في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

تعلموا كيف تصلون

الصــلاة


فإذا فرغت من الوضوء، بالكيفية التي ذكرنا، فلا تجعل بين فراغك منه، وشروعك في الصلاة، وقتاً طويلاً.. وما يكن بينك، بعد فراغك، من الوضوء، وبين الصلاة، من وقتٍ، فلا تملأه بالغفلة، والثرثرة، التي توزعك بعد أن حصلت على جمعيتك بعد الوضوء.. ولكن كن في ذكر، وفكر.. واعلم: أن لكل عبادة هيئة.. ولكل هيئة أدب.. والأدب في العبادة كالروح في الجسد.. ولقد قال بعض العارفين: إن العبد ليصل ((بعبادته)) إلى ((الجنة))، ويصل ((بأدبه))، في عبادته، إلى ((الله)).. ولما كانت الصلاة عزيزة، ونفيسة، فإن آدابها لا تكاد تحصى.. وسنذكر ههنا نزراً منها:

أوقاتها


معلوم أن الصلاة لا تصح إلا إذا دخل وقتها.. فإذا ما وقعت قبله فإنها تصبح نفلاً، ولا تغني غناء الفرض.. ومن الأدب مع الوقت مراعاته، والشعور بحضرته، والاحتفاء بمقدمه، ومن الأدب مع الصلاة أداؤها في أوله.. وهذا يقتضي الاستعداد لها بالطهارة قبل مقدم الوقت، حتى إذا ما دخل أول الوقت لم يشغلك عنها شاغل.. ولا تقس أوقات الصلاة بالساعة، ولكن قسها بمواقع الأرض من الشمس.. فإنك بذلك تلتزم الظاهر الذي تنبني عليه الشريعة.. وبتجويدك هذا الاتزام يرجى لك أن تصل بظاهر شريعتك إلى باطن شريعتك – إلى حقيقتك.. ثم إنك تحرز، إلى ذلك، تقليب وجهك في السماء، في الليل، وفي النهار، فتجد بركات الفكر، والذكر، ببركة طاعة الأمر، لقوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض؟؟ وما تغني الآيات، والنذر، عن قوم لا يؤمنون؟؟)).. ولقوله تعالى: ((إن في خلق السموات، والأرض، واختلاف الليل، والنهار، لآياتٍ لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات، والأرض.. ربنا ما خلقت هذا باطلاً، سبحانك، فقنا عذاب النار..))..
ولنبدأ بوقت الظهر.. فإنه يدخل بزوال الشمس عن كبد السماء. وينتهي بغروب الشمس.. ثم وقت العصر.. فهو يبدأ منذ أن يصير ظل كل شيء مثله.. وينتهي بغروب الشمس.. فوقته يسير مع وقت الظهر إلى نهايته.. فهما، في الوقت، مشتركان.. ثم المغرب.. فإن وقته يدخل بغروب الشمس، ولا ينتهي إلا بدخول وقت الصبح.. ثم العشاء فإن وقته يدخل بمغيب الشفق الأحمر، ولا ينتهي إلا بدخول وقت الصبح، فوقته يسير مع وقت المغرب إلى نهايته، فهما في الوقت مشتركان أيضاً.. ويلاحظ هنا، على خلاف الأمر الشائع، إن وقت المغرب هو أطول الأوقات.. ثم نجيء لوقت الصبح.. فإن وقته يدخل بطلوع الفجر الصادق، وينتهي بشروق الشمس، إلا من غلب عليه النوم، فإنه يصلي، أداء، لا قضاء متى استيقظ، على شرط أن يأخذ في التأهب للصلاة بمجرد استيقاظه.. وكل صلاة، أدبها، وبركتها، في أن تصلى لأول الوقت، إلا العشاء، فإن خيرها في تأخيرها، على ألا ينام عنها.. والأدب معها، على كل حال، أن تجعلها آخر عملك من اليوم.. فإن نومك عليها يعينك على القيام لصلاة الثلث.. وصلاة الثلث هي أهم صلاتك، وأكثرها نفعاً، وبركة.. وهي قد كانت مكتوبة على النبي، ولم يكن الأصحاب إلا مندوبين إليها ندبا، غير مكلفين بها شرعاً.. وهي اليوم، بفضل الله، ثم بفضل حكم الوقت، قد أصبحت مكتوبة على هذه الأمة المعاصرة، التي يطلب إليها أن تبعث سنة النبي، بعد اندثارها، لترقى ببعثها إلى مقام الأخوان، أولئك الذين تشّوق إليهم النبي حين قال: ((وا شوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد!! قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟؟ قال: بل أنتم أصحابي!! وا شوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد!! قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟؟ قال: بل أنتم أصحابي!! وا شوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد!! قالوا: من إخوانك؟؟ قال: قوم يجيئون في آخر الزمان، للعامل منهم أجر سبعين منكم!! قالوا: منا أم منهم؟؟ قال: بل منكم!! قالوا: لماذا؟؟ قال: لأنكم تجدون على الخير أعوانا، ولا يجدون على الخير أعوانا..))..
