((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

و حدة الوجود


ويهمني من هذه الأطوار السبعة التي أبرزتها لك في حديثي هذا، والتي تظهر في شكل هرمي، له قاعدة غليظة وقمة رفيعة، أن أقرر أن الوجود مكون من مادة واحدة، وأن الاختلاف في أطوارها اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع.. فالروح، مثلاً، هي الطرف الرفيع، الشفاف، من النفس.. ويمكن القول بأن النفس هي الطرف الغليظ، الكثيف، من الروح.. والحق، (وهذا أمر يقتضيه التوحيد) أن الوجود كله مصنوع من مادة واحدة، وهذه المادة تكون في حالة من الذبذبة العالية حتى يتكون منها أرفع الأرواح، أو تكون في حالة من الذبذبة المنحطة حتى يتكون منها أغلظ الأجسام.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: "إلا إبليس، كان من الجن، ففسق عن أمر ربه".. و"من الجن" يعني من الملائكة.
فأنت ترى، إذن، ألا فرق بين المادة والروح، إلا فرق هذه الذبذبة في المادة الواحدة.. وكل صوفي مجرب يعرف ذلك جيدا.. فهو، في حالات التجليات، والإشراقات، التي تجيء نتيجة للعبادات الجسدية، من صيام وصلاة، يشعر بأن حظ روحه من كيانه المادي أكبر، حتى ليخيل إليه أن الزمان لا يحده، وأن المكان لا يحويه، وأنه روح أثيري، طليق، حر، لا سلطان لغير الله، سبحانه، وتعالى عليه.. وعندما أسرى بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وعرج به، كان في حالة من هذه الحالات، ولقد بلغت مداها، وتحررت من الزمان، والمكان، حين حكى الله تعالى عنها بقوله: "ما زاغ البصر، وما طغى".. أي اتحد البصر والبصيرة، واستغرق وحدتهما "الحاضر" فلم يكن ندم على "الماضي"، "ما زاغ البصر" ولا خوف من "المستقبل"، "وما طغى".. ثم فرضت عليه الصلاة ساعتئذ لتكون له، وللمسلمين، معراجاً يحقق بلوغ تلك المرتبة الرفيعة بالسير الثابت، المتصل، الدائم في الترقي الروحاني، وإلى ذلك المقام الرفيع الإشارة بقوله تعالى، وهو خطاب لمحمد ولسائر الخلق، "ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا".. ونحن نعرج بالصلاة كلما صلينا صلاة حسنة، متقنة، وترتفع بهذه الصلاة ذبذبة أجسامنا، ارتفاعاً يتصل بالسماء، نورانياً، مشعاً، قوياً.. وإذا ما صلينا في جماعة كان ارتفاع ذبذبة أجسامنا أقوى مما لو صلينا منفردين.. وهذا هو السر في فضل صلاة الجماعة.. وهذا هو السر في الأمر بتسوية صفوف المصلين، وتلاصق كتوفهم حتى تكون الأجسام المتراصة، المتصلة، جسماً واحداً، فيرتفع ضعيفها بارتفاع أقواها.. ومهما يكن من الأمر، فلابد من تسمية الأطوار بأسماء تجعل التفاهم ممكناً، ولذلك فقد سمى الطرف الرفيع من النفس بالروح.. وبذلك فهي قمة الشكل الهرمي الذي تحدثنا عنه كثيراً.. فالروح هي المعنية بالوجه في قوله تعالى: "كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك، ذو الجلال، والإكرام" وهي هي المعنية بنهايات الأطوار في جميع الآيات التي أوردتها آنفاً، أي هي الطور السابع فيها جميعاً ـ ونجيء هنا إلى الروح مباشرةً..

