((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




هذا هو الصادق المهدي!!

الصادق لا يعرف الدعوة الجمهورية

الصادق لا يعرف الدعوة الجمهورية


والصادق لا يعرف الدعوة الجمهورية، وهو مغرض، وغير أمين في تناوله لها، فهو قد صنفها مع الدعوات الثلاث، وسماها ملة ونحلة جديدة، وهو قد زعم أنها تأثرت بالحضارة الغربية تأثرا أفرغ منها الإسلام تماما.. وحقيقة الأمر على العكس من ذلك تماما فالدعوة الجمهورية هي دعوة لبعث الإسلام، وهي الإسلام الذي لا إسلام غيره منذ اليوم، وهي الداعية لبعث السنة، وأفرادها يعيشون وفق نهج السنة، في تقليد النبي الكريم، في العبادة، والمعاملة.. ومن له أبسط إلمام بالدعوة الجمهورية يعلم أنها تدعو إلى (طريق محمد)، ولها كتاب بهذا الإسم توزعت منه عشرات الالآف من النسخ، وهو يجري الآن في طبعته الثانية عشرة، ومن لا يعرف هذه الحقيقة عن الفكرة الجمهورية هو لا يعرفها، ولا يحق له أن يتكلم عنها.. والفكرة الجمهورية لا علاقة لها بالدعوات الثلاث، وهذا أمر بديهي، ويمكن توضيحه بالنقاط التالية: -
1) الفكرة الجمهورية دعوة لبعث الإسلام، تقوم جميعها على القرآن، الذي تدعو دعوة واضحة إلى تطبيقه.. فقد جاء في ذلك قول الأستاذ محمود محمد طه، والذي نصه: (يا أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن.. وإقامة القرآن، كإقامة الصلاة، علم وعمل بمقتضي العلم.. وأول الأمر في الإقامتين، إتباع بإحسان، وبتجويد، لعمل المعصوم.. أقام الله القرآن، وأقام الصلاة، وهدى إلى ذلك البصائر والأبصار، إنه سميع مجيب).. فالدعوة الجمهورية هي دعوة لتطبيق القرآن ليكون أساسا لمدنية جديدة، تحل محل الحضارة الغربية المادية السائدة اليوم.. هذا في حين أن الدعوات الثلاث تدعي وحيا جديدا كما قد رأينا ولها كتبها التي تزعم أنها موحاة من الله، مثل كتاب (البيان) وكتاب (الأقدس).. وهذا وحده كاف في التدليل على ألا علاقة بين الدعوة الجمهورية وهذه الدعوات..
2) والدعوة الجمهورية تعلم أن النبوة قد ختمت بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. فقد جاء في كتاب الرسالة الثانية من الإسلام ما نصه: (أنه مما لا شك فيه أن النبوة قد ختمت بصريح نص لا مرية فيه "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين").. هذا في حين أن الدعوات الثلاث تزعم أن أصحابها أنبياء يوحى إليهم من الله!!
3) الفكرة الجمهورية هي دعوة لبعث السنة، التي بشر النبي الكريم في حديث الغرباء إن الإسلام سيبعث ببعثها.. وهي دعوة إلى طريق محمد.. وأفرادها يلتزمون نهجه صلي الله عليه وسلم في العبادة وفي المعاملة، ويدعون غيرهم إليه.. وقد جاء في كتابنا طريق محمد (أن دولة القرآن قد أقبلت، وقد تهيأت البشرية لها بالمقدرة عليها وبالحاجة إليها، فليس عنها مندوحة.. وهذا يلقي على عاتق المسلمين المعاصرين واجبا ثقيلا وهو واجب لن يحسنوا الإضطلاع به إلا إذا جعلوا محمدا، وحده أمامهم ووسيلتهم إلى الله).. إنتهى.. وجاء في كتاب (طريق محمد) أيضا، ما نصه: (إن محمدا هو الوسيلة إلى الله، وليس غيره وسيلة منذ اليوم - فمن كان يبتغي إلى الله الوسيلة التي توسله وتوصله اليه ولا تحجبه عنه أو تنقطع به دونه، فليترك كل عبادة هو عليها اليوم وليقلد محمدا في أسلوب عبادته وفيما يطيق من أسلوب عادته، تقليدا واعيا وليطمئن حين يفعل ذلك أنه أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية).. انتهى.. هذا في حين أن الدعوات الثلاث لها مناهج مختلفة في العبادات، وقد رأينا كيف أن البهائية عباداتها الخاصة بها والمغايرة لعبادة الإسلام.
