في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الخفاض الفرعوني

الخفاض والعفّة:


إن ارتباط الخفاض بالعفّة، هو السر في انتشار هذه العادة، وبقائها طوال هذه الفترة الطويلة من التاريخ، واستعصائها على كل صور وأساليب المحاربة.. ولا يقدح في أهمية الحرص على العفة والصون كدافع للخفاض رأى بعض المشتغلين بالمهن الطبية، الذين يرون أن ممارسة الخفاض من ناحية بيولوجية لا تعين على العفة، فهو رأى ليس عليه اتفاق بين الأطباء، وقد ر عليه البعض بأن مجرد تصعيب الممارسة، هي بسبيل من الإعانة على العفة.. وحتى لو صح هذا الرأي، فإنه لا عبرة به، إذ أن الأمر ليس أمر دراسة وظائف أعضاء، وإنما هو أمر عادة تقوم على عقيدة راسخة في وجدان المجتمعات التي تمارسها بأنها تعين على العفة، فمجرّد ممارسة المجتمع لهذه العادة، من هذا المنطلق، هو توكيد لحرص المجتمع على العفّة، بالصورة التي تجعل هذه القيمة راسخة في وجدان الأفراد بصورة تلقائية.. والمجتمعات تصل في سبيل ترسيخ القيم الايجابية حد التضحية بحياة الأفراد.. وهذه الصور من الممارسات الاجتماعية كانت ضرورية في وقتها.. بل إن المجتمع نفسه، ما كان يمكن أن يقوم، ولا القيم الإنسانية أن تبرز، وتنمو، لولا صورة الكبت، والعنف، التي صحبت بداية الحياة، والتي تبدو لنا بشعة، عندما نخرجها من إطارها التاريخي.. ونحاكمها بمعايير غير معايير وقتها، ونغفل عن الحكمة، والضرورة الحياتية، والإنسانية التي أملتها في وقتها.

الضرورة المرحلية للكبت:


إن أحداث التاريخ تأخذ حكمتها، ودلالاتها، من مواقعها في الزمان والمكان.. فمن الخطأ الفادح محاكمة الواقع المعين بمنظور زمان غير زمانه، وملابسات غير ملابسات وقته.. وهذا الخطأ قد وقعت فيه الماركسية عندما سحبت الماضي على المستقبل وقررت أن العنف والقوة هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث أي تغيير أساسي في المجتمع.
ويبدو أيضا، أن الكثيرين من المهتمين بمحاربة ظاهرة الخفاض، قد وقعوا في هذا الخطأ، ولكن بصورة معاكسة للماركسية، فهم قد سحبوا الحاضر على الماضي، فلم يروا لظاهرة الخفاض أي حكمة تبررها عند ممارستها في الماضي!! وقد ضيّق التخصص، على المتخصصين في النواحي الطبية، فلم يروا في الظاهرة إلا الجانب البيولوجي، وحتى هذا، لمّا غابت عنهم جوانب الحياة الأخرى، لم يروه بدقة.. وملاحظة الخطأ في محاكمة الماضي باعتبارات ومعايير الحاضر، ليست ملاحظة عرضية، وإنما هي ملاحظة أساسية، فإذا لم يصحح هذا الخطأ، تصبح الحكمة من ممارسة العادة غائبة، ويفقد بذلك، العمل للتغيير، الأساس الايجابي الذي يجب أن ينطلق منه.. إن عادات، وتقاليد المجتمع، تقوم دائما على حكمة ما، هي في الغالب توكيد قيمة إنسانية تكون مهمة للجماعة وللإفراد في وقتها، وبمرور الزمن قد تفقد العادة المعينة مقدرتها على تحقيق القيمة التي من اجلها قامت، فتصبح بذلك باطلة.. ولكن يجب أن يكون واضحا، إن ما يصبح باطلا ليس هو جوهر الممارسة، أو القيمة الإنسانية التي من اجلها قامت، وإنما الممارسة نفسها، والممارسة إنما تصبح باطلة، إما لأنها أصبحت لا تحقق القيمة الجوهرية التي من اجلها قامت أساسا، أو لأن الوقت الجديد يقتضي ممارسة جديدة تحقق نفس تلك القيمة الجوهرية، وبصورة أكبر، وتتناسب مع الوقت الجديد، ودون سلبيات، ومضار، الممارسة القديمة.. وهذا معنى من معاني قوله تعالى: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، فإن الباطل اليوم في وقته، ق كان حقا، وهو صاحب الوقت، فمثلا المسيحية في وقتها وقبل مجيء الإسلام كانت حقا، وعندما جاء الإسلام، وهو الحق الجديد، أصبح الحق القديم (المسيحية) باطلا.. ولذلك فإن تغيير حكم الوقت، وظهور البديل، هو الذي يجعل الباطل باطلا.
ونحن نريد من توكيد هذا المعنى، أن نقرر أن الخفاض في موقعه من التاريخ، لم يكن باطلا مطلقا، وكذلك كل صور الكبت التي وقعت على المرأة، وعلى الرجل ـ ومنها ما يصل إلى حد مصادرة الحياة نفسها ـ لم تكن في وقتها بغير حكمة، وهي لا تفقد حكمتها تماما، إلا عندما يتغير حكم الوقت، ويجيء البديل، الذي يؤكد، وينمى القيمة التي من أجلها قامت.