ما هو الأمر


"ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" فأولاً !! ما هو الأمر؟
لقد تحدثنا عن الإرادة، فقلنا أنها الصفة القديمة، المتعلقة بالقديم، وما المخلوقات جميعها إلا مظاهر لتجلياتها في الوجود المادي ـ فلم يدخل في الوجود شيء إلا عنها ـ فلا كفر، ولا إيمان، ولا شر، ولا خير، إلا منها.. فهي تتسع لجميع الثنائيات، والمتناقضات، ولها شكلها الهرمي، بقاعدته وقمته.. وتعدداتها وثنائياتها تكون في القاعدة، وتتفاوت إلى القمة، حيث لا يكون إلا الوحدة ـ هذه هي الإرادةـ وأما الأمر فهو الإرادة عندما تفضي فيها الثنائية إلى الوحدة، لأن الوحدة هي الأصل، والثنائية المظهر.. فمثلاً: الله خير محض، ولا يصدر عنه إلا الخير.. ولكنا، نحن، لقصور عقولنا، ولاعتبارنا لأنفسنا وحدها، نرى أن بعض الأشياء خير، وبعضها شر.. ونجزع مما نسميه شراً، ويستبد بنا البطر عندما نظفر بما نسميه خيراً.. ولذلك فإن الله تعالى يقول في تربيتنا: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم، وأنتم لا تعلمون".. أو يقول: "والله أعلم بأعدائكم، وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً".. ولقد قال بعض العارفين في قوله تعالى "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة": إن النعم الظاهرة هي العوافي، والنعم الباطنة هي المصائب.. ونحن حين نتربى على هذا التهذيب السماوي، ونتفطن لقول الله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض، ولا في أنفسكم، إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختالٍ فخور"، نسير في الترقي حتى نرتفع إلى مرتبة التوحيد، ونصبح قادرين على التوحيد بين المظاهر المختلفة في الوجود، ويظهر لنا جلياً أن الخير هو الأصل، والموت، الذي هو في نظرنا أكبر الشرور، يبدو لنا في حقيقته، فإذا هو ميلاد جديد، في عالم جديد، أرحب، وأنضر، من عالمنا الحاضر.. هذا للصالحين، بالطبع.. يتضح من هذا أن الأمر هو قمة الإرادة، وأنه، بذلك، أخص من الإرادة، والإرادة أعم منه.. اقرأ قول الله تعالى: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها.. قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء.. أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل: أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه، مخلصين له الدين، كما بدأكم تعودون".. أو اقرأ قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء، والمنكر، والبغي.. يعظكم، لعلكم تذكرون".. يتضح لك ما أردت من خصوص الأمر، بعد أن اتضح لك شمول الإرادة.. والإيمان بالأمر، أو قل: اليقين به، يوجب الرضا بالإرادة، وذلك حظ النفس الراضية، التي تجيء في المرتبة بعد النفس المطمئنة.. وقد سلفت الإشارة إلى ذلك.. والرضا بالإرادة مرتبة توحيد تام عند العابد، وبه تتغذى روحه، ويرتفع كيانه جميعه..

الأمر محرر من الزمان و المكان


وتخلص الأمر من الثنائية التي اشتملت عليها الإرادة خلصه من الزمان والمكان.. اقرأ قوله تعالى: "إنا كل شيء خلقناه بقدر، وما أمرنا إلا واحدة، كلمحٍ بالبصر".. فما يكون الخلق إلا في الزمن، ولكن الأمر خارج الزمن.. "إنما أمره إذا أراد شيئاُ أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه ترجعون"..
وسنذكر في مقام التحرر من الزمن هذا كل ما سبق ذكره في قوله تعالى: "ثم استوى على العرش" ومن قوله تعالى: "ثم أنشأناه خلقاً آخر"، ومن قوله تعالى: "ونفخت فيه من روحي".. كما لا بد أن نذكر الحديث عن النفس الكاملة، تلك التي انتهى بها تطور النفس في أطوار الترقي حتى بلغت قوله تعالى: "ما زاغ البصر وما طغى"، إلى آخر هذه العبارات التي تدل على نهايات الأطوار التي حدثتك عنها، والتي جاءت كقمة للشكل الهرمي دائماً.. ولا بد أن نذكر قولنا: إن الروح هي الطرف الرفيع من النفس، أو هي قمة الشكل الهرمي.. وسيتبين من كل أولئك أن الروح هي "الأمر"..

