((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

تحضــير الأروح
أهو فلسفة ؟؟ أم مذهب ديني ؟؟ أم شعوذة و دجل ؟؟


وبمناسبة نشر الإجابة على سؤال الروح، ذلك السؤال الذي أثاره الأستاذ موسى أبو زيد، يجئ دور سؤال آخر عن تحضير الأرواح.. أثاره الأستاذ حامد محمد حامد مراسل صحيفة الأيام بمدني.. وهو سؤال لم يكن موجهاً إلي بالذات، كما كان الشأن في سؤال موسى، ولكنه لما كان سؤالاً يهمني من عدة وجوه، فقد اعتبرته سؤالاً خاصاً، ومباشراً لي.. هذا السؤال ورد في ختام تحقيق نشرته صحيفة "الأيام"..والصورة التي ورد بها السؤال كانت هكذا: "إننا نعتقد أن مثل هذه الحركة ـ تحضير الأرواح ـ تحتاج إلى باحثين، متقـدمين أن يسلطوا الأضواء عليها، ويوضحوا أبعادها، وأضرارها.. إن ما سطرناه في "الأيام" هو محاولة متواضعة، سطحية، أخذت الطابع التعميمي، ونرجو أن تكون البحوث القادمة من باحثينا المقتدرين، فيها سعة الفكر، والجلاء بما أغمضه التاريخ"..
ولقد كنت أنوي الاستجابة لهذا النفير بإصدار كتيب صغير يبحث الموضوع بحثاً أوفى مما يجده القارئ في ردي هذا.. ولكني لم أجد الفراغ.. وآثرت من ثم، أن يكون الرد في مضمار "أسئلة وأجوبة" الكتاب الثاني.. ولعلي أعود لبسط القول في هذا الموضوع..
وأرى من الخير أن أعيد نشر كلمة الأستاذ المراسل لعلها تحدث للقراء ذكراً، أو لعلها تعطيهم خلفية عليها تقوم إجابتي هذه الموجزة.. فإلى تحقيق المراسل!!
نشرت جريدة الأيام في عددها 6275، بتاريخ الأربعاء 14/7/1971 الموافق 21 جمادي الأولى 1391، وتحت عنوان "تحضير الأرواح بمدني أيضا" وعناوين أخرى بالخطوط البارزة تقول "قراءة الأفكار، والغيبيات، في الماضي، والحاضر، بالسلة والقلم ـ ماذا تعرف عن تاريخ نشأة هذه الحركة؟؟ ـ أهي فلسفة؟ أم مذهب ديني؟ أم شعوذة، ودجل؟" تحقيقاً لمراسلها الأستاذ حامد محمد حامد.. قال المراسل:
"بدأت في مدني ظاهرة جديدة، أطلت برأسها سرياً، وظلت في الأشهر القليلة الماضية تظهر أحياناً، وتختبئ لتعود للظهور من جديد.. تلك هي ظاهرة تحضـير الأرواح.. قراءة الأفكار، والغيبيات !! تروج لهذه الحركة جماعة من العاصمة جعلت لها فروعاً في بعض أقاليم السودان، وتباشر نشاطها في سرية تامة.. ولا يحضر الجلسات سوى الأعضاء المنتسبين للحركة، بعد فحص دقيق يجرى لهم لمعرفة ولائهم.. هؤلاء الجماعة يجمعون اشتراكات شهرية من الأعضاء بحجة أنهم يعالجون المرضى بوصفات بلدية..
من مدني تعرض "الأيام" هذه الظاهرة، وتقدم شيئاً سريعاً، موجزاً، عن تاريخها، استناداً على بعض المراجع العلمية.. ولعل الكثيرين من القراء قد تتبعوا سير التحقيقات المذهلة التي تجري في ج. ع. م. حول المؤامرة الأخيرة، وما اتصل بموضوع تحضير الأرواح، على نحو ما أوردته كبريات الصحف القاهرية..
هذه الظاهرة التي أطلت سراً في مدني، الخوف كل الخوف، أن تجد لها رواجاً، وانتشاراً، في أوساط السذج، والبسطاء، الذين يؤمنون بكل شيء خرافي.. إن العالم اليوم يبحث، وينقب في علوم الفضاء، والتكنولوجيا.. ونحن في الشرق لا زلنا ندعو للخرافات، والدجل، والشعوذة، منصرفين عن قضايانا، ومشاكلنا الكبرى، وملتجئين لإيجاد الحلول لها بالسحر، والخرافة.. وهنا نورد بعض الأساليب التي تتبع في تحضير الأرواح بمدني..