الغيرة والكبت:


إن الإنسان كما ورث من الحيوان غريزة القطيع، وهي الغريزة التي تشده إلى الجماعة، ورث أيضا الغيرة على أنثاه، وهي غريزة تثير العداء بين ذكور القطيع.. ولمّا كان المجتمع البشرى، لم يكن لينشأ إلا بتقييد نزوات الأفراد وشهواتهم، فقد نشأ العرف، وقامت العادة، لتحقيق هذا الغرض.. وقد كانت الغريزة الجنسية، هي أول ما وقع عليه القيد، وقام بسببه الكبت، يليها في ذلك حب التملّك.. وكان العرف الذي يحكم المحرمات الجنسية، هو بداية القوانين.. ولقد انصب هذا الكبت على الغريزة الجنسية وقيدت أشد القيد، لمصلحة قيام المجتمع.. فبفضل حماية الزوجة، وحماية الملكية الخاصة أصبح المجتمع ممكنا..
والكبت المبكر الذي وقع على الشهوة الجنسية، وشهوة التمّلك، هو الذي يفسر السر في أشد التشريعات الإسلامية انضباطا، وتلك هي شريعة الحدود.. فإن الحدود الأربعة الأكثر انضباطا، وتوكيدا ترجع إلى أصلين هما: حفظ العرض، وحفظ المال.. فحد الزنا وحد القذف، يقومان على ضرورة حفظ العرض.. وحد السرقة، وحد قطع الطريق، يقومان على ضرورة حفظ المال..
ولقد كان الإنسان البدائي حيواني النزعة، غليظا كثيفا، وكان أصعب الأشياء عليه أن يقيد نفسه، ويسيطر على نزواته. ولذاك كان يحتاج إلى العنف العنيف لترويضه، حتى تقوى سيطرته على نزواته وبدواته.. ولقد كان العنف لمصلحة الجماعة وفى نفس الوقت لمصلحة الفرد، إذ به قويت إرادته في السيطرة على شهواته، فلا يسمح إلا بما ترضاه الآلهة، وترتضيه أعراف المجتمع، وبذلك دخل العقل في وجود الإنسان، وقوي، ودخلت القيمة والأخلاق، وبذلك تميّز الإنسان عن الحيوان بصورة واضحة..
والكبت الذي وقع على المرأة عبر التاريخ، بسبب الغيرة الجنسية، وبسبب حرص المجتمعات على العفّة والصون، كان كبتا شديدا ومتنوعا.. فهي مثلا في المجتمع الجاهلي في الجزيرة العربية كانت توأد حية، وهي لا تزال في مرحلة الطفولة، ومن أسباب الوأد الأساسية، الخوف من عار السبي.. والمرأة في القرون الوسطى في أوربا، كان يمارس ضدها، ما عرف بحزام العفّة وهو عبارة عن حزام حديدي في أعلى نصفها الأسفل، يقيها به الرجل حين يخرج مسافرا ويأخذ معه المفتاح!! ومن صور الكبت الواقعة على المرأة بسبب الغيرة الجنسية الحجاب، فهي قد كانت تمنع من الخروج من منزلها، إلا لضرورة.. والخفاض هو صورة من صور الكبت الذي وقع على المرأة بسبب الغيرة الجنسية، وفى سبيل العفّة والتصوّن.
والسبيل الأمثل للتخلّص من جميع هذه الصور، من صور الكبت، هو تحقيق القيمة التي من أجلها قامت، عن طريق التربية، بما يغنى عنها، ويفقدها كل مبرّراتها التاريخية.