في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الخفاض الفرعوني

سلبيات أساليب محاربة الخفاض الفرعوني



المحاربة بالقانون:


لقد رأينا أنه رغم القانون الذي يحرّم ممارسة الخفاض الفرعوني ورغم حملات التوعية النشطة، إلا أن ممارسة العادة لا تزال مستمرة إلى اليوم وبصورة كبيرة، وصلت عندنا في السودان في عام 1979 إلى نسبة 84%!! فما هو السر في استعصاء هذه العادة على المحاربة؟ إن السر يكمن في طبيعة الأساليب التي اتخذت لمحاربة العادة، ومنطلقات هذه الأساليب.
فبالنسبة للمحاربة عن طريق القانون، فقد وضع القانون الذي يمنع الخفاض الفرعوني، وبدأ تطبيقه منذ عام 1946، في عهد الاستعمار الانجليزي.. وقد استمر القانون طوال العهود الوطنية، والى اليوم.. ولم تجد هذه المحاربة، وذلك لأن العادات لا تحارب بالقوانين، كما لاحظ الجمهوريون منذ البداية، وعند صدور القانون في عهد الانجليز.. فالوسيلة الناجعة لمحاربة العادات الضارة إنما هي التربية والتوعية، على أن تراعى التوعية عدة اعتبارات، مثل ثقافة المجتمع، وقيمه الاجتماعية والدينية، وأوضاعه النفسية، فلا تستفز فيه أي شيء من ذلك بما ينفر، ويجعله لا يتجاوب مع العمل في التوعية ولا يثق فيه، وفى القائمين به..
وعدم جدوى القانون في محاربة العادة، أمر توصل إليه الباحثون في مجال الخفاض الفرعوني بعد التجربة العملية الطويلة، وفى عدد من الأقطار.. وفى هذا الصدد، يقول الدكتور عبد الحسين طبا ما نصه: (حاولت بعض الأقطار في الماضي تحريم هذه الممارسة تحريما قاطعا ووضعت قوانين لذلك، لكن هذا فسر على أنه تهديد للوحدة القومية وتدخل في النظام الاجتماعي والثقافي للمجتمع. وفى الواقع ثبت أنه من المستحيل تطبيق القانون بفعالية لاستئصال هذه العادة. وعموما فإن القوانين التي سنت ضد خفاض الأنثى في المجتمعات التقليدية لم تكن مقبولة لا كمفهوم ولا من الناحية الفعلية ومن ثم ظلت غريبة عن النظام الاجتماعي والواقع الثقافي لتلك المجتمعات. كما أن المناخ السياسي لم يكن مساعدا لتنفيذ تلك التشريعات، وكان الواقع الاجتماعي والنفسي لتلك المجتمعات مناهضا لذلك الإجراء) ص 48 من كتاب (الممارسات التقليدية).. فبعد التجربة الطويلة، في عدد من الأقطار، يرى هذا الباحث أن محاربة العادة بالقانون أمر مستحيل، فقد جاء في قوله: (وفى الواقع ثبت أنه من المستحيل تطبيق القانون بفعالية لاستئصال هذه العادة)!! لاحظ انه قال من المستحيل!! ولم يقل من الصعب..
وفى نفس هذا المعنى يجيء قول السر دوليب: (إن القوانين وحدها لا يمكن أن تحارب العادات.. ولكن أمثل النتائج هي التي يصل إليها الناس بقناعة منهم بعد تلقى التوجيه الحسن والتوعية العلمية) ص 10 من بحثه (مفاهيم خاطئة تتعلق بخفاض المرأة).. أما السيدة أمال أرباب، فهي قد وكدت نفس هذا المعنى، وسارت خطوة إلى الأمام، فلاحظت أن من أسباب الفشل، عدم تقديم البديل، فهي قد قالت: (من المحتمل أن يكون السبب في عدم فعالية القانون فيما سبق هو أن الذين أدخلوا هذا القانون لم يأخذوا في الاعتبار الظروف الاجتماعية ولم يوجدوا البدائل) ص 116 من كتاب (الممارسات التقليدية).. وعدم فعالية القانون في محاربة العادة، أمر يكاد يكون عليه إجماع من الباحثين اليوم.. وهو أمر لم يكن التوصل إليه يحتاج إلى هذه التجربة الطويلة لأن أسبابه واضحة وكان يمكن الاستعاضة عن التجربة بالفكر..

