((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




هذا هو الصادق المهدي!!

نحن والصادق والدعوات الثلاث

نحن والصادق والدعوات الثلاث


لقد رأينا من نص مقالة الصادق أنه يصنفنا مع القاديانية والبابية، والبهائية، وقد أطلق علينا عبارة الملل والنحل الجديدة، وزعم أننا تأثرنا بالفكر الأوربي، والحضارة الأوربية، بصورة أفرغت الإسلام تماما.. ونحن قد قلنا في المقدمة أن الصادق لا يعرف هذه الدعوات ولا يعرف الدعوة الجمهورية، ونحن هنا سنبين كل ذلك وسنرى من منا أقرب لهذه الدعوات، نحن أم الصادق؟! والآن سنقدم تعريفا موجزا للدعوات الثلاث..

أولا: الغاديانية


مؤسس الغاديانية هو الميرزا أحمد غلام الله الغادياني، المتوفي سنة 1908.. وخلاصة دعوته هي أنه أدعى أنه المسيح الموعود.. فقد قال في كتابه (تحفة الندوة) المطبوع بمطبعة إحياء الإسلام، بغاديان سنه 1902 ما نصه: (فكما ذكرت مرارا ان هذا الكلام الذي أتلوه هو كلام الله في طريق القطع واليقين كالقرآن والتوراة، وأنا نبي، وبروزي من أنبياء الله، وتجب على كل مسلم طاعتي في الأمور الدينية، ويجب على كل مسلم أن يؤمن بأني المسيح الموعود) صفحة 4. فالغادياني إذن يدعي صراحة أنه نبي، وأنه المسيح الموعود، وأنه يوحى إليه كلام من الله كالقرآن.. ونحن هنا نورد نموذجا لكلامه الذي زعم أنه وحي من الله فهو قد قال مثلا: (إذا قيل لكم آمنوا كما آمن الناس، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، إلا إنهم السفهاء ولكن يعلمون، ويحبون أن يدهنون، قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون).. من كتابه (براهين أحمدية) الجزء الرابع صفحة 509.. وأمر الغادياني كله يقوم على إلهامات يزعم أنه تتم له.. وقد قال في الكتاب (براهين أحمدية) الجزء الثالث صفحة 231 الطبعة الرابعة قال (الإلهام لا ينقطع).. وليس للغادياني محتوي موضوعي لدعوته، وإنما هي مسألة ذاتية، وهو فقط يطالب بالتصديق به (يجب على كل مسلم طاعتي) كما قال.. أو (يجب على كل مسلم أن يؤمن بأني المسيح الموعود)!! ويبدو أن الغادياني كان يعتقد أنه هو الحجة على دعوته، ومن هذا المنطلق قال: (لا نحتاج إلى السيف ولا إلى حزب المحاربين).. كتاب (دافع الوسواس).
والغادياني يستدل بحالة النقص على الكمال، فمن أدلته على أنه المسيح الموعود، أنه يعاني من مرضين.. فقد ورد على من إحتج عليه بأن أحاديث المسيح تشير إلى نزوله في رداءين أصفرين، فقال: (المراد بالرداء الأصفر العلة، وقد جاء في الحديث أن المسيح ينزل وعليه رداءان أصفران، وهذا أتاني، فإنني أعاني علتين.. في مقدم جسمي وهو الدوار الشديد الذي قد أخر به على الأرض.. والعلة الثانية وهي، كثرة البول التي تسمي الديابطي- مرض السكر-) من كتابه (براهين أحمدية) صفحة 210

