((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اليوم!! الهجرة من النفس السفلى
إلى النفس العليا

الهجرة بين طبقات العقل

الهجرة بين طبقات العقل:


درجات النفوس هي طبقات العقل الباطن.. وهي النفس الأمارة، والنفس اللوامة، والنفس الملهمة، والنفس المطمئنة، والنفس الراضية، والنفس المرضية، والنفس الكاملة... والهجرة الداخلية هي، في الحقيقة، هجرة من النفس السفلى إلى النفس العليا.. والنقطة التي تبدأ منها الهجرة هي النفس الأمارة بالسوء، وهي النفس الحيوانية الصماء، التي لا تأمر صاحبها إلا بالاستجابة لدواعي الشهوة.. فإذا أخذ الإنسان نفسه بالالتزام بالمنهاج النبوي، فأخضع نفسه للمراقبة والمحاسبة، فانفتقت النفس من صمامتها، وتوحدها على طلب الشهوة، فانقسمت إلى نفس كابتة، ونفس مكبوتة.. والنفس الكابتة هي النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على ما فرط في جنب الأمر والنهي، وتكبت رغائبه الموروثة من النفس الأمارة.. ومن الاحتكاك بين رغبة الحيوان وكبت الإنسان يتولد الذكاء، ويقوي الفكر.. فترد على النفس الإلهامات، والبشارات، في اليقظة، والأحلام، وتبلغ النفس مقام النفس الملهمة التي تعان على آثار المجاهدة الشديدة، في مقام النفس اللوامة، بهذه الإشراقات حتى تثبت أقدامها على الطريق.. ويزيد الذكاء في الإلهام، وتصبح النفس أكثر مقدرة على ترتيب أمورها من غير كبت لا مبرر له، إذ هي قد ارتفعت من مستوى التورط في مخالفة القوانين التي تنظم علاقتها بالآخرين.. فتصبح النفس بذلك هادئة، وادعة، محبة للخير، صافية من الضغائن، بعيدة عن العنف والجفاء.. وتسمى في هذا الطور النفس المطمئنة.. وفي الواقع أن الحيوان الذي له السلطان في مرتبة النفس الأمارة، وواجه الكبت في مرتبة النفس اللوامة، قد أخذ يهدأ من الحركة، في النفس المطمئنة، ولكنه هدوء مفروض عليه، غير نابع منه، إذ هو يحتاج الاستئناس لا الكبت.. وأصعب مراحل السلوك الخروج من النفس المطمئنة، تلك التي اطمأنت إلى هدوء الحيوان الداخلي وإن لم تستأنسه.. فمن استطاع الخروج من النفس المطمئنة، فتحرك الحيوان المكبوت فيه، انقسمت نفسه مرة أخري، في مقابل انقسامها في النفس اللوامة، غير أنها قسمة أقرب إلى التوحيد من سابقتها، حيث أن السلوك، عبر درجات النفوس، سير لولبي وليس دائريا، وفيه تشبه النهاية البداية، ولا تشبهها، حيث تكون النهاية قد ترقت سمتا فوق البداية.. والحيوان المكبوت إذ يتحرك في النفس الراضية إنما ليستأنس لا ليكبت.. وعمل النفس الراضية هو فض الكبت، بالرضا بالإرادة الإلهية، وشهود حقيقة الخير المطلق في الوجود، شهودا ذوقيا، حتى تدخل النفس في رضى الله عنها، فتدخل في الخير المطلق، فلا يريها الله إلا ما تحب.. والنفس المرضية يتوج الله رضاه عنها بتكميل صفاتها من صفاته، فتصبح نفسا كاملة، تستمد كمالها من الكمال الإلهي المطلق..
هذا هو المنهاج النبوي، أو الهجرة السلوكية الداخلية، أو الهجرة من النفس السفلى إلى النفس العليا.. وهو علم نفس يتميز به الإسلام عن سائر الأديان والفلسفات.. وبه وحده، تتحقق إنسانية الإنسان، وتتفجر قواه الكامنة.. وهي، في الحقيقة، هجرة متصلة، لأنها هي التخلق بأخلاق المطلق..