحصيل والعرفان، نحو القديم.. فإذا طابق الحادث القديم فقد انبعث الجسد من الموات، وحيي الحياة الكاملة، المعبر عنها بالحياة العليا، في مقابلة الحياة الدنيا.. ولقد جاء ذكرها في القرآن الكريم هكذا: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو، ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، لو كانوا يعلمون".. وكلمة "الحيوان" مصدر من حيي، وفيها مبالغة قصد بها إلى التعبير عن الحياة الكاملة، الخالدة، التي لا تؤوفها آفة، ولا ينغصها منغص، كما سلفت إلى ذلك الإشارة آنفاً.. وعبارة: "لو كانوا يعلمون.." إشارة إلى الروح التي هي القرآن، وهو الروح المتوسط بين الروح الحادث ـ العقل ـ والروح القديم ـ الجسد.. وبفضله يرتقي الحادث في معارج القرب من القديم، وحين يتم التوحيد بين الحادث والقديم يحصل البعث، وتتم الحياة الكاملة للمترقي في هذه المعارج.. والقرآن جسده محمد، حتى لقد أصبحت حياة محمد هي مفتاحه.. فمن ابتغى إدراك دقائق القرآن، ليحصل له به الترقي الذي ذكرناه، فليس له، إلى مبتغاه، من سبيل غير تقليد محمد.. قال الله في ذلك لنبيه "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" فليس على حظيرة القدس من دخول إلا عن طريق هذا الباب.. ولقد قال المعصوم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً: كتاب الله، وسنتي..."
ولقد كتبت في هذا المعنى كلمة نشرتها الصحف عام 1954 تحت عنوان "دقائق التمييز" أعيد نشرها هنا ليطلع عليها القراء مرة أخرى..

دقائق التمييز


أمران مقترنان، ليس وراءهما مبتغى لمبتغٍ، وليس دونهما بلاغ لطالب: القرآن، وحياة محمد.. أما القرآن فهو مفتاح الخلود.. وأما حياة محمد فهي مفتاح القرآن.. فمن قلد محمداً، تقليداً واعياً، فهم مغاليق القرآن.. ومن فهم مغاليق القرآن حرر عقله، وقلبه، من أسر الأوهام.. ومن كان حر العقل، والقلب، دخل الخلود من أبوابه السبعة.
ويجب التمييز بين حياة محمد، وحديث محمد.. فأما حياته فهي السمت الذي لزمه في عاداته، وفي عباداته، من لدن بعثه، وإلى أن لحق بربه.. وأما حديثه فضربان، فما كان منه متعلقاً بسمت حياته في عاداته، وفي عباداته، فهو منها، ولاحق بها.. وما كان منه مراداً به إلى تنظيم حياة الجماعة التي بعث فيها، فهو لم يصدر عنه إلا باعتباره إمام المسلمين، يشرع لهم من الدين ما يلائم حاجتهم الحاضرة، وما يستقيم مع مستواهم العقلي، والمادي والاجتماعي.. ولو قد فعل غير ذلك لشق عليهم، ولأعنتهم، ولأرهقهم إرهاقاً.. وما قام من تشريع حول حياة محمد فهو ليس بالشريعة الإسلامية، وإنما هو سنة النبي، وهو لا يزال صالحاً، في جملته وفي تفصيله، لأن النفس البشرية لا تزال، في وقتنا الحاضر بحاجة إليه، ولم تشب عن طوقه.
وما قام من تشريع حول حديث محمد "الذي أراد به إلى تنظيم حياة الجماعة" فهو الشريعة الإسلامية، وهو خاضع لسنة التطور ـ سنة الدثور، والتجديد ـ لأن المجموعة البشرية قد ترقت أكثر مما ترقت النفس البشرية، وقد استجدت لها أمور تحتاج إلى تشريع جديد، يستوعبها، ويحيط بها جميعاً.. هذا التشريع موجود في القرآن، ولكنه مكنون، مصون، مضنون به على غير أهله.. فمن سره أن يكون من أهله فليقلد محمداً في منهاج حياته، تقليداً واعياً، مع الثقة التامة بأنه قد أسلم نفسه إلى إرادة هادية، تجعل حياته مطابقة لروح القرآن، وشخصيته متأثرة بشخصية أعظم رجل، وتعيد وحدة الفكر، والعمل، في وجوده ووعيه كليهما، وتخلق من ذاته المادية، وذاته الروحية كلاً واحداً، متسقاً، قادراً عل التوحيد بين المظاهر المختلفة في الحياة..
أمران مقترنان: القرآن، وحياة محمد، هما السر في أمرين مقترنين: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" لا يستقيم الأخيران إلا بالأولين..

محمود محمد طه