((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

تعلموا كيف تصلون

بين الاعتراف والاستغفار


ومما يزيد في توضيح قولنا أن ((الصلاة جلسة نفسية)) جلسة الاستغفار، التي تتفق، للعبّاد، المجودين، بالأسحار.. وقبل ((الاستغفار)) عند المسلمين، هناك ((الاعتراف)) عند المسيحيين.. ومبدأ ((الاعتراف)) هذا بدأ في المسيحية بعد حياة المسيح، في حوالي القرن الثامن الميلادي.. وهو يستمد من قول المسيح لتلاميذه ((الحق أقول لكم : ما ربطتم في الأرض، ربط في السماء.. وما حللتم في الأرض، حل في السماء)).. ثم إن المسيح قد قال لهم أيضاً : ((خذوا الروح القدس: من غفرتم له خطاياه تغفر له.. ومن أمسكتم عليه الغفران يمسك عليه))..
والمسيحيون يعتبرون أن الاعتراف أمام كاهن مهم جداً.. ومن الفروض الدينية على كل مسيحي أن يعترف، على الأقل، مرة في السنة.. وهم يقسمون الخطايا إلى نوعين : الخطيئة ((المميتة))، وهذه لا تغفر إلا بالاعتراف. والخطيئة ((العرضية)) وهذه يمكن مغفرتها بدون اعتراف..
والحكمة وراء الاعتراف هي تفريغ البال من الهموم التي تغم القلب، حتى تحصل الراحة بنقاء الضمير.. وإنهم ليتوسلون إلى ذلك بعدة صلوات.. مثلاً هم في ((الاعتراف)) يقولون : ( إن مخلصنا بجنان سام : ((وضع لنا سر التوبة للخلاص)).. فهو قوة لضعفنا، ودواء لأمراضنا النفسية الكثيرة، بل هو نور يجعلنا نعرف تجارب العالم، وغش الشيطان، وشهوات النفس، ولذا يلزمنا أن نتقدم إليه كثيراً، بإيمان حي، واستعداد كامل.. إننا بالتقرب المتواتر إلى هذا السر نتقدم في الكمال المسيحي، ونحفظ طهارة نفوسنا.. وبمقدار ما نبتعد عنه، ونؤخره، نتأخر في الفضيلة، ونضيع هدوء الروح)..
وهم، قبل الاعتراف يتوجهون بصلاة قصيرة، كأن يقول أحدهم : ((أيها الروح القدس!!نور عقلي لأعرف الخطايا التي ارتكبتها بعد اعترافي الأخير، فأندم عليها، ندامة صادقة، واعترف بها، اعترافا تاما، للكاهن في كرسي الاعتراف)).. وبعد هذه الصلاة القصيرة يأخذ المعترف في فحص ضميره، محاولا، بذاكرته، استحضار ما قد اقترفه من ذنوب، وخطايا.. كإهماله في الصلاة، صباحاً، أو مساءً.. وهل هو أخفى خطيئة مميتة في اعترافه السابق ؟؟ وأيضاً : هل قام بواجبات الوالدين ؟؟؟ وإذا كان زوجاً، أو زوجة، فهل قام بواجباته نحو الأسرة، والأبناء ؟؟ وأيضاً هل قصر في حب أحد ؟؟ وهل وشى بأحد، أو شتمه ؟؟ وهل سرق ؟؟ لعب ميسراً ؟؟ شرب خمراً ؟؟ .. إلخ الذنوب، والخطايا.. ثم هو، بعد أن يستحضر طائفة كبيرة من هذه الخطايا يتوجه بصلاة قصيرة أخرى، كأن يقول : ((يا إلهي إني نادم على جميع خطاياي التي بها أهنتك، أنت، المستحق كل محبة، وأقصد، قصداً ثابتاً، ألا أعود إلى ارتكابها.. فساعدني على الثبات، ولا تسمح أن ابتعد عنك بالخطيئة)).. وطريقة الاعتراف : أن يتقدم التائب من كرسي الاعتراف، ويركع، ويقول : ((باركني يا أبت لأني خاطئ، أو خاطئة..)).. وسيكون في وضع مريح، يوحي بالطمأنينة، والسرية، ويغري بالانفتاح، والصراحة.. وقد يفصل بين الكاهن والتائب شباك صغير.. ويكون النور الذي يريان به بعضهما نوراً خافتاً، ومطمئناً، ويأخذ التائب في سرد ظروفه التي ورطته في الخطيئة.. ويعدد خطاياه.. ويكون مستعداً للصراحة، والوضوح، والصدق.. ويجيب على أسئلة الكاهن، حين يسأله، في وضوح وفي صدق … ويظهر الندم على كل ما ارتكب.. ويطلب المغفرة.. وسيجيبه الكاهن : ((مغفورة لك خطاياك)).. وسيعطيه كفارة.. وهي عادةً بعض أعمال الخير، أو بعض الصلوات، أو بعض القراءات من الكتاب المقدس.. والكاهن، في الاعتراف، عند المسيحيين، يعتبر نائباً عن المسيح.. فهو يقول، مثلاً، للمعترف : ((ليحلك ربنا، يسوع المسيح، وأنا أيضاً أحلك بسلطانه))، أو يقول، في أثناء وعده التائب الغفران : ((ضمن السلطة المخولة لي)).. والكاهن ملزم بأن يحتفظ بأسرار المعترفين، وذلك، بالطبع، مما يطمئن المعترف، ويشجعه على فتح مكنونات صدره، وتنقية ضميره، وراحة باله.. هذا هو ((الاعتراف)) في ((المسيحية))، ويعادله عندنا نحن في ((الإسلام)) الاستغفار.. (فالاستغفار)) تطوير، وترق، على