في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

نشأة الحركة الوطنية والأحزاب الطائفية:


ببروز مؤتمر الخريجين في عام 1938، نشأ اول تنظيم وطني للسودانيين يرفع شعار (القومية للسودان).. فقد جمع المؤتمر شمل الخريجين، واتجه إلى مجال الخدمات الاجتماعية والنشاط الخيري، وبصورة خاصة على المساعدة على انشاء المدارس..
وعنما اندلعت الحرب العالمية الثانية، أعلن المؤتمر تأييده للحلفاء، ووافق على دعوة الحكومة له بتجنيد السودانيين في (قوة دفاع السودان)، وسعى إلى الاستفادة من وثيقة الاطلنطي، التي أعلن فيها الحلفاء انهم إذا انتصروا في الحرب، فسوف يمنحون ابناء المستعمرات التي تعاونت معهم في الحرب، حق تقرير المصير.. فأسفر المؤتمر عن وجهه السياسي ورفع مذكرة إلى الحاكم العام في ابريل 1942، تضمّنت اثني عشر مطلبا، على رأسها حق تقرير المصير، بعد الحرب مباشرة.. فقد كانت النقطة الاولى من مطالب المذكرة كما يلي: -
1/ (اصدار تصريح مشترك في أقرب فرصة ممكنة من الحكومتين الإنجليزية والمصرية بمنح السودان بحدوده الجغرافية حق تقرير مصيره بعد الحرب مباشرة).. وقد ردّ السكرتير الاداري، نيابة عن الحاكم العام، على مذكرة الخريجين، فرفض المذكرة واعتبر المؤتمر يتحدث خارج دائرة حدوده.. وجاء في الرد ما نصه: (واني اطلب منكم ان تعيدوا قراءة خطابي لكم المؤرخ 30/10/1940 وعلى الاخص الفقرة منه!! تلك الفقرة التي قلت فيها ان مؤتمر الخرّيجيين بدعواه تمثل جميع السودانيين وبمحاولته تحويل صفته إلى هيئة سياسية وطنية ليس فقط يستحيل عليه ان يحتفظ بالتعاون مع الحكومة بل لن يكون له امل في استمرار اعتراف الحكومة به).. ووكّد الرد على اصرار الحكومة على ان يقلع عن اية دعوى صريحة او ضمنية في تمثيل البلاد تمثيلا عاماً – وأنها ستصر على ذلك..)..
وقد رد المؤتمر على الحكومة بمذكرة تمسّك فيها بالمطالب الواردة في مذكرته السابقة، ولكن بعبارات فيها الكثير من روح الخضوع وعدم المواجهة.. فقد جاء فيها مثلا: (ان للوصاية يا صاحب المعالي شروطا عديدة يهمّنا ان نثبت منها حق القاصر، فإن القاصر إذا بلغ من التمييز وجب ان يستشار وإذا بلغنا من الرشد وجب ان يعطى حقه فنحن ان لم نبلغ الثانية فقد بلغنا الاولى على اقل تقدير وقد مضى ما يقرب من نصف قرن)!! وقد ختمت المذكرة بعبارة (خادمكم المطيع) ووقعت باسم رئيس المؤتمر السيد ابراهيم احمد.
وهكذا استمر المؤتمر في تبادل المذكرات الهادئة مع الحكومة دون ان يشرك الشعب، او لجانه الفرعية في هذا العمل.
وقد نشأ المؤتمر من البداية منقسما بين الطائفتين الكبيرتين، طائفة الختمية وطائفة الانصار.. وقد ادّى صراع الخريجين على كراسي المؤتمر إلى المزيد من الالتصاق بزعماء الطائفتين طلبا للسند الشعبي، وهكذا سقط المؤتمر بين يدي الطائفية التي سيطرت عليه. وعندما رفضت الحكومة الاعتراف بحق الخرّيجين في التحدث باسم السودان، وجعلت هذا الحق قاصرا على زعماء العشائر وزعماء الدين والطائفية، زاد ذلك من لجوء الخرّيجين لزعماء الطائفية طلبا للسند الشعبي الذي يعطيهم حق التحدث باسم السودان امام الحكومة الاستعمارية، وكل ذلك مما مكّن للطائفية بصورة كبيرة.. ولقد تطور الخلاف بين الكتلتين المتنازعتين على رئاسة المؤتمر، وتبلور، فظهر التياران السياسيان: تيار الاتحاد مع مصر وتيار الاستقلال فخرجت من المؤتمر مجموعة الأحزاب الاتحادية، والأحزاب الاستقلالية.. وقد تبلورت الأحزاب الاتحادية فيما بعد في الحزب الوطني الاتحادي الذي تسنده طائفة الختمية، المعروفة بارتباطها بمصر، وحزب الامة الذي تسنده طائفة الانصار ذات العلاقات الحسنة مع الانجليز..