4) والفكرة الجمهورية في التشريع الذي ينظم المجتمع، تدعو إلى تطبيق آيات الأصول، مستوى السنة.. وذلك بتطوير التشريع من الآيات الفرعية – الآيات المدنية، إلى الآيات الأصلية – الآيات المكية.. وهذا التطوير لا يقع إلا في مجال السياسة، الاقتصاد، والاجتماع.. فلا تطوير في تشريع العبادات، ولا في الحدود، ولا في القصاص.. وفي هذا الصدد جاء من كتابنا (الرسالة الثانية من الإسلام) ما نصه: (فإذا كانت البشرية، في مدى اربعة عشر قرنا قد قطعت ارضا شاسعة نحو النضج، واصبحت تستقبل عهد الرجولة، وتستدبر عهد الطفولة.. فأصبحت، بفضل الله، ثم بفضل هذا النضج، تطيق ماديا وفكريا، الاشتراكية والديمقراطية، فوجب أن تبشر بالإسلام على مستواها، وهذا يعني الارتفاع من قاعدة شريعة الرسالة الأولى الغليظة إلى قاعدة اقل غلظة، ترتفع هونا ما نحو القمة، وستظل القمة دائما في منطقة الفرديات.. وأدني منازل القاعدة الجديدة هي المدخل على الاشتراكية، وذلك بتحريم تمليك وسائل الإنتاج، على الفرد الواحد، او الأفراد القليلين في صورة شراكة.. فإن هذا يفتح ابواب التشريع على الاشتراكية..
وأدني منازل القاعدة الجديدة هي المدخل على الديمقراطية، وذلك بوجود حق الانتخاب لكل مواطن، ولكل مواطنة، بلغ وبلغت سنا، معينة مثلا، وكذلك حق الترشيح.. فإن هذا يفتح ابواب التشريع على الديمقراطية.. وهذا الصنيع هو ما يسمي بتطوير التشريع.. فهو ارتفاع من نص فرعي، يستلهم أكثر ما يمكن من التسامي نحو نص أصلي.. هو ارتفاع من نص إلى نص..).. وسيجيء المزيد من التفصيل فيما يتعلق بتطوير التشريع، فيما يقبل من صفحات الكتاب.. أما فيما يتعلق بكون تطوير التشريع لا يشمل العبادات، ولا الحدود، ولا القصاص، فقد جاء في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)، مواصلة للنص السابق ما يلي: (وهناك تشريع متداخل بين الرسالة الأولى والرسالة الثانية كتشريع العبادات، وهذا لا يدخل فيه، من التطوير الا ما يجعل قمته مفتوحة على منازل الشرائع الفردية، لكل فرد تسامي، بفضل الله، ثم بفضل إتقان التقليد، إلى تحقيق فرديته التي ينماز بها عن القطيع.). ويواصل النص: (والمدخل على الرسالة الثانية، الرسالة الأولى، الا ما يقع عليه التطوير من تشريعها.. ولا يقع التطوير في أمر العبادات الا على الزكاة ذات المقادير، وما ذاك الا لأنها ليست ركنا تعبديا الا لعلة ان الناس لم يكونوا يطيقون أفضل منها، والا فان الركن التعبدي انما هو زكاة المعصوم ولا يقع تطوير التشريع على المعاوضة، وما ذاك الا لأنه اصيل، وقد بني على الأصول الثوابت من الدين. وانما يقع التطوير في تشريع المعاملات، كالحقوق الأساسية للأفراد وكالنظم الاقتصادية والسياسية، إلى آخر ما يرتبط بتحولات المجتمع، وما يسرع اليه التغيير من هذه النظم التي يجب ان تواكب المجتمع في حيوية، واقتدار على التجدد، والنمو، والتطور..).. انتهى.. وعن ضرورة تطبيق الحدود والقصاص جاء في كتابنا: (أسس دستور السودان) ما نصه: (ان القرآن نسق تنسيقا متسقا بين حاجة الفرد الذي هو غايته وحاجة الجماعة التي هي وسيلته، فلم يقم تعارض يوجب التضحية بأيهما، ويمكن ان يلتمس هذا التنسيق الدقيق في تشريع الحدود، حيث قد بلغ اقصى اوجه، والله تعالى يقول: (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نسه)، وان توهم المعتدي جهلا انه قد ظلم غيره، ولذلك فان اقامة الحد عليه انصاف لنفسه من نفسه في المكان الأول، وانصاف لغيره من نفسه في المكان الثاني، وكذلك يلتمس هذا التنسيق الفريد في قوانين القصاص، والله تعالى يقول: (ولكم في القصاص حياة يا اولي الألباب لعلكم تتقون)، فهي حياة للفرد المقتص منه بنفي اوهامه، وتنشيط ذهنه، وتوسيع خياله، وهي حياة للجماعة المقتص لها، لحفظ نظامها واستتباب امنها، ونحن نرى لذلك ان قوانين الحدود: الزنا – الخمر – السرقة – القذف – قطع الطريق يجب ان تقام، ونرى ان تشريعنا يجب ان ينهض على مبدأ القصاص).. انتهى..