السلة و القلم


المعلومات التي لدينا تفيد أن هؤلاء الجماعة يقومون بتحضير الأرواح عن طريق سلة.. مجرد سلة، "سَبَتْ".. ثم يقومون بتلاوة قراءات معينة، وتمتمات، على أثرها يتحرك القلم من داخل السلة ليكتب شيئاً بتوجيه من زعيم، أو شيخ الجلسة.. يكتب القلم، فيما يدعون، مضمون ما يشعر به حاضر الجلسة.. ويدعي هؤلاء الجماعة، أصحاب الظاهرة، أنهم في تحضيرهم للأرواح يعالجون أمراضاَ عجز الطب الحديث عن علاجها، باستخدام وصفات، وعقاقير بلدية محلية..
ويدَّعون أنهم قادرون على قراءة الأفكار، وما يجيش في الصدور، ودخائل النفس البشرية، ويغوصون في أغوارها، وثناياها، وبواطنها.. ويعلمون، بواسطة السلة، والقلم، بما: "كل نفس بما كسبت رهينة" في الماضي، والحاضر، والمستقبل، وكل شيء يتصل بالحياة، وتجارب الإنسان الماثل في الجلسة..

مراجع علمية:


رجعت إلى بعض مصادر، ومراجع، لاستقصاء حقائق هذه الإدعاءات، والفلسفة المزعومة، فخلصت إلى نتائج مذهلة..
يحدثنا التاريخ أن القضية التي تقدم أمام الباحث تأخذ وجهاً آخر، أكثر تعقيداً.. ذلك لأن هؤلاء الجماعة يخفون أسماءهم، ويتخذون السرية طريقهم!! .
وتقول بعض الكتب عن تاريخ هذه الحركة أنها بدأت في نهاية القرن الرابع الهجري 373، وتغلغل أصحاب الدعوة إليها في العراق، بالبصرة، والكوفة.. وقد كانت البصرة، وقتها، مركز حركتهم، ونشاطهم، باعتبارها ثغراً تجارياً.. وتقول مراجع أخرى: إذا جئنا ننظر إلى الحياة الاجتماعية طالعتنا صورة مماثلة.. فقد كان هذا العصر ـ القرن الرابع الهجري ـ مسرحاً لظهور عوامل قوية.. فقد بلغ الإقطاع بعض مراحله، وابتدأت حركات من التماسك الطبقي تتحول إلى مجرى نضالي.. ونشأت من ذلك ثورات، كثورة الزنج، وثورة القرامطة.. ونشأت من ذلك طبقة في مرفأ البصرة من الزنوج، الذين كانوا يعملون هناك في الزراعة، وصناعة الملح، والنسيج.. لقد كان هذا العصر عصر الانطلاق الفكري، والحركات الثورية السياسية التي انطلقت في نواحي العراق قرناً كاملاً..
وقد عبر هؤلاء الجماعة، "جماعة تحضير الأرواح" عن الحياة السياسية في عصرهم، فقالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ويجب غسلها من هذه الأدران التي علقت بها !!

و السـؤال:


على ماذا تقوم عملية الغسل هذه؟ أهي قضية دينية، أو سياسية؟ الذين يقولون: أنها دينية، يعتبرون الجماعة مظهراً من التفلسف الذي بلغ أوجه.. في القرن الرابع الهجري. كانوا يأخذون من كل المذاهب، ويقولون: إن الحل الصحيح هو الجمع بين كل الأديان، والمذاهب، والفلسفات.. وقد بنوا فلسفتهم، وآراءهم، على نهج الفيلسوف اليوناني فيثاغورس، وآرائه.. وتاريخ الفلسفة اليونانية يوضح لنا أن فيثاغورس كان يختفي وراء المذهب التلفيقي الذي دعا إليه، وإنه ألف جمعية كانت تعمل لقلب نظام الحكم.. وكان معلوماً أن تاريخ الفلسفة اليوناني يعج بالجمعيات ذات المظهر الفلسفي، والباطن السياسي.. وتحدثنا مراجع شرقية أخرى أن هنالك أقوالاً كثيرة، متعددة، عن تحضير الأرواح لدى الهنود.. وتفرع المذهب، أو الفلسفة، إلى بعض الطوائف، وأصحاب العبادات، والطقوس الدينية، وكيفية أداء القرابين..