سلبيات التوعية:


إذا كان محاربة عادة الخفاض الفرعوني عن طريق القانون، ثبت بالتجربة الطويلة أنها غير مجدية فما بال المحاربة عن طريق التوعية؟! ما هي الأسباب التي جعلتها هي أيضا غير مجدية؟
من المؤكد أن هنالك محاولات عديدة وجادة لمحاربة الخفاض الفرعوني، تقوم بها بعض الهيئات والمنظمات، العالمية والمحلية، وبعض المؤسسات التعليمية والأفراد، ومن أوضح النشاط في هذا الصدد ما تقوم به منظمة الصحة العالمية. وان كانت محاولات التوعية هذه لا ينقصها الجد والإخلاص، إلا انه ينقصها الشيء الكثير من الحكمة، ومن العمق.. فهي وان لم يغب عنها الدافع الأساسي للممارسة – الحرص على العفّة والصون – إلا أنها قلّلت من أهمية هذا الدافع ولم تراعه عند ممارسة العمل في التوعية.. وقد ذهبت محاولات التوعية، في كثير من الحالات إلى المبالغة في إظهار المضار الجسدية والنفسية المترتبة على ممارسة العادة وتجريد العادة من أي مبررات تاريخية!! وكل ذلك أدى إلى نفور الحس الشعبي عن دعاة محاربة العادة، وعدم تجاوبهم معهم.. وربما يكون الغرض في المبالغة، في إظهار مضار العادة، وتجريدها من أي حكمة، المقصود منه تغيير الناس عنها ولكن النتيجة العملية كانت هي نفور الناس عن دعاة محاربة العادة، وعدم ثقتهم بهم.. فإن المبالغة في إظهار عدم حكمة العادة، أمر يفتقر إلى الدقة، والى الموضوعية، وينطوي على اتهام لكل الذين مارسوا هذه العادة، عبر التاريخ الطويل، بأنهم ليست لهم أي حكمة، وأنهم ظلوا يمارسون هذا العمل الواضح الأضرار، لآلاف السنين دون أي مبرر موضوعي!! ومثل هذا الاتهام الضمني، يجعل بين الدعاة لمحاربة العادة، والمدعوين، حاجزا نفسيا يصعب تخطيه..
ثم إن إظهار مضار العادة وحده لا يكفي لمحاربتها، خصوصا إذا كانت العادة متأصلة، مثل عادة الخفاض.. وقد ذكرنا في المقدمة أن التوعية بمضار الدخان لم تجعل الناس يقلعون عنه، فمحاربة العادة تقتضي، إلى جانب الوعي بمضارها، إيجاد الإرادة والعزيمة للتخلص منها، فالعادات لها سلطان قوى على نفوس الأفراد والجماعات.. وهذا السلطان هو الذي يجعل حتى أكثر الناس علما بمضار العادة يمارسونها، فمثلا بالنسبة للخفاض الفرعوني، أكثر الناس علما بمضاره الصحية، وحديثا عنها، هم الأطباء، ورغم ذلك، أورد السر دوليب، في بحثه الذي أشرنا إليه، إن بعض الأطباء يمارسون الخفاض الفرعوني في عياداتهم الخاصة، رغم علمهم بمضاره، ورغم أن قسم أبو قراط يحرّم عليهم ذلك!! بل أكثر من ذلك، أورد السر دوليب في بحثه، أن بعض الأطباء يمارسون الخفاض الفرعوني على بناتهم!! فهو قد قال: (زد على ذلك أن المقابلات التي تمت مع بعض الأطباء كشفت أنهم يمارسون الخفاض على بناتهم رغم قناعتهم الطبية بمخاطره خوفا من التقاليد أو كبحا لجماح النساء..)!! ص 11 من البحث.. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على شدة سيطرة العادة على الناس، وعلى شدة خوف الناس من الشذوذ عن تقاليد المجتمع، رغم قناعتهم بخطأ هذه التقاليد.. وهو يدل دلالة قوية على أن التوعية بالمضار وحدها لا تكفي.. فانت لا تحتاج أن توّعى الطبيب بمضار الدخان، أو مضار الخفاض الفرعوني، ورغم ذلك يوجد من الأطباء من يمارسون الأمرين!!
كل ذلك يؤكد انه لمحاربة العادة الضارة والخاطئة، لا بد من إيجاد البديل لها، ذلك البديل الذي يحقق القيمة التي من اجلها قامت، ويشبع الدافع الحقيقي الذي دفع إليها بصورة ايجابية.. فانت إذا أردت أن تحارب عادة التدخين مثلا عند الناس، لا يمكن أن تفعل ذلك وأنت تترك الناس نهب الفراغ والقلق.. فالتدخين هو في الحقيقة تعبير عن حالة خواء داخلي وشعور بالفراغ والقلق، فانت، لتقضى عليه بصورة جذرية وحاسمة، عليك أن تخلق عند المدخن، إرادة التغيير، وتعطيه البديل الايجابي والصحي الذي يملأ له الفراغ، ويقضى على القلق، الذي هو الدافع الحقيقي للتدخين.
ولذلك فإن مجرد الحديث عن مضار عادة الخفاض الفرعوني، سواء جاء ذلك الحديث من منطلقات علمانية كالأمر الذي يقوم به الأطباء، أو منطلقات دينية، بالصورة التي يقوم بها الفقهاء، هو مجرّد وعظ لا يجدي، وهو لم يجد.

