في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

تعلموا كيف تصلون

حضرة السلام


وأما حضرة ((السلام)) فهي تبدأ، كما ذكرنا، بخروجك من حضرة ((الإحرام))، وذلك بقولك: ((السلام عليكم))، وتنتهي بدخولك في حضرة ((الإحرام))، من جديد، من صلاتك المقبلة، وذلك بقولك ((الله أكبر)).. فحضرة السلام هي الصلاة بين الصلاتين.. وهي الصلاة الوسطى.. وهي، هي المعنية بقوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى.. وقوموا لله قانتين..)).. هي الصلاة الوسطى.. معلوم أنه وارد أن هناك حديثاً مأثوراً عن النبي قاله يوم الأحزاب يبين به أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، والحديث يرويه الإمام علي بن أبي طالب، ومتنه: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ـــ صلاة العصر ــــ ملأ الله بيوتهم، وقبورهم، ناراً))، ولكنه معلوم أيضاً أن النبي قد قال: ((الدين المعاملة))، وقال: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).. فإنه جعل الدين كله ((المعاملة)) حين قال في حديثه الأول: ((الدين المعاملة)).. وفي حديثه الثاني كأنه قد قال: ((لم أبعث إلا لأتمم مكارم الأخلاق)).. ومن هذين الحديثين يعطينا حكم الوقت الحق في أن نفهم، بل أنه ليوجب علينا أن نفهم، أن ((الصلاة)) الوسطى، التي أفردها الله بالعناية الخاصة، حين قال: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى))، هذه ((الصلاة)) إنما هي الصلاة بين الصلاتين، كما قلنا، وهي تعني ((المعاملة)).. هذا هو الفهم الذي يليق بعصرنا.. والقاعدة في حسن ((المعاملة)) هي أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.. فإنه كما تدين تدان.. ووارد قول المعصوم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).. ووارد: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده)).. ويستقيم مع عصرنا ـــ مع حكم الوقت ـــ أن نفهم أن كلمة ((المسلمون)) الواردة في الحديث بمعنى الإسلام العام وهي، من هنا، إنما تعني الأحياء، والأشياء.. المسلم من سلمت الأحياء، والأشياء، من لسانه ويده.. والأدب، في حضرة ((السلام))، كما هو في حضرة ((الإحرام))، جماعه الحضور مع الله.. فهو يقع بين ((المراقبة)) و((المحاسبة)).. فبالمراقبة استدراك الأمر قبل أن يفلت.. تراقب جوارحك، وحواسك، وتدفع شرك عن الناس.. ثم، إن أنت زدت عن هذه، فتحتمل أذى الناس.. ثم، إن أنت زدت عن هذه، فتوصل الخير إلى الناس.. فإن أدنى مراتب ((الصلاة الوسطى)) إنما هو كف الأذى، واحتمال الأذى.. فإن أنت أعيتك المراقبة، وأفلت منك الزمام، وتورطت في الهلكة، فإنك بالمحاسبة ترقع ما وهن من سيرتك بين الناس.. والمحاسبة تجري أثناء الوضوء، كما بينا، في هذا الباب.. وبالكيفية التي بينا.. وتجري في جميع أوقاتك، وبخاصة عقيب تورطك في الخطأ.. ثم إنها في السحر، تكون في أحسن حالاتها.. ذلك لأن الوقت يكون صافياً، ولأن النفس تكون نشطة، ومقبلة على فعل الخير، ولأن الاستجابة في ذلك الوقت من الليل قريبة.. وهذا ما تحدثنا عنه في الباب الأول، عند الحديث عن فائدة الاستغفار..
