((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




هذا هو الصادق المهدي!!

حديثنا عن الصادق بمجلة الحوادث

حديثنا عن الصادق بمجلة الحوادث


نحن نثبت هنا، نص ما قلناه عن الصادق، بمجلة (الحوادث) وهو القول الذي ذكرنا أنه السبب المباشر في رد الفعل عند الصادق ليقول ما قاله عنُا في جريدة (الشرق الأوسط).. وعند قراءة نص حديثنا سيتضح أنه كان حديثا موضوعيا، ولكن، رغم ذلك، إنزعج له الصادق، وأكثر ما أزعجه فيه أنه نشر في مجلة توزع عالميا..
ونحن بعد إيراد حديثنا عن الصادق، سنورد نص ما قاله هو عنُا، كاملا، حتى نتيح للقاريء الكريم فرصة الإطلاع عليه كما هو، وحتى تكون مناقشتنا له مناقشة موضوعية تقوم على نص حديثه..
لقد كان حديثنا للحوادث عبارة عن مقابلة صحفية، أجراها الصحفي نشأت التغلبي، مع ثلاثة من السودانيين، من بينهم الأخ الجمهوري عوض الكريم موسى، وقد جاء في حديث عوض الكريم عن الصادق ما يلي:
(أحب أن أذكر هنا، أن الذين يعارضون من الخارج، يرتكبون أخطاء فادحة. لنأخذ مثلا النقد الذي نشره الصادق المهدي في لندن في 28/1 وقال فيه أن برنامج الإنعاش الإقتصادي خاطيء إقتصاديا، ومدمر إجتماعيا.. هذا النقد في إعتقادي غير علمي لأننا لو نظرنا إلى برنامج الإنعاش الإقتصادي كان من حقنا أن نتسآل: هل صحيح أنه خاطيء؟ هل هو مدمر إجتماعيا؟ لقد إستهدف البرنامج تغيير السياسات المالية والسياسات الإقتصادية، وأستهدف أيضا سد العجز في ميزان المدفوعات الخارجية وفي الميزانية العامة الداخلية.. فهل يمكن لمثل هذه الأهداف أن تكون خاطئة إقتصاديا؟ مثلا: سد العجز في الميزان الخارجي يعني إيجاد توازن بين الصادرات والواردات، أي الحد من الإستيراد فهل هذا خطأ، أم أنها إجراءآت علمية صحيحة من الناحية الإقتصادية؟ وضع ضريبة على السلع الكمالية.. تخفيض أو إلغاء الرسوم على الصادرات... هل هذا خطأ؟ رفع الدعم عن السكر يستهدف دعم الإنتاج لا دعم الإستهلاك، هل هذا خطأ؟ طبعا موازنة الميزان الخارجي يوفر واردات جديدة مقابل بعض التقشف في الإنفاق. هل هو خطأ؟ هل هذه السياسة مدمرة إجتماعيا أم أنها تضع الشعب أمام مشاكله الحقيقية وأمام مسئولياته؟ لو كان النقد موضوعيا لقال إن هناك إيجابيات كثيرة، تقابلها سلبيات تتوجب مواجهتها. وبرنامج الإنعاش الإقتصادي لم يأت من فراغ. كان مقررا تأمين الإكتفاء الذاتي من السكر في سنة 1972، كان الإكتفاء الذاتي لا يتجاوز 250 ألف طن. إنتاجنا يومها كان 300 ألف طن، وكان يمكن بسهولة تحقيق الإكتفاء، لكن الإستهلاك تضاعف، والإنتاج بقي على حاله! الحكومة محتاجة لأن تنفق مليون دولار كل يوم على النفط ومليونا آخر على السكر ومليونا ثالثا على الدقيق. كيف كان العهد الحزبي لو إستمر، سيعالج هذه القضية؟ الكلام سهل، برنامج الإنعاش الإقتصادي يرمي إلى زيادة إنتاج السكر إلى أكثر من 350 ألف طن هذا العام.
