في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هذا هو الشيخ
محمد متولي الشعراوي

خاتمـة


ان الإسلام هو المرشح، لدى التحليل الأخير، ليقود هذا العالم الحائر، المضطرب، الذي تفتقت طاقاته البشرية، والمادية، وملك فيه الإنسان، اليوم، زمام العلم المادي حتى فلق الذرة، وارتاد الفضاء، واختصر المسافات، ووحّد الكوكب الأرضي، فتقاربت مشاعر سكانه، وأصبحوا، في جميع أطراف الأرض، اصحاب حاجة ملّحة للسلام، والمحبة، والإخاء، في كلمة واحدة، حاجتهم اصبحت، حاجة حياة أو موت، للوحدة الفكرية.. هذه حقيقة قد تأكدت لدينا، ومن هنا يجيء ترشيحنا للإسلام لتتم به هذه الوحدة الفكرية، حيث فشلت المذهبيات، والفلسفات، المعاصرة، في مجال النظرية، والتطبيق في أن تحقق هذا الحلم الإنساني الملّح، وعجزت عجزا تاما، عن أن تستوعب طاقات الإنسان المعاصر، وأن تفي بحاجته للسلام، والرخاء، والمساواة..
ولكن!! اي مستوى من الإسلام، هذا الذي يتكفّل بتحقيق هذه الغاية؟! انه، قولا واحدا، ليس المستوى العقيدي الذي ناسب المجتمع في القرن السابع، وحلّ مشاكله..
فلم يبق، اذن، غير الإسلام في مستواه العلمي، القائم على أصول القرآن، وعلى عمل النبي في خاصة نفسه.. فالإسلام، بهذا المستوى، هو علم نفس، بمنهاجه الفردي، وبنظامه الاجتماعي الذي يقوم على الاشتراكية، والديمقراطية، والمساواة الاجتماعية، وتلك هي حاجة البشرية اليوم، المسلمين وغير المسلمين..
ولكن هذا البعث الإسلامي، بهذا المستوى، انما يعوقه الفهم السلفي المتخلّف الذي يعشعش في عقول السلفيين، والذي يجد مرتعا خصبا في أجهزة الإعلام، من راديو وصحف، وتلفزيون.. فهي تذيع الجهل بالدين، وتدفع له، وتضلّل الناس به، فتحجبهم عن الرؤية الصحيحة، وتصرفهم عن المعرفة الدقيقة بحقيقة الإسلام، وقدرته غير المحدودة على توجيه مسار الإنسانية، وحل مشاكلها المزمنة..
ونحن، لمّا كنّا قد جعلنا وكدنا، وهمّنا كلّه، إزالة معوقات البعث الإسلامي الصحيح، فانّا قد اصدرنا هذا الكتاب، لنقدم فيه نموذجا للفهم السلفي المتخلّف، انطلت على الناس حقيقة تخلّفه، بطلاء من دعوى التحرّر، والتجديد..
هذا النموذج هو ما ظلّ ينشر، ويذاع على الناس من حديث الشيخ محمد متولّي الشعراوي الفقيه المصري المعروف.. فهو عندما يتحدث، أو يكتب، انما يعبّر عن فهم سلفي متخلّف، يتناقض، ويقصّر، أحيانا حتى عن الشريعة التي لم تعد، في بعض صورها، قادرة على حل مشاكل المجتمع المعاصر.. فهو مع الرّق!! وهو من المدافعين عن الحكم الوراثي – الملكي!! بل انه ليتحسّر على زوال الخلافة العثمانية التركية!! وأسوأ من ذلك يلبسها لبوس الإسلام!!
ان المنحى الذي ذهب اليه الشيخ الشعراوي، مثلا، وهو يتحدث عن حقوق المرأة، وعن حكمة الصوم، انما كان انصرافا عن مواجهة هذه القضايا بما تقتضيه من الدقة، والتبيين، والإقناع للإنسان المعاصر، الذكي، الذي يريد أن يعرف كل شيء، فهو يسأل، ويلح في السؤال ولكن أنّى للشيخ شعراوي، ولأضرابه، من السلفيين، أن يوجهوا حيوية هذه العقلية، وأن يستوعبوا طاقاتها الفكرية المتفجرة، الطمّاحة، ذلك بأن ما يقيم عليه الشيخ شعراوي انما هو الفهم التقليدي للدين، وان بدا لبعض المثقفين انه يختلف عن بقية الشيوخ، أولئك الذين يعارضون تطوير التشريع الإسلامي، ويجهلون ان بعض صور الشريعة انما هي مرحلية، اقتضاها تخلّف المجتمع في القرن السابع، خصوصا في مجال السياسة، والمال، والمرأة، والدعوة.. فهم يريدون نقل صورة الماضي، كما هي، الى الحاضر، وما هم في ذلك بصادقين، فهم مفارقون، في حياتهم اليومية، للشريعة، اذ لم يقووا على مغالبة تيار الحياة، وقد عجزوا عن توجيهه، فانحرفوا معه، بغير علم.. هم يمارسون الاختلاط، مثلا حتى في معاهدهم الدينية، والشريعة تحرّم الاختلاط!! الاّ لضرورة، والضرورة في الشريعة ليست الدراسة في المعاهد – فهم يقولون ما لا يفعلون!!