إنك حين تعيش بين حضرتي الصلاة ـ حضرة ((الإحرام)) وحضرة ((السلام)) - تكون حياتك كلها صلاة.. وهذا هو المراد منك.. فإن الله، تبارك وتعالى، قد قال: ((وما خلقت الجن، والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق، وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق، ذو القوة المتين..)).. ((ما أريد منهم من رزق))، يعني لأنفسهم، ولا لغيرهم.. قوله: ((وما أريد أن يطعمون)) يعني أنفسهم، ولا غيرهم.. ثم قال: ((إن الله هو الرزاق، ذو القوة المتين)) فكأن سبب الرزق يمكن أن يكون تجويد العبادة، إذا استطعنا أن نجود العبادة إلى هذا المستوى الرفيع.. ذلك بأن المعصوم قد قال: ((لو توكلتم على الله، حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده.. وما علم ذلك أحد!! قالوا: ولا أنت؟؟ قال: ولا أنا!! قالوا: ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيء!! قال: إن الله أجلُ، وأخطرُ، من أن يحيط بما عنده أحد!!)).. وفي موضع آخر، عن الرزق، قال: ((لو توكلتم على الله، حق توكله، لرزقكم، كما يرزق الطير.. تغدو خماصاً، وتروح بطاناً..)).. ودونكم القرآن!! مرة أخرى.. فإنه قد قال: ((وأمر أهلك بالصلاة، وأصطبر عليها، لا نسألك رزقاً.. نحن نرزقك.. والعاقبة للتقوى..)).. ولقد قال العارفون في آية ((وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون)).. إذا كانت الغاية من وجودنا هي أن نعبد الله فهل تتحقق هذه الغاية بصلاتنا خمس صلوات، في اليوم، والليلة، لا تأخذ منا، في مجموعها، أكثر من ثلث الساعة، من الأربع والعشرين ساعة؟؟ وهل تتحقق بصيامنا شهراً من اثني عشر شهراً؟؟ وهل تتحقق بأن نزكي بالعشر، أو نصف العشر، أو ربع العشر، من مالنا، نخرجه بعد أن نملك النصاب، وبعد أن يحول، على هذا النصاب، الحول؟؟ وهل تتحقق بأن نحج، مرة في العمر، لمن استطاع إلى الحج السبيل؟؟ قالوا: أما هذه هي الحد الأدنى.. هذه هي الأركان التي بني عليها الإسلام.. وهي ((الحد الأدنى)).. ما دونها إسلام.. من جحد واحداً منها خرج من الملة.. ومن تهاون في أداء أي منها كان من العاصين.. والمطلوب حقاً هو أن نقارب بين عباداتنا، وبين عادات حياتنا، حتى تفضي بنا عبادتنا إلى عبوديتنا.. والعبودية.. هي أن تكون كلك لله.. قال تعالى يأمر نبيه: ((قل: إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، لله، رب العالمين، لا شريك له.. وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين)) فإنك يجب أن تتجه إلى أن تجعل حياتك كلها عملاً متصلاً في سبيل الله، حتى يكون كل وقتك فكراً، وذكراً: ((قل إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، لله، رب العالمين، لا شريك له.. وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين)).. هكذا فكن.. وسبيلك إلى هذا أن تعيش بين حضرتي الصلاة ـ حضرة ((الإحرام)) وحضرة ((السلام)) -..
لقد قررنا أن حضرة الإحرام، عمدتها من كتاب الله، قوله تعالى: ((إليه يصعد الكلم الطيب.. والعمل الصالح يرفعه)).. وقلنا إن: ((الكلم الطيب))، إنما هو: ((لا إله إلا الله)).. و((العمل الصالح))، إنما هو الصلاة، ثم هو كل عمل صالح، في معاملة الناس.. ونحب أن نختم حديثنا لك هنا بأمر يعينك على نقل عبادتك لتشيع في كل حياتك..