من آثار تطبيق البرنامج المباشرة إرتفاع قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار عشرين قرشا، كذلك المصرف الدولي وبعض الدول العربية في مؤتمر باريس أخيرا قررت دعم إتجاه السودان الجاد في معالجة إقتصاده. فلماذا قررت المؤسسات الدولية دعم الإقتصاد السوداني؟ لأن السودان قرر دعم إنتاجه.. أما في مجال السلبيات فإن برنامج الإنعاش الإقتصادي لم يوضح للمواطنين بشكل كاف، ليستطيع المواطن تحمل مسئولياته. مثلا لا يوجد كثيرون يعرفون أن شبكة الطرق البرية في السودان زادت بنحو 3000 كيلومتر. هل يستطيع بلد يواجه الإنهيار الإقتصادي التوسع في الطرق بهذا الشكل؟ أكثر من هذا.. عندما كان الصادق المهدي رئيسا للحكومة إضطر السودان إلى شراء الذرة من أمريكا! الآن نحن نصدر الذرة. المرحوم الشريف الهندي كان وزير المالية عندما قامت ثورة مايو وأكتشفت أن الخزينة خالية خاوية! صحيح أننا نواجه خللا كبيرا في ميزان المدفوعات.. وفي الماضي كان الخلل موجودا.. لكن الخلل اليوم غير ناجم عن سوء التصرف، وإنما عن التوسع في التنمية. القروض لا تستخدم للإستهلاك بل للتنمية. في الماضي كان كل شيء للإستهلاك ولم ينفذ أي مشروع من مشروعات التنمية. ربما في عهد حكومة عبود نفذ شيء من التنمية إنما في نطاق محدود جدا. كان في وسع الصادق المهدي أن يقول إن تنفيذ المشروعات صاحبته أخطاء كثيرة. وقد حصل فعلا بعض الأخطاء. لكن الأخطاء تعالج ولا تعني التدمير الإجتماعي، وقد تشكلت اللجنة الشعبية لمعالجة الأخطاء ومواجهتها. وكان خطأ الإعلام والتنظيم أنهما لم يوعيا الجماهير بحقائق الإنعاش الإقتصادي. لقد عقدت ندوات عديدة حول هذا الموضوع، لكن الذين جاءوا إلى الندوات كانوا يتكلمون لغة المتخصصين، لم يحاول أحد منهم تبسيط الأمور ليفهمها المواطنون العاديون. لم ينزل أحد إلى الشارع.
الصادق المهدي تحدث عن الحوار وعن ضرورة التغيير السياسي، فهل يفعل النظام غير الحوار والتغيير السلمي؟ طرح المصالحة الوطنية لتأمين الحوار الإيجابي البناء؟ وحتى بعدما فتحت المعارضة النار، عهد إلى اللجنة الشعبية بتأمين الحوار الحر لإيجاد العلاج الناجع. المعارضة الخارجية لا تسعي عمليا إلى الحوار الموضوعي.. بل تريد الوصول إلى التآمر الداخلي وهو ما لن يحدث. ولو كانت القيادات الحزبية القديمة قائمة على مذاهب فكرية وتطرح نفسها للشعب على أساس برنامج محدد، لكانت دعوتها إلى الحوار منطقية ومقبولة، لكنها للأسف تعتمد على إستراتيجيات دولية أو على قواعد طائفية. مثلا الصادق المهدي والمرحوم الشريف الهندي يعتمدان على قواعد طائفية لا على البرنامج السياسي المحدد أو البرنامج الفكري أو العقيدي. من هنا كان رهان المعارضة على سقوط النظام نتيجة للإضطرابات الأخيرة، رهانا خاطئا، ولذلك لم تستطع ركوب موجة تلك الإضطرابات.
الصادق المهدي كان قد جاء مصالحا النظام وأقسم كعضو في المكتب السياسي للإتحاد الإشتراكي على المحافظة على النظام الثوري الإشتراكي، لكنه يبدو أنه إعتبر المصالحة الوطنية عبارة عن تسليم وتسلم للسلطة فكان أن حنث بقسمه.. ولعل السبب في ذلك أن المعارضة التي تعمل من الخارج تفتقر إلى النضج السياسي بين قياداتها. نحن الجمهوريين كحركة دينية تتعامل مع المتغيرات العصرية تؤيد النظام وفي الوقت نفسه تنتقده فتأييدنا موضوعي. ومعارضتنا موضوعية أيضا. والنظام لم يحجر حريتنا في العمل وإبداء الرأي. أما المعارضة الخارجية فلا تطرح فكرا بقدر ما تطرح تآمرا، مستغلة معاناة المواطنين) إنتهى..