في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

المسيح

خاتمــة


إن الأحلام ، والرؤى ، التي داعبت أخيلة الحكماء ، والعلماء والفنانين ، عبر التاريخ ، لم تكن عبثا ، ولم تكن تهويما لا أساس له .. فهم حين حلموا بالمدينة الفاضلة ، وحين هاموا بسر القدر ، وكتبوا عن إكسير الحياة ، وعن خاتم المنى ، لم يكونوا إلا يترجمون عن أشواق دفينة .. مركوزة في النفس البشرية .. هذه الأشواق إنما هي أشواق إلى إطلاق القوى الحبيسة ، المكبوتة ، في داخل كل فرد ، وهي أشواق للحياة الحرة ، الطليقة ، التي برئت من أن تؤوفها آفة ، أو ينغصها منغص .. هذا هو شوق الإنسان إلى وطنه القديم في كنف الله الرحيم ، الذي طال عنه اغترابه .. فالإنسان في شوقه هذا لا ينطلق من فراغ ، وإنما ينطلق من ذاكرته ، فهو إنما يذكر في أشد أحوال نسيانه عهد وصل قديم كان فيه ، في أحسن تقويم .. هذا التوق ، وهذا الشوق ، إنما هو إلى الفردوس المفقود .. وما جاءت الرسل ، ولا جاءت الكتب ، إلا ليذكّروا الناس به ، وإلا ليحفزوهم ، ويوجّهوا سيرهم نحوه ، قال تعالى: (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) ..
إن المدينة الفاضلة التي حلم بها الناس كثيرا إنما هي دولة المسيح التي لا يستأنس فيها الإنسان فحسب ، وإنما تستأنس فيها الوحوش أيضا ، كما جاءت بذلك نبوءات الإنجيل ، ونبوءات النبي ، صلى الله عليه وسلم .. ولا يتسغربن أحد هذا الأمر ، فإنه مصير حتمي تقود إليه حركة التطور بصورة طبيعية .. وكل من يستقرئ تاريخ الحياة بفهم ، ولا يقف في استقرائه لأصول الظواهر عند المادة فحسب ، لا بد أن يرى ، أن السلام هو مصير الحياة المبرم ، والمحتوم ، في معنى أن المعرفة ، والاطراد فيها ، قدر الإنسان المقدور ، فحركة التطور ، في مجملها ، إنما هي حركة المظهر الذي يسعى لينطبق على الجوهر .. وهيهات !! وفي هذا المضمار يخرج الإنسان من الجهل إلى المعرفة ، كل يوم ، ومن الاستيحاش إلى الاستيناس ، كل حين .. قال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم ، وملائكته ، ليخرجكم من الظلمات إلى النور ..)
ولكن المسيح يقفز بمجيئه بهذه الحركة قفزة أكبر من القفزة التي صاحبت دخول العقل في مسرح الحياة ، في بداية النشأة ، قال تعالى: (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) .. فالحياة البشرية على ظهر الأرض قد أتمت دورة كاملة ، وهي الآن إنما تحتشد وتستجمع قواها للقفزة المقبلة التي يكون بها الناس وكأنهم قد ولدوا في بيئة جديدة غير التي ألفوها وعرفوها ..
ومن أجل ذلك فقد صدّرنا هذا الكتاب بالآية: (أفعيينا بالخلق الأول ؟؟ بل هم في لبس من خلق جديد !!) .. فالمسيح إنما يجيء ليولد الناس من جديد ميلادا ثانيا ، في بيئة هي الأخرى جديدة .. قال تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه ، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ؟؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون !!) .. وهذه الآية تعني ، فيما تعني ، أن البشر موتى إذا ما قيسوا بالإنسان ، والمسيح إنما يجيء ليخرج الناس من البشر ، بقفزة كبيرة ، قلنا عنها أنها أكبر من القفزة التي دخل بها الحيوان مرتبة البشر في فجر النشأة ..
إن على المسلمين لأن يستيقظوا ، وبخاصة المتطرقين منهم فقد حلم بالمسيح أكابر العارفين ، ولقد كانوا على الدرب في انتظاره حين قاموا ليلهم ، وأظمأوا نهارهم .. واليوم فقد انغلقت الطرق ، ولم تبق غير طريقة الطرق ـ طريق محمد ـ وطريقة الطرق إنما هي السنة الصرفة التي كتبنا في تبيينها عديد الكتب ، وهي ما به سيعود الدين ، وهي ما به سيجيء المسيح .. قال ، صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا ، كما بدأ ، فطوبى للغرباء !! قالوا: من الغرباء يا رسول الله ؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها !!) ..
إن المنتظرين حقا لهم المقيمون على السنة الصرفة ، فالزموا نهج السنة ، ودعوا ما أنتم فيه ، تكونوا من الفائزين .. فإن هذا الأمر لا يخلو من خفاء حتى على أكابر العارفين ، فما بالكم بمن هم دونهم ؟ وهذا ما من أجله قيل: (يأتي من جهة لا يعرفونها ، وعلى هيئة ينكرونها ..) .. وهو ما قال فيه النابلسي: (لا يكن طرفك أعمى عن تناويع الأشاير) .. والأشاير كلها اليوم إنما تشير إلى انغلاق الطرق ، وإلى بعث السنة الصرفة .. وهذا ما من أجله قلنا: (إنّا قد استيقنا من أنه بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد الدين .) ..
إن الانتظار إنما يكون على السنة وحدها وما دون ذلك انتظار لمنتظر ..
حقق الله الآمال ، والأحلام ، ورفع ، المعاناة ، عن كاهلنا ، وعن كاهل كل خلقه ، بمجيء موعوده العظيم .. إنه نعم المولى ، ونعم النصير ..

الإخوان الجمهوريون
أم درمان / السودان ص.ب 1151
تلفــون 56912