مبدأ ((الاعتراف)).. وهو، عندنا، من عظم الشأن، وجلال القدر، بحيث يكون صنواً، وعدلاً، للنبي الكريم.. وقد كان الأصحاب يقولون، بعد أن التحق النبي بالرفيق الأعلى، كانوا يقولون: ((كان لنا أمانان من العذاب، فذهب أحدهما، وبقي الآخر..)) يشيرون بذلك إلى قول الله تعالى : ((وما كان الله ليعذبهم، وأنت فيهم.. وما كان الله معذبهم، وهم يستغفرون)).. وفي (الإسلام) (الاعتراف) ممنوع، لا!! ولا حتى للنبي.. وفي حديث للمعصوم قال، وهو ينهى عن (الاعتراف) : إذا اقترف أحدكم ذنباً، فستره الله عليه، فلا يكشف ستر الله عنه.. ).. وهذه كرامة لضمير الإنسان، ولحرمته، ولحريته، لا تدانيها كرامة.. ويقوم (الاستغفار)، في حط الهموم، والغموم، والأوزار، عن الصدر بقدر يقصر عنه (الاعتراف) بآماد بعيدة.. ذلك بأن الإنسان الذكي لا يمكن أن تطمئن نفسه، كل الاطمئنان، لبشر مثله، فيودعه أسراره.. ولكنه، حين (يعترف) لربه ـ حين يستغفر ربه ـ لا يمكن إلا أن يكون صادقاً، كل الصدق، لأنه مطمئن على سره، إذ يجري (الاعتراف) بينه وبين ربه ـ بينه وبين نفسه.. ولأنه يعلم أنه لا يستطيع أن يكتم الله حديثاً.. وهو، سبحانه وتعالى : ((يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور)).. وفي الحق فإن المراد من (الاعتراف) إنما هو توكيد الخطيئة للنفس حتى تنساق إلى الندم، وحتى تستغفر بجمعيتها، وبكليتها ـ تستغفر بلسان حالها، ومقالها ـ فتتم بذلك ((للاستغفار)) أركانه : الإقلاع الفوري عن الذنب، والندم على ما فات منه، والعزم على عدم العودة فيه.. وإنما يريح (الاستغفار) النفوس لمكان الصدق منه.. فإنه هو أصدق الحديث.. والصدق دائماً يريح، ويحرر النفوس.. وليس ((الاستغفار)) مجرد أقوال تجري على اللسان، وأعداد من المرار تحصى على المسبحة، وإنما ((الاستغفار)) استعراضك لشريط أعمال اليوم السابق، تستعرضها، وتقيمها، وتحدد مبلغ الخطأ فيها، بصورة تفعم النفس بالندم عليها، حتى تندفع، في جمعية، وامتثال، وانكسار، تطلب المغفرة من الله الغفار.. ((الاستغفار))، بهذه الصورة، يجري في السحر، بعد صلاة الثلث، وفي هدوء الليل، وفي جلسة خشوع، وسكينة ، ووقار، تجلس فيها جلسة الصلاة، غير متربع، ولا ماد رجلك، وإنما تجلس وأنت تستشعر حضرتك بين يدي الله ـ )(الاستغفار)) بهذه الهيئة، يحط عن النفس ثقل ظلامها بصورة حسية، يشعر بها العابد المجود شعوراً حسياً ـ وتكفي منه المرات القلائل لتحقيق الغرض المرجو منه.. ولكن الاستغفار الذي تجريه العادة على اللسان، وتعدد مراته على المسبحة، كما هو مألوف عادة الناس الآن، ليس فيه غناء، ولو عدد آلاف المرات.. إن ((الاستغفار)) فكر، يسترجع، ويحاسب، على أخطاء الماضي، بصورة تملك القدرة على سوق النفس إلى عتبة ((الاعتراف))، وهي منكسرة، خاضعة، تستشعر جرم خطيئتها.. أما غير ذلك فهو استغفار يحتاج ((لاستغفار))، كما قالت رابعة العدوية.. وقيمة هذه الجلسة التي يجري فيها ((الاعتراف))، عن طريق ((الاستغفار))، هي أنها تعين على ((تنغيم)) تشويش ((الخواطر)) الداخلي، وعلى مناقشة ((الثرثرة)) التي تجري في الصدر، كمحاولة لتنويرها، ولإقناعها، ولتفريج الكبت عنها، فتتخلص، بهذا الصنيع، من التوتر، ومن القلق الذي يظهر على الناس الآن في صورة المرض العصبي.. يعينك على هذا التخلص، عندما تستغفر الله تعالي بجمعية، إيمان أكيد بأن الله لا يتعاظمه ذنب، فهو، تبارك وتعالى، يقول : ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً.. إنه هو الغفور الرحيم.. )).. هذه أشمل آية في رجاء المغفرة.. وهي تستمد من الإطلاق الذي لا يجري عليه قيد، وهي، من ثم، مسيطرة على آية أخرى، باب المغفرة فيها أيضاً واسع، وتلك هي قوله، تبارك وتعالى : ((إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.. ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً)) جلسة ((الاستغفار))، مع هذا الإيمان، لا تغادر صغيرة، ولا كبيرة من الذنوب، إلا وقد وضعته.. وينهض المستغفر المجود، كأنما نشط من عقال.. هذا هو ما عنيناه بقولنا ((إن الصلاة جلسة نفسية))..