هناك أربع صيغ للتوحيد: ((لا إله إلا الله)).. و((لا إله إلا أنت)).. و((لا إله إلا أنا)).. و((لا إله إلا هو)).. ولقد تحدثنا عن كل هذه، في مقدمة الطبعة الثانية، من كتابنا: ((لا إله إلا الله)) في صفحة عشرين.. وتهمنا هنا الصيغة الثانية، وهي ((لا إله إلا أنت)).. وهي مأخوذة من قول الله تعالى، عن لسان يونس بن متى: ((وذا النون، إذ ذهب مغاضباً، فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت، سبحانك!! إني كنت من الظالمين)) ولقد قلنا عنها، في ذلك الكتاب، من صفحة 21: (وأما ((لا إله إلا أنت)) فهي صيغة خاصة، ومجرد لفظها يشعر قائلها بأنه أمام مخاطب حاضر.. وهذا يوجب عليه ذكرها بحضور، وإقبال.. ولقد قيلت في حالة خلوة ليس فيها سعة للغفلة.. وهي، إذا قيلت في حالة ضيق تشبه حالة صاحبها حين قالها، أو قيلت في حالة معرفة بالله توجب الحضور معه، وتحارب الغفلة عنه، فإنها اسم الله ((الأعظم)).. وتحقيق العبودية بها أقرب من تحقيقها بأي من الصيغ الأربع التي وردت الإشارة إليها..).. ونحب أن نقرر هنا أن: ((لا إله إلا الله)) هي ((الكلم الطيب)) لحضرة ((الإحرام))، من حضرتي الصلاة، هي أولى، بها وبغيرها، لأنها أعم.. وأن ((لا إله إلا أنت)) هي ((الكلم الطيب)) لحضرة ((السلام))، من حضرتي الصلاة، هي أولى بها، لأنها أخص.. وخصوصيتها تناسب خصوصية حضرة ((السلام)) تلك التي قلنا إنها هي الصلاة الوسطى، والتي خصصها الله بذكر زائد، وذلك حين قال، جل من قائل: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى)).. وحضرة ((السلام)) هي حضرة ((المعاملة)) ـــ معاملتك لربك، ومعاملتك لنفسك، ومعاملتك لأخيك ـــ وما هي إلا نفسك.. لقد ذكرنا أن الإمام علياً قد قال: (أنا منذ حين ما أحسنت لأحد قط، ولا أسأت لأحد قط).. فلما رأى الاستغراب على وجوه السامعين، قال: (ما أحسنت إلا لنفسي، ولا أسأت إلا لها!! دونكم القرآن!! ((من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها.. وما ربك بظلامٍ للعبيد)).. أو قال: ((إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها)).. فأما أنت فأعلم أنها إنما هي نفسك.. فأنت أناني، ومغرض.. وكمالك إنما هو في أن تكون أنانياً، ومغرضاً.. فإننا لا نعمل لغير غرض.. نحن لا نعبد الله إلا لغرض.. ومن ظن غير ذلك فهو جاهل.. إن غرضنا من عبادة الله هو سعادتنا، ومن أجل ذلك خلقنا الله.. وهو حين قال، تبارك وتعالى: ((وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون)) إنما عنى ذلك.. فإنه هو تبارك، وتعالى، الغني الحميد.. هو غني عن العبادة، والعباد، ولكننا نحن المحتاجون.. وقوله، إذن، إنما يعني: وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليسعدوا علي بمعرفتهم إياي، وذلك بوسيلة العبادة..
إنما هي نفسك، إذن، ولقد قلنا: إنك ((أناني))، و((مغرض))، وقلنا إن كمالك في أن تكون ((أنانياً))، و((مغرضاً)).. ولكن يجب أن يكون واضحاً فإن الأنانية المحمودة إنما هي الأنانية ((العليا))، لا الأنانية ((السفلى)).. وأن الغرض المحمود لهو ((الغرض)) الذي يكون في ((جنب)) ((الله)).. لا في (جانب) (الدنيا).. وأنانيتك، إذن، تقع في مستويين: مستوى الأنانية ((السفلى)) ـــ ال ((أنا)).. ومستوى الأنانية ((العليا)) ــــ ال ((أنت)).. وأنت إنما يجب عليك أن تسير إلى أنانيتك العليا بمعارضة، ومجاهدة، دواعي أنانيتك السفلى.. وإنما عن هذه الأنانية السفلى جاء قول المعصوم: ((إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك)).. فالأنانية السفلى عند الشيطان، والأنانية العليا عند الرحمن.. والسير إنما هو انتقال من معسكر الشيطان، إلى معسكر الرحمن.. هذا هو معنى قولهم: ((سيرك منك، وصولك إليك))..