ففي حين يطالب الشعراوي الشعوب الإسلامية، مثلا أن تقول لحكامها أحكمونا بالإسلام، يقبل هو ان يكون وزيرا في حكومة بلاده العلمانية، فقد قال في كتاب (الشورى والتشريع في الإسلام) ص ٣١: (فمرّة أخرى ايها المسلمون قولوا لحكامكم طبّقوا فينا شرع الله احكمونا أنتم بالإسلام وما هذا الذي نطلبه بعجيب ولا كثير)..
فإذا كانت هذه الحكومات لا تحكم بالإسلام، والشيخ شعراوي يطلب من شعوبها ان تعارضها، فكيف جاز له هو ان يقبل لنفسه، ان يكون وزيرا للأوقاف فيها، وهي التي لا تحكم بما أنزل الله؟
ألم نقل إن هؤلاء الشيوخ تناقض أفعالهم أقوالهم على الدوام؟
وأسوأ من هذا التناقض، ان دعوته هذه للشعوب الإسلامية انما هي دعوة مضلّلة، أبشع انواع التضليل، ذلك بأنها توهم الشعوب البسيطة، المحبة للدين، ان أي حاكم من حكامها الحاليين يمكن أن يتحول فجأة الى قائم بأمر الدين، بلا سابق معرفة حقة بالإسلام، وبلا تربية قويمة.. فإذا نشأ حكم باسم الإسلام، على هذه الصورة، فلن يكون الاّ حكما استبداديا، يجمع في يده السلطة الدينية مع السلطة الزمنية، ويعيث في الأرض الفساد، وهو آمن من المعارضة، لأن من يعارضه، يرم بالكفر والإلحاد.. فيكبت بذلك كل فكر حر، ويسكت كل صوت جهير..
وهذا ما كانت تسعى الطائفية في بلادنا لتحقيقه، قبيل ثورة مايو، حين أخذت تتآمر لإجازة ما أسمته (الدستور الإسلامي) الذي قاومه الجمهوريون واسموه في حينه (الدستور الإسلامي المزيف).
ان منصب الحاكم في الفهم الإسلامي الصحيح، انما يتولاه أفضل الناس دينا، ولقد رأينا كيف كانت سيرة النبي، وصاحبيه، ابي بكر وعمر، موكدة لهذا المبدأ، ومن هنا جاء صلاح الحكم في الصدر الأول من الإسلام.
واما إذا ما تورطت الشعوب الإسلامية، كما يريد لها الشيخ الشعراوي، فدعت حكامها ان يحكموها بالإسلام، من غير تربية، ومن غير فهم واع للإسلام، لا عند هؤلاء الحكام، ولا عند هذه الشعوب، إذا حدث هذا، فإنما هي الفتنة، والفوضى، والتنفير من الإسلام، وتأخير عقارب الساعة، على النحو الذي يجري في إيران الآن.
اننا لنتساءل لماذا يجد مثل هذا الشيخ، في جهاز كالتلفزيون، مرتعا خصبا لينفث فيه الوانا من التخلّف، والأذى؟! تخلّف رأي، وسوء لفظ تعف عن الإصغاء اليه الأسماع، وتنفر منه القلوب..
وهاكم آخر الأمثال التي بلغتنا: حديثه في التلفزيون السوداني مساء الجمعة ١٤/٨/١٩٨١، حيث وردت فيه هذه العبارة: (افرض انّي، لا مؤاخذة، بخاطب واحدة ست)، وهي، بالطبع عبارة جافة، وغليظة، وهي لا تليق بحق أحد من الناس.. ومهما يكن من الأمر، فهي شديدة الدلالة على التكوين النفسي لهؤلاء السلفيين، وما ينطوي عليه اهابهم من نظرة متخلّفة للمرأة، ولمكانتها في الدين، وفي الحياة.. ولقد رأينا، في الحديث التلفزيوني الذي أثبتنا نصه في هذا الكتاب، كيف انحطّت معالجة الشيخ الشعراوي لقضية المرأة، مما يجعل صدور هذه العبارة منه أمرا طبيعيا، لا غرابة فيه.