وآية فرضية صلاة الثلث على النبي، وتخصيصه بها، قول الله تعالى: ((ومن الليل فتهجد به نافلة لك.. عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا..)).. وقول الله تعالى: ((يا أيها المزمل!! * قم الليل.. إلا قليلا * نصفه، أو أنقص منه قليلا * أو زد عليه.. ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا * إن ناشئة الليلٍ هي أشد وطأً.. وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحاً طويلا * واذكر اسم ربك، وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق، والمغرب، لا إله إلا هو.. فاتخذه وكيلا)).. وفي هذه الآيات تجيء فضيلتها أيضاً، وهي إعداد القائم بالثلث إعداداً به يتهيأ لتلقي العلم اللدني: ((إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا)).. القول الثقيل، في حق النبي، إنما هو القرآن، والعلم اللدني.. وفي حق العباد، المجودين، إنما هو العلم اللدني.. وكيف يعده القيام لتلقي العلم اللدني العظيم؟؟ الجواب: لأن ذلك الوقت من الليل إنما هو وقت صفاء النفس، لسكون الليل، وهدوء البال: ((إن ناشئة الليل هي أشد وطأً.. وأقوم قيلا)) يعني يواطئ فيها القلب، اللسان، فيستقر القول، ويستقيم الخاطر، ويطمئن القلب، وتستوي لكل أولئك، الفطرة، فتفيض المعارف الإلهية، اللدنية فيضاناً يغمر القائم، الموفق إلى التجويد، من جميع أقطاره..
وآية فرضيتها على الأمة المعاصرة، التي يرجى لها أن تنجب الأخوان، إنما هي قول الله تعالى: ((قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني.. يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم.. والله غفور رحيم)).. وهذا الأمر بالاتباع ظل قائماً في عهد الأصحاب، في حدود اتباع ((الشريعة)) ((إلزاماً))، وفي حدود اتباع الميسور من ((السنة)) ((التزاماً))، أي ((تطوعاً))، و(ندباً).. ولكنه اليوم، في عهد الأمة التي يطلب إليها بعث ((السنة)) لترقى بها مراقي الأخوان، يصبح ملزماً شريعةً. ذلك كما قلنا، بفضل الله، ثم بفضل حكم الوقت.. ويجب أن يكون مفهوماً: فإن شريعة ((الأخوان)) هي ((سنة)) ((النبي))، في حين أن شريعة ((الأصحاب)) هي ((شريعة)) ((الرسول)).. وقد فصلنا ذلك تفصيلاً في كتابنا: ((طريق محمد))، الطبعة الثالثة مما يغني عن إعادته هنا.. فليراجع في موضعه.. ووقت صلاة القيام أوله نصف الليل.. ويجب أن يقام إليه بعد نوم، يأخذ الجسد فيه راحته، لتبلغ النفس فيه صفاءها، وتدرك جمعيتها، حتى تقبل على الصلاة برغبة.. وآخر وقت صلاة القيام طلوع الفجر الكاذب.. وأدنى صلاة القيام ثلاث ركعات.. وأعلاها ثلاث عشرة ركعة.. وهذه الصلاة عظيمة، عظيمة.. ويجب أن لا تفرط فيها، إن كنت تبتغي مداخل العرفان.. ويجب أن يكون واضحاً: فإن صلاة ((التراويح)) التي يصليها الناس، منذ حين، وإلى عهدنا الحاضر، في أول الليل، في رمضان، ويسمونها ((صلاة القيام)) ليست هي بصلاة قيام، على الإطلاق.. وإنما هي ((بدعة)) ابتدعها أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، على أثر ما جرى من النبي للناس، في ليلتين أوقفها بعدهما.. وقال، لمن كان ينتظر خروجه إليهم، من الأصحاب، لأدائها: خشيت أن تكتب عليكم.. وأما عمر فإنه قد وجد، على عهده، الناس يصلونها، في المسجد، فُرادى.. ووجد بعضهم يشوش على بعض، باختلاط قراءاتهم.. فقال: ((لو جمعناهم على إمام)).. فجمعهم.. ثم اطلع عليهم، ذات ليلة، وهم يصلونها خلف إمامهم، فقال: ((إنها لبدعة، ونعمت البدعة، والذي ينامون عنه أفضل من الذي يقومونه)).. يعني الوقت، من الليل، الذي ينامون عنه، وهو الثلث الأخير، أفضل من الوقت الذي يقومونه منه، وهو أوله.. وقد ظلت بدعة ((التراويح)) تمارس إلى يومنا الحاضر.. وقد أنى لها أن تقف.. ذلك بأن حكم الوقت اليوم يقضي بإيقاف كل البدع الحسنة.. فإنه وقت التزام ((السنة))، لا وكس، ولا شطط.. فلم تغادر ((السنة)) صغيرة، ولا كبيرة، نحتاجها في أمر معاشنا، وأمر معادنا، إلا وجهت فيه توجيهاً سديداً.. وأن حكم الوقت الحاضر ليقضي ببعث السنة التي عجز عن اتباعها الأصحاب.. لا تصل ((التراويح)).. ولا تنم الثلث من الليل.. ولا تزد، في صلاة الليل، عن الثلاث عشرة، لا في رمضان، ولا في غير رمضان.. وإن فاتتك، لنوم غلب عليك، فاقضها في الضحى، وصلها شفعية.. اثنين، أو أربعاً، أو ستاً، إلى اثنتي عشرة.. تأتي من ذلك ما تطيق.. واقضها بنية توكيدها إلى النفس، كعقوبة لها على فوات الثلث.. فإن ذلك الصنيع يورث النفس من الندم على فواته ما يوقظ فيها رقيباً عليها، ينهضها من الليل..