الروح ، العلم ، الحياة ، الله


"ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً".. وقد وردت الإشارة إلى العلم في هذه الآية، وهي تحمل كناية طريفة بأن الروح هي العلم أيضاً.. ولو تمعنت في حديثي الماضي يتأكد عندك أن الروح هي العلم.. فقد حدثتك أن الأمر هو قمة الإرادة، وحدثتك أن الإرادة صفة وسط بين صفتين: من أعلاها العلم، ومن أسفلها القدرة.. ومعنى هذا أن العلم هو قمة الإرادة أيضاً.. والعلم هو الحياة، وهو الله.. فإن صفات الله القديمة قائمة بذاته القديمة، وهي ليست غيره.. ونحن إنما نجهل أصل الحياة لأننا نجهل الله.. والحق أن علمنا بكنه الأشياء جميعها قاصر، وأنا لا نعلم إلا خصائص القوى، دون كنهها.. فالمادة مثلاً، على اختلاف صورها، قد ردت إلى أصل واحد، وذلك بفضل تقدم العلم الطبيعي في اكتشاف أسرار الذرة.. وقد وجد أخيراً أن المادة بصورها المألوفة ليست هناك، وإنما هي شحنة كهربائية، أو هي طاقة، تُعرف خصائصها، ولا يُعرف كنهها.. ونحن عندنا أن المادة هي مظهر "للإرادة" وأن الإرادة هي الله.. ونحن لا نعرف الله معرفة إحاطة، ولن نعرفه، ولكننا سنظل نطلبه حثيثاً.. ولن تكون نهايتنا إلا عنده، وليس لذلك نهاية.. "وأن إلى ربك المنتهى".. ولا منتهى..
وهذا الشكل الهرمي الذي صورناه في المخلوقات موجود في كل ذرة من ذرات الوجود، وهو، فيما اصطلحنا على تسميته بالأحياء، أظهر مما في عداه.. وهو في الإنسان، أظهر منه في النبات، والحيوان.. ويبدو أن الروح التي دار حولها نقاش العلماء في تلك الندوة الطريفة هي روح الإنسان، ولذلك فلا بد من الإشارة إليها في ردي هذا عليك..

الروح الإنساني


يقول الله تبارك وتعالى: "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين".. ولقد اختلف المفسرون في الشجرة هنا، ما هي؟؟ وهي عندي شجرة التين، وهي كناية عن النفس الأمارة.. ولقد ذكرنا أن النفس الأمارة هي الطور الذي يشترك فيه الإنسان، والحيوان السائم.. ولا يبدأ الإنسان في ارتقاء أطوار الإنسانية إلا حين تبدأ جرثومة النفس اللوامة، وإنما تجئ تلك كنتيجة لكبح جموح النفس الأمارة بإخضاعها لمقتضيات الحلال، والحرام.. وهذا هو السر في تحريم الشجرة على آدم وزوجه في الجنة..
وعند بروز النفس اللوامة تكون قد برزت ثلاث قوى: ذكاء لمعرفة الحلال، والحرام، وإرادة لاجتناب الحرام وعمل الحلال، ومقدرة على تنفيذ العمل، أو الترك.. وهذه القوى الثلاث هي ما نسميه في الإنسان بالعلم، والإرادة، والقدرة، التي أسلفنا عنها القول، عندما تحدثنا عن قول المعصوم: "إن الله خلق آدم على صورته".. ومستوى النفس الأمارة هو المشار إليه بقوله تعالى: "فإذا سويته"، في الآية الكريمة: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين".. والتعبير: "ونفخت فيه من روحي" يشير إلى بدء جرثومة النفس اللوامة، وهي، كما بينا آنفاً طور من أطوار ترقي النفس.. ولكنه طور ارتفع به الإنسان لفوره عن مستوى الحيوان، ولذلك فهو طور مشهود.. ولولا أن هذا الجواب قد طال لتحدثت قليلاً عن كيفية النفخ.. وقد أفعل في وقتٍ آخر، في جواب مستقل..
هذه الإشراقة النورانية البسيطة، التي بها يقع التمييز بين الحلال، والحرام، هي الروح. وهي كما ترى، تستقيم مع تعريفنا الأول للروح، حين قلنا أنها الطرف الرفيع من النفس.. وكلما ترقت النفس في المعارج التي سلف ذكرها من أمارة، إلى لوامة، إلى ملهمة، إلى مطمئنة، إلى راضية، إلى مرضية، إلى كاملة، كلما زادت رفعة، وخفة، وشفافية.. وكلما زاد طرفها الرفيع ـ "الروح" ـ رفاعة، وشفافية، ونفاذاً إلى دقائق التمييز.. قد تسمي هذه الإشراقة اللطيفة، اللماحة، روحا، أو ذكاء أو خيالا..وقد تسمي الجانب الغليظ، الكثيف من النفس، الذاكرة، أو الماضي.. فإذا ما التقى الخيال والذاكرة نشأ الفكر بينهما، كما ينشأ الجنين بين الأب والأم.. وهذا الثالوث يسمى العقل.. وقد ذكرت لك هذه النبذة البسيطة عن العقل لأني رأيت أن ذكر العقل ورد في نقاش السادة العلماء مع ذكر الروح..
ولا بد من ختام هذا الجواب بعد أن طال، وإن كنت أريد أن أحدثك عن الموت، وعن البرزخ.. ولكن ذلك مما يزيد في طول هذا الجواب فيجعله مملاً، إن كان قد أبقى من الإملال شيئاً..
وختاماً أرجو الله أن يعلمنا، ويعلمك، وأن ينفع بعلمنا، وبعلمك..
المخلص
محمود محمد طه