ثانيا: البابية


هنالك صلة وثيقة بين الدعوة البابية، والدعوة البهائية، فكلاهما له إرتباط بالفكر الشيعي، والبهائية هي إمتداد للبابية، فالباب، قد بشر بالبهاء.. وكل من البابية والبهائية عبارة عن دين جديد، له نبيه، وله كتابه المقدس، الموحى من الله.. وللبابية والبهائية تشريع مشترك.
فمؤسس البابية هو الميرزا على محمد الشيرازي المولود بشيراز سنة 1235 هــ.. وعبارة الباب أصلا إصطلاح شيعي.. وكتاب البابية المقدس، يسمي (البيان).. وقد ورد عن مؤسس البابية، أنه قد إشتغل في صباه بعلم روحانيات الكواكب، وبالمجاهدات الروحية العنيفة.. راجع كتاب (تاريخ الشيعة) لحسين على محفوظ.. وقيل إنه درس في كربلاء على السيد كاظم الرشتي (إمام جماعة الكشفية)، وهو تلميذ الشيخ الإحسائي (إمام جماعة الشيخية) وقد ظهرت الشيخية في القرن الثاني عشر الهجري، وكان صاحبها من جماعة الشيعة الأثني عشرية، ولكنه خالف أصول مذهبهم في موضوع ظهور المهدي.. فهو يري أن المهدي يظهر بالولادة، ولا يظهر من غيبة كما يري الإثنا عشرية.
ومن هنا يتضح أن البابية ترجع إلى الشيعة الأثني عشرية، عن طريق الشيخية.. والبابية يعتقدون أنه بظهور الباب (قد أشرقت من الباب على العالم الرغبة المعصومة للإمام المستور الذي يعد المصدر الأعظم لكل حقيقة وهداية) من كتاب (نظرية الإمامة) للدكتور أحمد محمود صبحي.. وقد تدرج الباب في دعوته فهو في البداية أدعى أنه (الباب) أو الوكيل عن الإمام الغائب الذي مرت على غيبته حوالي ألف سنة.. ثم إنتهى الباب بأن أدعى أنه هو المهدي الموعود.. فقد قال في خطابه للشيعة الإمامية (إني أنا الموعود، فأنا الذي دعوتموه مدة ألف سنة، وتقومون عند سماع إسمه، وكنتم تشتاقون للقائه عند مجيئه، وتدعون الله بتعجيل ظهوره، والحق أقول لكم أن طاعتي واجبة على أهل الشرق والغرب، ولقد آتاني الله هذا البرهان ففي ظرف يومين وليليتين أقرر أني أقدر أن أظهر آيات توازي في الحجم جميع القرآن).. كتاب (مطالع الأنوار) للمؤرخ البابي نييل صفحة 249، المطبوع بالإسكندرية سنة 1940 م. ونحن هنا نقدم نموذجا من كتاب (البيان) الذي يزعم الباب أنه من عند الله.. ففي اللوح الأول من آيات الوحي- شئون الحمراء، جاء: (بإسم الله الأبهى، الأبهى.. اللهم إنك أنت بهيان البهائيين، لتؤتين البهاء من تشاء، ولتنزعن البهاء عمن تشاء، ولترفعن من تشاء ولتنزلن من تشاء.. في معيتك ملكوت كل شيء.. تخلق من تشاء بأمرك.. إنك كنت بهاء باهيا بهيا.. هذا كتاب من عند الله المهيمن القيوم إلى من يظهره الله، إنه لا إله إلا أنا العزيز الحبوب، أن أشهد أنه لا إله إلا هو وكل له عابدون) عن النص الكامل لكتاب (البيان) كما أورده عبد الرازق الحسني في كتابه (البابيون والبهائيون)..
والبابية والبهائية كما ذكرنا تشتركان في الشريعة، وهي شريعة يدعي الباب انها متطورة على الشريعة الإسلامية، ونحن سنتعرض لهذه الشريعة المشتركة عند حديثنا عن البهائية.. والباب هو الآخر، ليس له برهان موضوعي على دعوته، وإنما فقط يطالب بالتصديق بأنها من عند الله.

