ليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد على حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (أسس دستور السودان)




تعلموا كيف تصومون

لنستقبل شهر الصوم بالمحبة

لنستقبل شهر الصوم بالمحبة:


ان استقبالنا لرمضان انما ينبغي ان يكون استقبال المحب الكلف بمحبوبه، وذلك لا يتحقق لنا الا إذا عرفنا قدر هذا الشهر المبارك، والا إذا أدركنا افضاله علينا، فهو الشهر الذي انزل فيه القرآن: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان).. وهو الذي، بصومه، يجلي النفس، ويصقلها، ويجعلها مستعدة لتلقي أنوار الروح، وذلك بما يطهّر النفس من كدوراتها، وبما يشحذ الروح، ويذكيها.. ومثل الروح، والنفس - (الجسد)، والعقل، في ذلك مثل الشمس، والأرض، والقمر.. فالشمس نورها أصيل نابع منها، والقمر نوره مستعار من الشمس، وينعكس على الأرض.. وتتم عملية تنوير النفس - والعقل، بالصوم والصلاة.. اللذين قال عنهما النبي: (الصوم ضياء والصلاة نور) - راجع كتاب (تعلموا كيف تصلون) -
وفي الثناء على رمضان، وصومه جاء في الحديث القدسي ان الله تعالى قال: (الصوم لي وانا أجزي به).. وجاء في الحديث النبوي عنه: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)..
ولما كان شهر الصوم بهذا القدر العظيم، والنفع الكبير للسالك المجود، فإن محبته، والشوق لمجيئه، هما المحك الذي ينبغي أن يقيس الصائم حالة نفسه به.. ذلك بأن خيرات هذا الشهر العظيم لا تغدق الا على الصادقين في صيامهم، المخلصين في مغالبة ألم الجوع، والظمأ.. وآية ذلك أن تكون محبا لمجيء رمضان، فرحا بمقدمه، فإن لم تكن نفسك في هذا المستوى فلا أقل من أن يكون عقلك سائقا لها كي تتكلف هذه المحبة، وذلك الفرح، حتى يجيء يوم تصير فيه المحبة طبعا، والفرح حالا، وذلك بفضل الله، ثم بفضل المجاهدة الواعية..
أما إذا كان الصائم متبرما برمضان، متعجلا انقضاء أيامه، من غير مراجعة منه لنفسه، او محاسبة لها، فإن هذا لهو الخسران المبين..
وأكثر ما يجعلنا كارهين لقدوم رمضان ومتعجلين لانصرامه العادات، ذلك بأن العادات جزء منا ونحن حريصون على الابقاء عليها والانغماس فيها وما يقطعنا عنها وما يفطمنا منها لا نحبه ولا نشتاقه.. وتلك العادات هي عادات الكيف.. فإذا كنا متورطين في كيف (السفّة) مثلا، او كيف التدخين، او كيف (الجَبَنة) حتى، او كيف الشراب، فإننا في كل يوم ننتظر غروب الشمس بفارغ الصبر وننتظر انتهاء رمضان أيضا بفارغ الصبر لأن فيه حرمانا وفطما لنا عن عادات أثيرة عندنا ومحبوبة الينا.. فإذا كنت تريد أن تحب رمضان، حلوله ومكثه بيننا فأفطم نفسك عن كل هذه العادات وأنت في حياتك اليومية العادية.. أعلم ان صومك رمضان وانت له كاره واياه مبغض يجعل صيامك لا قيمة له ولا روح فيه ولا بركة..