ان بعث الإسلام من جديد، لاستنقاذ الإنسان المعاصر لهو أكبر، وأعظم الواجبات في هذه الساعة وان الشيخ الشعراوي واضرابه من السلفيين لمن المعوقين لأمر هذا البعث، بأحاديثهم المعممة المزوقة، البعيدة، في نفس الوقت، عن روح الدين.. هم معوقون، حتى في طريق التقدّم المدني، مهددون لوحدة بلد كالسودان، ومصر، بما يعمّقون بغير حق، اليوم، اسباب الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين، وبما يثيرون من نعرة الرق، وبما ينشرون من جهل حول المرأة، وحول قضية الحكم، مما تبرّأ منه الإسلام، ويرفضه روح العصر.. ولهذا كلّه فإنّا كتبنا هذا الكتاب، لنكشف الغطاء عن هذا التضليل، وليستبين الطريق المستقيم.. ونحن، بعد، انما نحمّل المسؤولية كلّها، الدينية، والتاريخية، والوطنية، للمشرفين على برامج التلفزيون عامة، والدينية منها خاصة، وفي مقدمة هؤلاء، الأمانة العامة للشؤون الدينية، وامينها العام الدكتور عون الشريف، اذ يبثون هذا الحديث المبتذل، المتخلّف في الفكر، والسلوك، على اسماع رجالنا ونسائنا، وناشئتنا، من غير افساح المجال لدحضه وتفنيده..
لقد أهدينا كتابنا هذا للشيخ محمد متولّي الشعراوي، ونحن له ناصحون، وفي نصحنا مخلصون، فإن هذا الذي تذيعه في الناس اليوم قد خلّفه حكم الوقت فجاء قشرة بلا لبّة.. ان الوقت اليوم يتطلّب الوحدة الفكرية للبشرية جمعاء لتتواءم مع الوحدة المكانية، والزمانية، التي جاء بها، في ركابه، التقدم التكنولوجي الحديث، الذي ألغى المكان والزمان الغاء يكاد يكون تاما.. وبغير الوحدة الفكرية التي توّحد البشرية وتجعلها متوائمة مع بيئتها الجديدة فإن الحرب تصبح ضربة لازب.. وبالحرب الحديثة، بالأسلحة الرهيبة الحديثة، تكون الحرب اتون انقراض للبشرية، شأنها في ذلك شأن جميع الأحياء التي عجزت عن أن تحدث التوافق والتناسق مع بيئتها.. ان التغيير سريع في العهد الحديث.. وليس للتغيير الاجتماعي غير مذهبيتين اليوم: الماركسية والإسلام.. وهما كفرسي رهان.. والوقت ملّح.. وهو لا ينتظر.. وأمور الناس تتغير بسرعة المواصلات الحديثة، فلكأنها معلّقة بجناحي طائرة.. والماركسية واجدة فرصة التطبيق في دولة ام هي روسيا، وهي بذلك تتقدم بهذه السرعة المذهلة للسيطرة على العالم.. والإسلام غائب عن حياة المسلمين، بله غير المسلمين.. ولا تستطيع الماركسية حل مشاكل الفرد المعاصر، ولا المجتمع المعاصر، وذلك لسبب واحد بسيط هو انها، في فلسفتها عن علاقة الفرد بالجماعة، والفرد بالكون، قد تورّطت في خطأ موبق، فهي قد جعلت الجماعة غايتها والفرد وسيلة اليها.. وهي قد قطعت علاقة الفرد بالغيب.. ان الإسلام وحده هو الذي يملك تصحيح خطأ الماركسية، وهو وحده الذي يملك حل مشكلة الفرد البشري المعاصر، والمجتمع البشري المعاصر.. ولكن على ان يفهم الإسلام على حقيقته، وفي مستوى اصوله التي ضمتها آيات مكة، لا آيات المدينة.. وهذا الفهم غريب عليك، يا شيخ شعراوي.. ولكنه الحق الذي لا حق غيره منذ اليوم.. وكل تأخير لذيوعه بين الناس انما هو عون للماركسية على ان تتقدم لاغتيال حريات البشر على هذا الكوكب، وهو عمل اجرامي في حق الحق، وفي حق الخلق..
ان الذي تذيعه الآن في الناس يصرفهم عن لباب الإسلام الى قشوره، ويؤخر عقارب ساعة التغيير، ويعطي الفرصة للماركسية بما يخلي لها ميدان المنافسة الحقة..
نحن لك ناصحون، وفي نصحنا لك مخلصون، وبحقيقة ما نقول عالمون، فاسمع منّا، ولا تسمع ممّن يكيلون لك الثناء، ويظهرون لك الإعجاب!!
لمصلحة دينك، ودنياك، ولمصلحة الحق، ولمصلحة هذه البشرية الضاربة في التيه، اقلع عمّا تذيعه في الناس اليوم، وأعكف على لباب الإسلام، وانظر في حقائقه التي تحل مشاكل الفرد البشري المعاصر، والمجتمع البشري المعاصر، ففي ذلك حاجة البشرية، وهي اليوم حاجة حياة، أو موت..
ان حكم الوقت قد خلّف هذا الذي تقول، وهذا الذي به تحشو أدمغة الشباب، والشيب، فتصرفهم بالبهرج عن الجوهر، وبالقشور عن اللّباب..
اقلع عنه تغنم أجرا!! وان لم تشتغل بحقيقة الإسلام، ولم تصل الى لبابه..
نقول هذا، (وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين).. صدق الله العظيم..




الأخوان الجمهوريــون
أم درمـان ص ب ١١٥١
تلفــون ٥٦٩١٢