ثالثا: البهائية


البهائية كما قلنا هي إمتداد للبابية، فقد بشر الباب بالبهاء، فقال: (ان الذي يجب ان يظهر في يوم من الأيام لهو أعظم من ذلك الذي سبق ظهوره).. وقد جاء في كتاب (الرحيق) وهو مرجع بهائي ما نصه: (أمر الله الصريح في البيان – الفارسي - أن حضرة الأعلى قد طوى في بيانه هذا بساط النيابة والوصاية من بعده، وبشر الجميع بظهور من يظهره الله، كما جاء في الباب الرابع عشر من اللوح السادس.. وبما انه ليس في هذا الكون وجود للنبي فسيعرف الأصحاب بالمؤمنين فقط) المجلد الأول صفحة 446.. ومن هنا يتضح أن الباب قد بشر بالبهاء والذي يعتقد البهائيون أنه أعظم من الباب نفسه.
ومؤسس الدعوة البهائية هو: الميرزا حسين على (البهاء).. المولود عام 1223 هـ والمتوفي عام 1309 هـ وكتاب البهائية الذي يزعمون أنه موحى من عند الله يسمي (الأقدس).. ويعتبر البهائيون أن الباب هو الغائب، والبهاء هو القيوم.. وأن البهاء هو المظهر الكامل الذي بشر به الباب، ففي كتابه (البيان) جاء قوله: (يا ملأ البيان تالله هذا لهو القيوم قد جاءكم سلطان مبين- وهذا لهو الأعظم الذي سجد لوجهه كل أعظم وعظيم) من كتاب (مفتاح باب الأبواب) للدكتور ميرزا مهدي خان صفحة 171.. ولقب البهاء أصلا مأخوذ من دعاء الشيعة في السحر، في الليالي الأخيرة من رمضان، ذلك الدعاء الذي يقول: (اللهم إني أسألك من بهائك بهاء وكل بهائك بهي.. اللهم إني أسألك ببهائك كله) المرجع السابق صفحة 50.. وهذا يوضح أثر الشيعة (الإثنا عشرية) على البهائية.. وكنموذج لما قاله البهاء في كتابه (الأقدس) نورد قوله: (قل ال يري في هيكلي إلا هيكل الله، ولا في جمالي إلا جماله، ولا في كيوننتي إلا كينونته، ولا في ذاتي إلا ذاته) سورة الهيكل - عن كتاب (البابيون والبهائيون) لعبد الرازق الحسني.. وقد أثر عن البهاء، كما أثر عن الباب، ميله في بداية أمره إلى الرياضات الروحية العنيفة.
والصلوات عند البهائية تسع ركعات عند الزوال، والبكور، والإقيال.. وقبلتهم هي شطر مقام البهاء في (عكة).. وهم لا يصلون صلاة جماعة إلا على الميت.. والحج عندهم هو لمقام البهاء بعكة، أو لمقام الباب.. والصوم عندهم تسعة عشر يوما، كما جعلوا عدد الشهور تسعة عشر، كل شهر نسعة عشر يوما.. راجع كتاب البابيون والبهائيون لعبد الرازق الحسني.
ويعتبر البهائيون أن كتاب (الأقدس) قد نسخ كتاب البيان.. وهم يعتبرون أن دينهم هو الدين الذي يجب أن يتمسك به الناس، فقد جاء في كتاب (الأقدس): (قل هذا روح الكتب قد نفخ به في القلم الأعلي) المرجع السابق.
وفي شريعة الزواج عند البهائيين لا يباح زواج أكثر من زوجتين، فقد جاء في (الأقدس): (وقد كتب عليكم النكاح وإياكم إن تجاوزوا إثنتين، والذي إقتنع بواحدة من الإماء إستراحت نفسه ونفسها).. وعقوبة السرقة عند البهائيين هي النفي أو الحبس، بدل الحد في الإسلام وهو قطع يد السارق.. وعقوبة الزنا عندهم هي الغرامة، بدل الحد في الإسلام وهو الرجم أو الجلد.. وقد جاء عن ذلك في الأقدس قوله عن السارق: (كتبنا على السارق النفي أو الحبس).. وجاء عن الزاني: (قد حكم الله لكل زان وزانية دية مسلمة إلى بيت العدل) من كتاب (البابيون والبهائيون) لعبد الرازق حسني.

الصادق المهدي لا يعرف الدعوات الثلاث


مما قدمناه من تعريف بهذه الدعوات يتضح جليا أن الصادق لا يعرفها، فهو قد قال عنها في مقاله: (ولكن إلى جانب هذه الدعوات والتيارات قامت في عالمنا الإسلامي حركات دينية، تأثرت بالفكر الأوربي والحضارة الأوربية الوافدة تأثرا حملها على إفراغ الإسلام تماما، والدعوة لملل ونحل جديدة مثل الغاديانية والبهائية ودعوة الأخوان الجمهوريين) هذا ما قاله الصادق، وهو يدل دلالة كبيرة على جهل فاضح بهذه الدعوات، وبالفكر الأوربي نفسه.. فهذه الدعوات دعوات دينية يزعم أصحابها أنهم أنبياء يوحى إليهم، فطبيعة هذه الدعوات طبيعة روحية.. هذا في حين أن الفكر الأوربي، والحضارة الأوربية، يقومان على الأساس العلماني وهو يناقض الأساس الديني الروحي إذ إن منطلقاته أساسا منطلقات مادية موضوعية فهو يتعامل مع الوجود المحسوس ويقوم على التفكير المجرد لا على الوحي والإلهامات كما هو إدعاء الدعوات الثلاث.. فالفكر الغربي لا علاقة له بالغيب، والدعوات الثلاث تقوم أساسا على إعتبار الغيب.. والفكر الغربي يقوم على ما يسمونه بالإسلوب العلمي، وهو يتجه إلى مخاطبة العقول بالإدلة الموضوعية، في حين أن الدعوات الثلاث تقوم على العقيدة وتطالب بالتصديق والإيمان.. ولذلك يتضح أن الأمر على عكس ما قال الصادق، من أن هذه الدعوات تأثرت بالفكر الأوربي والحضارة الأوربية.. فالفكر الأوربي مثلا في الحقل الإنساني، يتحدث عن الديمقراطية والإشتراكية، والمساواة الإجتماعية، ولم تتحدث، ولم تتبن، أي من هذه الدعوات حديثا في هذا الباب تتقدم به للبشرية، في مبلغ ما نعلم عنها، وهي، على كل حال، لم يجيء إفراغها للإسلام من هذا الباب.. وسنرى فيما يلي لماذا هي قد أفرغت الإسلام من محتواه..