في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

المرأة والأسرة والمجتمع:


لقد كثّفنا نحن الجمهوريين – وعلى أساس من المذهبية الواعية، والصحيحة، من الدعوة إلى خلق المرأة الانسان، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لوضعها في مختلف المذهبيات الأخرى والمجتمعات، ونظرة تلك المجتمعات اليها.. فالمرأة، في مفهوم الدعوات الدينية السلفية، منقوصة الحقوق، ومعطلة الاسهام في الحياة العامّة.. كما نجدها، في مجتمعات الحضارة المادية الغربية، مجهولة القيمة.. فهي عند الغرب الرأسمالي منظور اليها كسلعة، وجسد، تباع وتشترى.. بينما هي عند الشرق الشيوعي مجهضة الانوثة..
ان مجهوداتنا، جميعا كسودانيين، ينبغي ان توجه في ان تبرز المرأة الانسان، تلك المرأة التي تعي واجباتها نحو المجتمع، وواجباتها في الاسرة، فتلتزمها وهي مصقولة بالتربية والوعي، والسلوك الديني الصحيح..

تنشئة المرأة في كرامة وإعزاز:


ولبروز المرأة الانسان لابد من تنشئتها في كرامة واعزاز.. وهذا لا يتم الّا على صعيدين اثنين، وفي آن معا: احداهما مستوى القانون، وثانيهما مستوى الرأي العام..
فالمرأة المهانة، المضطهدة، بقانون الاحوال الشخصية القائم اليوم، والذي يجعل كل شؤون الاسرة في يد الرجل ويشعر المرأة بأنها مخلوق غير مستقر، فهي عرضة للتشرد حسب اهواء زوجها، في اي وقت شاء، لا يمكن ان تكون امرأة كريمة، بأي حال من الاحوال.. يجب ان يكون واضحا، فإن شريعة الاحوال الشخصية قد كانت حكيمة في وقتها، في القرن السابع، ولكنها تقصّر عن الوفاء بحقوق المرأة العصرية، وهي لم تكن مقصودة بها، وإنما حقوق المرأة العصرية قد ظلّت مدّخرة لها في اصول الدين في اصول القرآن – وهي لن تدخل مقام عزّها المدّخر لها في الدين إلّا بتطوير شريعة الاحوال الشخصية الحاضر..
وهي شريعة تتعارض مع الدستور الإسلامي، وتقوم على القرآن المدني، وهو يقوم على فروع الدين، حتى تجئ بهذا التطوير شريعة الاحوال الشخصية الجديدة، التي تستقيم مع الدستور الإسلامي، وتعطي المرأة حقوقها الدستورية.. وذلك عمل يستقيم مع قامة المرأة المعاصرة التي نرشحها نحن لإنجاب المرأة الانسان إذا ما كفلنا لها الظروف المواتية.. ولقد أسلفنا القول بأن الظروف المواتية لكرامة المرأة، واعزازها، لا تتم الّا على صعيد القانون، والرأي العام، وكلا هذين لا يقوم الّا إذا كان تنظيم الجماعة قائما على المساويات الثلاث، المشهورة: المساواة السياسية - الديمقراطية – والمساواة الاقتصادية – الاشتراكية – والمساواة الاجتماعية – مساواة الرجال والرجال ومساواة الرجال والنساء، امام القانون، في الحقوق والواجبات.. ونحب ان ننبه ان المقصود هنا بالاشتراكية انما هي الاشتراكية العلمية لا العلمانية..
العمل العلمي هو الذي ينبني على العلم بالحياة الحاضرة، والحياة المقبلة، في اتساق وتواؤم، وفهم شامل، وينشئ القنطرة بين الحياتين، على حد العبارة النبوية الشريفة: (الدنيا مطية الآخرة).. في هذا العلم المرأة منتجة، في قمّة الانتاج، حين تنجب الاطفال.. وهي بذلك يعترف بحقها الاقتصادي الذي يجعلها صاحبة دخل كريم، تكون به كريمة، ومصونة، وعزيزة.. هذه هي الاشتراكية العلمية.. وامّا ما يسمى بالاشتراكية العلمية فما هو بذلك، وانما هي الاشتراكية العلمانية..
العلم العلماني هو الذي ينبني على العلم بظاهر الامور، وقصاراه العناية بالأمور الدنيوية، ولا يتعداها.. وهو في نظر العلم، ليس بعلم.. وعنه يقول اصدق القائلين: (وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون..) قال يعلمون (ظاهرا من الحياة الدنيا)، وليس هذا (بالعلم)، وانما هو (العلمانية).. هو العلم بالقشور فقط.. الاشتراكية، في هذا العلم، لا تعتبر المرأة منتجة الّا إذا كانت عاملة في الحقول، وفي الورش، والمصانع – الّا إذا نافست الرجل في ميدان الانتاج التقليدي.. في هذه الحالة وحدها يمكن ان يكون لها استقلال اقتصادي عن الرجل.. وبغير الاستقلال الاقتصادي فليست لها اي فرصة في الكرامة، وفي العزّة..
الاشتراكية العلمية هي التي ترعى القيمة الانسانية في إنجاب الاطفال، وتجعل عمل المرأة، في ذلك، اقيم من انتاج الآليات، والمكنات، ومنجزات التكنولوجيا الحديثة، وتقومه على اساس اقتصادي، وتكافئ عليه.. والاشتراكية العلمانية هي التي تقوم الامور على اساس مادي بحت يعطي الكرامة لإنتاج الآليات، ومواد، وادوات، الاستهلاك اليومية..
ان ما اسماه ماركس بالاشتراكية العلمية، ما هو بالاشتراكية العلمية، وانما هو، في الحقيقة، الاشتراكية العلمانية..
وشتان بين هاتين الاشتراكيتين!! اي مساواة، امام القانون، بغير المساواة الاقتصادية يظلّ حبرا على ورق، وليس له اي وزن، ولابه اي غناء، ولا عبرة.. فإذا قامت الاشتراكية العلمية، وبلغت المرأة مرتبة الكرامة، فإن شريعة الاحوال الشخصية المتعارضة مع الدستور الإسلامي، فيصبح امر تعديلها، وتطويرها، أمرا يمليه العقل، ويمليه الدين.. انه لا يصبح، عقلا، ولادينا، ان الشريعة التي ناسبت القرن السابع ستناسب القرن العشرين، بكل تفاصيلها..
في امر المرأة فقد أخرج الإسلام المرأة من حفرة الوأد، وشرّع لها الشريعة الحاضرة التي رفعتها درجة كبيرة حتى حين ميزت عليها الرجل، وجعلته قوّاما عليها.. والآن فإن المرأة تتخرج من الجامعة.. فلا يصح ان تكون حقوقها، وواجباتها، هي نفس حقوق، وواجبات، جدّتها خريجة حفرة الوأد.. هذا أمر لا يصح في الدين، وهو أيضا لا يصح في العقل.. القاعدة الذهبية هي ان الشريعة ليست هي الدين، وانما هي طرف الدين الذي كان مشدودا إلى واقع الناس، ومتأثرا برواسب المجتمع.. هذا في حين ان في الدين كل السعة، وكل الصلاحية، وهو ما به يناسب جميع العصور، وجميع المستويات، وعلى العالمين به ان يستنبطوا منه الاحكام التي تناسب حياة الناس – كل عصر في عصره..