أكبر سلبيات التوعية القائمة:


إن أكبر سلبيات التوعية القائمة لمحاربة الخفاض الفرعوني هي إهمالها لقيمة العفّة والصون، عند ممارسة التوعية، وهي القيمة التي من أجلها قامت هذه العادة في الأصل، كما بينا، ولم يقف الأمر عند مجرّد إهمال هذه القيمة بل تجاوزها، الأمر الذي يبعث على الشك، وعدم الثقة، عند المجتمعات.
إن كثيرا من الذين يتصدون لمحاربة هذه العادة ينطلقون من منطلقات علمانية لا تضع اعتبارا كبيرا لقيم المجتمع.. ويظهر ذلك بصورة جلية من أشكال التعبير، التي تتخذ عند العمل في التوعية، سواء كانت هذه الأشكال لفظية، أو تعبيرا عن طريق الرسومات والصور، فإن الكثير منها يخدش الحياء، ويتعامل مع الأعضاء التناسلية بصورة مباشرة، ومجرّدة.. فمثلا أنت تجد من أساليب التوعية ضد عادة الخفاض، إقامة المعارض العامة التي تتجه إلى تبيين مضار العادة، وفى هذه المعارض، تعرض الرسومات والصور المكبرة للأعضاء التناسلية، مع التسميات المضلة لها، هذا مع أن المدعوين لهذه المعارض ليسوا من المتخصصين، وليسوا أصحاب مستوى معين من الثقافة والوعي، وإنما هم عامة الناس من الجنسين ومن مختلف الأعمار، ومختلف الطبقات، ومختلف مستويات التعليم والوعي والتربية.. ولذلك فأنت تجد ممّن يؤمّون هذه المعارض بعض المراهقين وبعض من ليس لهم قدر كبير من التربية والتهذيب، وهؤلاء يعلّقون بكلمات نابية وغير مهذبة تجرح حياء كل من له حياء.. وكل ذلك، يجعل عند كثير من الحاضرين، انطباعا، بعدم الحرص على العفّة والصون، وعدم الحرص على التهذيب، مما يقدح في الأمر كله ويخرج به من دائرة العمل الجاد المثمر.
وفى كثير من الحالات يستعين دعاة التوعية في عملهم، ببعض الوعّاظ الدينيين.. وهؤلاء الوعّاظ، وتحت ستار العبارة (لا حياء في الدين) يتجهون إلى الإسفاف، والى الألفاظ النابية، غير المهذبة، فيمدون للعلمانيين في اتجاهاتهم الخاطئة، ويضفون على المجلس حالة من عدم الجد تؤدى إلى عدم الجدوى، هذا مع أن ذكر المضار لا يقتضي التفصيل في الحديث عن النواحي البيولوجية، كما إن ذكر المضار وحده، كما بينّا، لا يجدي.