في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

لماذا المذهبية ولماذا التربية الوطنية؟


واول ما يؤخذ من الحركة الوطنية انصرافها التام عن المذهبية التي تحدد الغاية وترسم الطريق إلى تحقيقها، وقد نشأت الحركة الوطنية وهي تعاني من الفراغين: فراغ الفكر وفراغ الحماس. ولقد كان الذهن الحر المفكّر تفكيرا دقيقا ضروريا لأن تأتي مواقف كل حزب معبّرة عن رغبة السودانيين وتطلعاتهم ومنسجمة مع أمانيهم تجاه القضايا الوطنية.
ومع غياب المذهبية والعقل الحر المفكر، احتضنت مصر الاتحاديين الذين اكتفوا من العمل السياسي بالسفر إلى مصر والاقامة في الفنادق الفخمة على حساب الحكومة المصرية حيث كانوا يدلون بالتصريحات، ويعقدون المؤتمرات الصحفية وهم في عزلة عن سواد الشعب في السودان، وفي الجانب الآخر ركن حزب الامة إلى الانجليز فارتضى الاشتراك في مؤسساتهم التشريعية مثل المجلس الاستشاري لشمال السودان، والجمعية التشريعية، وصار رجاله من المقرّبين إلى الحكّام الانجليز تاركين الشعب مجمّد الوعي، مستكينا لمستعمريه. ومع غياب المبادئ الثابتة، كانت تتم بين الأحزاب المساومات والترضيات، بين من يريدون الانجليز، وبين من يريدون المصريين، والشعب عن كل ذلك معزول، فظهرت، مثلا، الوثيقة التي تنص على حكومة ديمقراطية حرّة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا.
ولقد تمثل فراغ الحماس في انعزال الأحزاب عن الشعب عزلة تامّة، وذلك بركونها اولا إلى زعامات الطائفية وباعتمادها، ثانيا على دولتي الحكم الثنائي، مصر وبريطانيا.. وقد كان من واجب الأحزاب ان تعمل على تربية قاعدتها تربية وطنية صحيحة، بإشعال حماسها الوطني لقضية الاستقلال، ومدها بالمعلومات التي توعّيها سياسيا، وتمكّنها من المشاركة بالرأي في تحديد مصيرها بدلا من الاستمرار في تبادل المذكرات مع الحكومة في سرّية وخفاء. وقد كان ضروريا - على سبيل المثال - عند مفاوضات 1946 بين مصر وبريطانيا حول السودان، ان تعمل الأحزاب على تحريك الشعب بصورة ايجابية تبرز صوته المستقل وشخصيته الوطنية وتحشده في حركة ضاغطة تستهدف تحقيق الحرية للشعب السوداني، ولكن انشغلت الأحزاب عن ذلك بتكوين وفد منها للسفر للقاهرة ومراقبة المفاوضات المصرية - البريطانية.. ولقد انتقد الجمهوريون هذا الاتجاه، وخاطبوا المؤتمر والأحزاب في نشرة بتاريخ 17/3/1946 جاء فيها: - (2- سواء كان الوفد من صفوف المؤتمر فحسب، او من المؤتمر والأحزاب جميعها، وسواء كان المبدأ الذي يبغي الوفد تحقيقه صحيحا ام خاطا، فإن طريقة سفر الوفد تسلّلا ومن غير ان يستكره الحكومة على احترام كلمته والاعتراف به، جبن وخطأ، سيعرّضان قضية البلاد للسخرية، من خصومها في الخارج، ولفقد الثقة من اهلها في الداخل.
3- قضيتنا قضية حرية ولا سبيل لكسبها الّا بإثارة الشعب حولها بالدعة الجريئة السافرة. واول الخطوات توحيد البلاد، بفتح الجنوب على مصراعيه، واستكراه الحكومة على احترام الحريات – وحرية الكتابة – وحرية الكلام – وحرية التنقّل " فعلا لا قولا")..
ولقد سافر وفد الأحزاب إلى القاهرة مقيما بالفنادق الفخمة، فتجاهل المصريون آراءه واخذوا يرددون على مسامعهم آراءهم هم، فانسحب ممثلو الأحزاب الاستقلالية من الوفد، بعد ان شعروا بفتور معاملة المصريين لهم، وبعد ان اصرّ المصريون على عدم قبول أي حل دستوري لا ينص على وحدة مصر والسودان الابدية.
ولو سبقت سفر الوفد حركة واسعة في الهاب حماس الشعب وتبصيره بمهمة الوفد، لسمع للشعب صوت وللوفد رأى. فهذا نموذج لضرورة ملء فراغ الحماس للتعجيل بنصرة قضية الاستقلال وضمانها. ومع اهمية ملء فراغ الحماس في استنهاض همم المواطنين لإشراكهم في المناداة بحقهم في الاستقلال وتقرير المصير على الصورة التي يرونها، فإنها كذلك تربيهم تربية وطنية صحيحة، تعزّز من ارتباطهم بتراب هذا الوطن وتجعلهم يسهرون على صيانة وحدته واستغلاله، فيصبح ذلك دأبهم وسلوكهم الوطني حتى بعد جلاء المستعمر. ذلك من امر اهمية وضرورة ملء فراغ الحماس. امّا فراغ الفكر فقد تمثل في افتقار تلك الأحزاب الطائفية إلى المذهبية التي تملك القدرة على تغيير الواقع إلى الاحسن. فلم تكن تلك الأحزاب ذات برامج محددة لمعالجة قضايا الحكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانما كانت تريد الاستقلال فحسب، امّا ما يعقب خروج الانجليز فلم يكن ليشغل فكرها في قليل او كثير.