ولما كانت الأنانية العليا هي ال ((أنت)) فقد أصبحت صيغة ((لا إله إلا أنت، سبحانك!! إني كنت من الظالمين)).. هي ألزم الصيغ لحضرة الصلاة الوسطى ـ لحضرة المعاملة ـ و((أنت)) هنا إنما تعني الله، وتعنيك أنت، وتعني ((صاحبك الآخر)).. وصاحبك الآخر هذا يشمل جميع الأحياء، والأشياء، ابتداءً من زوجتك.. ففي العبادة: ((لا إله إلا أنت)) تعني نفي الشريك، ومخاطبة الله كفاحاً بالإقرار له بالتفرد بالربوبية، وأولى هؤلاء الشركاء بالنفي هو نفسك ـ أخلص العبادة لله.. وأخرج حظ نفسك منها تكن عبداً عابداً.. ومن أجل ذلك فإن صيغة ((لا إله إلا أنت، سبحانك!! إني كنت من الظالمين)) تحقق العبودية بأسرع مما تحققها أي صيغة من الصيغ الأربع، التي أسلفنا إليها الإشارة..
وفي السلوك: ((لا إله إلا أنت)) تعني نفي الأنانية السفلى.. والتشمير، والجد، في السير نحو الأنانية العليا.. فإنه، كما قلنا، فإن ((أنت)) في السلوك تعني ((نفسك العليا))، وهذا يعني نفي الهوى من العمل، وهو ما عناه المعصوم حين قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)).. وإنما هذا مأخوذ من إخلاص العبادة لله المطلوب في قوله تعالى: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق.. فاعبد الله مخلصاً له الدين * ألا لله الدين الخالص.. والذين اتخذوا من دونه أولياء: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.. إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون.. إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)).. ((ألا لله الدين الخالص)).. ((الخالص)) من شوائب أغراض النفس السفلى.. وأنت لا تستطيع أن تتخلص من شوائب أغراض النفس السفلى إلا بإتقان الصلاة في حضرتي ((الإحرام))، و((السلام)).. وقد تحدثنا عن حضرة ((الإحرام))، ونحن هنا في حضرة ((السلام)).. ففي المعاملة: ((لا إله إلا أنت)) تعني العمل من أجل الآخرين.. فإن ((أنت)) هنا تعني: ((صاحبك الآخر))، ابتداءً من زوجتك وانتهاءً بأبسط الأحياء، والأشياء، في بيئتك.. فليكن شعارك ((العمل للغير)) قل: ((أنت)) دائماً، ولا تقل ((أنا))، أبداً.. ((أنت)) دائماً.. ولا تنس: أن أقرب طريق إلى ال ((أنت)) التي هي ((نفسك العليا)) إنما هو العمل لإسعاد ال ((أنت)) التي هي: ((صاحبك الآخر..)).. إن أقرب السبل لإسعاد نفسك هو السبيل الذي يتجه إلى إسعاد غيرك.. فإن أنت اتخذت الطريق ((المباشر)) للبحث عن سعادة نفسك، فإنك من غير أدنى ريب، تصل إلى التعاسة، وبسرعة.. فأنت، إذا كنت زوجاً، فإن طريقك إلى السعادة الزوجية لا يتجه ((مباشرةً)) إلى إسعاد نفسك، وإنما، يتجه إلى إسعاد زوجتك.. وما يقال عن الزوج هنا، يقال عن الزوجة، بل ويقال عن كل إنسان: فإن الطريق إلى سعادة نفسك يقع في اتجاه إسعادك الآخرين.. فلتكن صيغة توحيدك ((الله)) التي تفكر فيها، دائماً، هي: ((لا إله إلا أنت)).. في مضمار العبادة، وفي مضمار السلوك، وفي مضمار المعاملة، على أن يكون فهمك، في كل أولئك، على نحو مما ذكرنا آنفاً.. فإنك إن تفعل تعش، دائماً، بين حضرتي الصلاة، وتكن، إذن، في ((صلاة دائمة)).. وهذا هو المراد منك..