في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هذا هو الشيخ
محمد متولي الشعراوي

الفتنة الكبرى والحروب الدينية وأمانة التاريخ:


ان مما يؤخذ على الشيخ شعراوي في حديثه عن تاريخ الإسلام، قوله في كتاب (الشورى والتشريع في الإسلام) ص ٢٤: (أمّا عن الحروب الدينية التي ربما يجر اليها الحكم الديني كما يرون، فانّي اقول لا توجد حرب دينية نشأت في الإسلام خلاف ما حدث أيام الخوارج).. فهو قول غير صحيح، ذلك بأنّا حتى إذا قلّلنا، بغير حق، من شأن ما سميّ في تاريخ الإسلام (بالفتنة الكبرى) التي أطلّت برأسها في الصدر الثاني من عهد سيدنا عثمان، وأدّت الى مقتله، والى انقسام المسلمين على إثر ذلك الى فئتين، فئة الى جانب علي، وأخرى الى جانب معاوية – فئة اختارت الدين وأخرى انحازت الى الدنيا – إذا قلّلنا من شأن ذلك كلّه، فهل نستطيع ان ننسى ما جرّته هذه الفتنة من حروب: حرب (الجمل) وحرب (صفّين) ومقتل كثير من الأصحاب، بل قتل أسباط النبي على يد (يزيد) ومن تبعه تقتيلا!؟ هل يغفل الناس كل هذا الذي حدث، ويذهلون عن دلالاته، لأن الشيخ شعراوي قال عبارته تلك غير الدقيقة: (لا توجد حرب دينية نشأت في الإسلام خلاف ما حدث أيام الخوارج)، مع ان الخوارج أنفسهم قد ظهروا نتيجة للخلاف، وللحرب بين علي ومعاوية، وبالتحديد بعد موقعة صفّين، حيث قبل عليُّ التحكيم، فاعترض عليه هؤلاء النفر، فسمّوا من يومها الخوارج.. وفي ذلك يقول د. حسن ابراهيم، في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي) ص ٣٨٦ ما يلي: (ويتضح مما تقدم ان الخوارج انما خرجوا على علي وأنشقوا عليه، مع انهم كانوا بالأمس من حزبه وأعوانه، لأنهم كانوا يعتقدون ان عليا، بويع بيعة صحيحة، فلا معنى لقبول التحكيم مع جماعة خرجوا عليه)..
لقد كانت موقعة الجمل هي بداية حروب الفتنة في الإسلام وتلتها موقعة صفّين.. حيث برز الخوارج.. وكل كتب التاريخ تقول بذلك، بل عامة المتعلمين من المسلمين، يعرفون هذا.. وقد جاء التعليق التالي في كتاب (تاريخ الإسلام السياسي)، المشار اليه آنفا، ص ٣٦٦: (وقد استرسل المسلمون في الفرقة والخصام وفتحوا باب الفتنة على مصراعيه، فنشبت بينهم الحروب الأهلية، وسفكت دماء الأبرياء من المسلمين، وتدخل الأشرار في أمور الخلافة وتستروا بستار الدين ليبلغوا مآربهم السياسية، وغاياتهم الدنيوية) انتهى..

الجهاز الديمقراطي هو الذي يحسم الخلاف حول السلطة:


ومهما يكن من الأمر، فان من العبر التي تستفاد من تلك الأحداث ان غياب الجهاز الديمقراطي، الذي يستطيع الناس من خلاله ان يحسموا الخلاف حول السلطة، هو من أهم العوامل في وقوع ما وقع، يضاف الى ذلك بطبيعة الحال، حب الدنيا الذي غزا القلوب، وانحطاط المسلمين عن القمة التي كانا عليها ايام النبي وخليفته.. لكن وجود الأجهزة الديمقراطية، في القرن السابع، كان ممتنعا، لأن الوقت حينذاك، لم يكن وقت ديمقراطية، وإنما كان وقت وصاية كما سنبين فيما يقبل من صفحات هذا الكتاب..
ان الشيخ شعراوي يأتي بعد مضي ١٤ قرنا من الزمان، ليرفض الأجهزة الديمقراطية!! لماذا؟ لا أحد يدري. فهو يقول في كتاب (الشورى والتشريع الإسلامي) ص ١٨: (فالأخذ بالنظم الغربية السياسية اذن لا يصح، ولا ينفع لأنها قد تصلح حين يكون الانتخاب بيعة سياسية يتقاتل عليها المتنافسون، ولكنها لا تصلح حين يكون الانتخاب بيعة ايمانية).. هذا ما قاله الشيخ، وبطبيعة الحال ليس في الإسلام ما أسماه الشيخ (بيعة ايمانية) تختلف عن (البيعة السياسية)، وإنما هو الحكم، وهو السياسة التي ان انبنت على الإسلام، أصبح الحكم إسلاميا، وان ابعدت الدين من شؤون الحكم صار (علمانيا).. وما هي السياسة، ان لم تكن خدمة الناس وفق الحق والعدل؟: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون).. ولعلّ الشيخ بعبارة (البيعة السياسية) انما عنى (البيعة العلمانية).. على انه في العصر الحالي ليست هناك (بيعة) وإنما هو الانتخاب والمسئولية الفردية.