في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

المسيح

أدب الوقـت


إن للصلاة حضرتين: حضرة إحرام ، وحضرة سلام .. فأما حضرة الإحرام فهي إنما تبدأ بقولك (الله أكبر) وتنتهي بقولك (السلام عليكم) .. وحضرة السلام إنما تبدأ بقولك (السلام عليكم) ، في نهاية كل صلاة ، وتنتهي بقولك (الله أكبر) في بداية الصلاة المقبلة .. ولكلتا الحضرتين أدب .. فحضرة الإحرام أدبها محاولة الحضور مع الله أثناء الصلاة ، والانصراف عن مشاغل الحياة ، والتوجه إلى الله بكلية ، جهد الطاقة .. وأنت لا بد أن تحتال لذلك الحيل .. وذلك بمحاولة الحضور في الوضوء .. لأن الحضور فيها كما يقول الصوفية ، إنما يكون قبل الدخول فيها .. ولقد فصّلنا ذلك في كتبنا بصورة مستفيضة .. وأما حضرة السلام فهي المعاملة .. ويمكن أن نلخص أدبها في كف الأذى عن الناس ، ثم احتمال أذى الناس ، ثم السعي في توصيل الخير إليهم .. هذا النهج هو النهج العملي في التحرر وفي معيشة اللحظة الحاضرة .. وهو يبدأ ببداية بسيطة في تحرّي وقت الصلاة ، وفي أدائها في أول الوقت .. ولكنه يتداعى ، في النهاية ، ليحرر صاحبه من قيد الزمان والمكان .. وبممارسة العبادة نجد قوة الفكر ، ونفاذه ، في تمييز الواجب المباشر .. ونجد الإرادة لتنفيذ الواجب المباشر ، جهد الإتقان ، كما نجد الاستعداد ، والسعة ، لقبول النتيجة أيّاً كانت ، خيرا أو شرا .. وهذا هو نهج (لا إله إلا الله) الوارد في: (إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه) .. ولذلك فإن انتظار المسيح إيجابية ، وليس سلبية .. وذلك هو معنى قول السيد المسيح: (أيضا يصلي الذي يجلس ، وينتظر) .. فالذي (يجلس وينتظر) لا يجلس ، ولا ينتظر ، في فراغ ، وإنما يجلس ، وينتظر ، بالعلم ، وبالعمل بمقتضى العلم ..
إن السير إلى الله ، كما نقول دائما ، ليس بقطع المسافات ، وإنما هو بتقريب الصفات ، من الصفات ـ تقريب صفات العبد من الرب ـ وهذا معنى قول الصوفية: (سيرك منك ، وصولك إليك) .. وهو معنى (ما وسعني أرضي ، ولا سمائي ، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن) .. فالله ، كما قال الصوفية ، هنا ، والآن ، أي هو في اللحظة الحاضرة .. والمسيح إنما يجيء في اللحظة الحاضرة ..
لقد فجّر العلم المادي نواة المادة فسمع لها ذلك الدوي الرهيب ، وكان أن ردّ ، بذلك التفجير ، المادة إلى أصلها الواحد ، وسيفجّر الدين ، بمنهاج الفكر القوي ، الدقيق ، النفّاذ ، نواة الدين ، وهي هي اللحظة الحاضرة ، وسيسمع لها دوي أعتى مما حدث لدى تفجير نواة المادة ، وسترد بذلك أصول الأخلاق إلى مصدرها الواحد ـ تخلقوا بأخلاق الله إن ربي على سراط مستقيم ..
هكذا يجيء المسيح ، قنطرة بين الغيب ، والشهادة ، بين الإطلاق والقيد ، فيسوق الأرض بالطوع في اتجاه قانون السماء ، وهذا هو العلم ، وهو هو ما خفي على المفكرين ، حين اعتمدوا على علم الظاهر في التصدي لحل مشاكل الإنسان ، فكان علمهم جهلا .. قال تعالى: (وعد الله ، لا يخلف الله وعده ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون !! يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون !!).