في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

الباب الثالث
الاستقلال الاجتماعي



بعد ان ذهبنا في تبيين ضرورة المذهبية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي، نود، في هذا الباب، ان نشير إلى بعض النواحي اللّصيقة بأمر المذهبية، والتي تكفل فرض التحرر الاجتماعي، وتقود إلى خلق المجتمع الصالح، وإنجاب الفرد الحر، حرية فردية مطلقة.. ذلك الفرد المستقل عن ربقة مظاهر الحياة، والكلف بخدمة مجتمعه، والصالح العام.. وهي نواحي تتعلّق بمسائل: كالتربية، والتعليم، وقضية المرأة، واستقرار الاسرة، والتي نرى بأن توجد لها الحلول، وتوجه بمذهبية واعية، تجعل من استقلال البلاد، سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، امرا ممكنا، ليقدّم السودان بذلك النموذج الصالح، الذي يحتذى من سائر دول العالم الهائم الحائر..

التربية والتعليم:


لقد اخذنا على حركة الاصلاح في مجالات الخدمة الاجتماعية، والتي قام بها مؤتمر الخريجين، عند بداية نشأته عام 1938م، وكانت قد تركّزت اكثر في التعليم، عدم سيرها في التعليم على هدى سياسية تعليمية موضوعية، منظور فيها إلى حاجة لبلاد كلّها في المستقبل القريب والبعيد، كما نعينا عليها عدم عنايتها بمناهج الدراسة كعنايتها بإنشاء المدارس..
وقلنا يومها، (ان ترك العناية بنوع التعليم خطأ موبق لا يدانيه الّا ترك العناية بالتعليم نفسه)، وذلك لما رأيناه من ان نوع التعليم الذي يمارس، لن يفلح الّا في خلق البطالة، وتنفير النشء من الارياف، وتحقير العمل الشاق في نفوسهم، ولا نري، والى اليوم، ان سياسة التعليم المطبقة، ونوعية المناهج – رغم التحورات التي تمّت فيها – تسير على النحو الذي نطلبه ونريده لهذه البلاد. ويمكن حاليا ان نتبين انعكاس تقصيرنا في أمر التربية والتعليم، في مشكلة البطالة التي نعاني منها حاليا، وفي ظاهرة العطالة المقنّعة، وشتى صور التشتت الاداري، والتردي في الاداء، والخدمة.. وما أزمة توظيف الخريّج الزراعي التي برزت مؤخرا، في اهم قطاع تستند اليه اقتصاديات بلادنا، الّا وتقف دليلا واضحا على النتائج السلبية لسياستنا في التعليم والتخطيط له..
ومناهج التعليم التي نريدها، تهدف إلى تعليم الطالب كيف يعلّم نفسه، وكيف يكلف بمواصلة هذا التعليم، طوال حياته، التعليم الذاتي.. والواقع ان الحياة نفسها تتطلّب من الانسان ان يظل طالب علم طوال حياته... فإن نحن استطعنا ان نعطيه، في التعليم النظامي، الاسلوب العلمي الذي به يستطيع ان يعلّم نفسه، فقد اعددناه للحياة الاعداد المطلوب..
ومطلوب من التعليم ان يؤدي وظيفته بأن يأخذ المتعلّم صورة كاملة وصحيحة عن البيئة التي يعيش فيها، كما هو مطلوب في التعليم ان يحقق فائدته المتمثلة في مقدرة المتعلّم ان يحقق فائدته المتمثلة في مقدرة المتعلّم ان يوائم بين نفسه وبين بيئته.. وعلي هذا الاساس فإن التعليم يجب ان يمكّن الفرد من ان يحقق التوفيق اللّازم بين الحرّية الفردية، والحرية الجماعية، حتى لا يعيش في عداء مع نفسه، ومع مجتمعه.. والفرد الذي يستطيع ان يعيش عيشة فردية، مستقيمة، حرّة، منتجة، يمكنه ان يكون نافعا ومنتجا، للمجتمع، وهو يجد سعادته في اسعاد الآخرين..
والتعليم للفرد يجب ان يتكامل في اتجاهين متطابقين، التعليم المهني، والتعليم الخلقي، فيجب الّا يكون تعليم الاخلاق مستقلّا عن تعليم المهنة، فالتعليم المهني الصحيح هو الذي يوحّد بين المهارة الفنية، والقيم الخلقية التي تبعث على العمل المهني، وتدعو لإحسانه، وتجويده..
ومطلوب التوسّع في التعليم المهني وتنويعه على النحو الذي يوفّر حاجة البلاد من الخبرة الفنية، ويحقق التوازن اللازم بين تنمية الريف السوداني ومدنه، كما هو ضروري ان تأتي خطط التعليم منسّقة، ومتساوقة، مع خطط التنمية القومية بالبلاد.
حتى يؤدي ذلك إلى كفاية، وكفاءة، تنمية الاقاليم ونهوضها، فيجئ ذلك متفقا مع سياسة، واغراض، لامركزية الحكم التي تنتهج حاليا، مما يمكن معه ان تحقق الاقاليم - وفي وقت وجيز - استقلالا ذاتيا في تنمية مواردها المحلية، وتوسيع قاعدة خدماتها الاجتماعية في المنطقة..
وحين ينبني التعليم على استغلال مواهب الطلّاب، كلّ في المجال الذي يفلح عليه، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتباط التعلّيم الشديد بالمهنة المعينة، والابداع فيها بما يصل إلى حد الاختراع، والكشوفات العالمية، فيها، فيؤدي ذلك، من ثم إلى الاستقلال نوعا ما عن سيطرة العقول والتكنولوجيا الاجنبية، والتبعية الفنية لها في امتلاك الآلة، وتقييد المعرفة.. كما يحفظ ذلك لأبنائنا ارتباطهم الوثيق بالمهنة والعمل، فيؤمّن البلاد ضد ظاهرة الهجرة المكثّفة للخارج، وتغيير مواقع العمل، بالصورة التي تجري حاليا، وتعوق من الانتاج كثيرا..