هكذا، ففي حين ان الفكرة الجمهورية، تدعو إلى تطوير التشريع الإسلامي، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، ليقوم على اصول القرآن – القرآن المكي، نجد ان الدعوات الثلاث، ليس لها محتوي محدد في هذه الجوانب، يمكن ان تقدمه للإنسانية المعاصرة.. وفي حين ان الفكرة الجمهورية تدعو إلى تطبيق الحدود والقصاص، وتطبيق تشريع العبادات، كما هي في الإسلام، نجد ان الدعوات الثلاث لها تشاريعها المختلفة في هذه المجالات عما جاء به الإسلام، فمثلا البهائية، كما قد رأينا، لها عقوبات على السرقة، والزنا، مخالفة للحدود في الإسلام.
5) الفكرة الجمهورية دعوة علمية موضوعية، تخاطب عقل الإنسان المعاصر، لتقنعه بجدوى ممارسة الدين، وهي تجيب على الأسئلة الأساسية، حول علاقة الإنسان بالكون، وعلاقة الفرد بالمجتمع.. هذا في حين ان الدعوات الثلاث، كما قد رأينا، تقوم على اعتبارات ذاتية، ولا تخاطب العقل وانما تطالب بالاعتقاد بما يدعيه اصحابها لأنفسهم.
وعن ضرورة مخاطبة العقل، واقناعه بجدوى ممارسة الدين، جاء بكتابنا (الإسلام)، ما نصه: (أصبح على الدين منذ اليوم، الا ينبني على الغموض، والا يفرض الإذعان، على نحو ما كان يفعل في عهود طفولة العقل البشري.. وانما يجب ان يقدم منهاجا متكاملا للحياة، يخاطب العقل، ويحترمه، ويحاول اقناعه بجدوى ممارسة ذلك المنهاج في الحياة اليومية، في كل مضطربها) ... انتهى...
اما عن علاقة الفرد بالجماعة، وعلاقته بالكون، فقد جاء الباب الثالث من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)، يفصل هذا الأمر تفصيلا وافيا، يمكن مراجعته في موضعه من الكتاب، فمثلا مما جاء عن علاقة الفرد بالكون في هذا الباب ما نصه: (وخلاصة الأمر في علاقة الفرد بالكون هي ان موضعه منه ليس موضع اللدد والخصومة، ولا موضع المناجزة والمصاولة التي لا تهدأ حتى تبدأ من جديد، في صعيد جديد.
ان الإنسان هو ثمرة الكون، وهو فيه ملك في مملكته، مكانه منها مكان السياسة الحكيمة، والإدارة القديرة، والعدل الموزون.. وقد تأذن رب الكون ان يجعل الإنسان خليفته عليه، فهو يعده لهذه الخلافة بالتربية والتعليم والإرشاد الحكيم. وقد خيل الجهل للإنسان انه مقصود بالعداوة، في غير رحمة ولا هوادة، فأصبح يحارب في غير محترب، ويعادي في غير موجب للعداوة، وهو لن يبلغ مبلغ الخلافة الا إذا شب عن العداوات، وعلم انه أكبر من ان يعادي، ولن يصبح في قلبه مكانا الا للمحبة.. فإن الله يحب جميع الخلائق.. غازها، وسائلها، وحجرها، ومدرها، ونباتها، وحيوانها، وإنسانها، وملكها، وإبليسها.. فانه تبارك وتعالى انما خلق الخلائق بالإرادة.. والإرادة (ريدة) وهي المحبة.. ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ.. ولا يصلح الإنسان للخلافة على الأرض، ولا للتصرف السليم في مملكته وهو خائف.. وليس هناك اسلوب، ولا نهج للتربية يحرره من الخوف غير الإسلام.. فان بالإسلام يتم سلام الإنسان مع نفسه، ومع ربه، ومع جميع الأحياء، والأشياء.. قال تعالي: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، انه لكم عدو مبين) السلم يعني الإسلام، ويعني السلام.. وهما بمعنى واحد (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) فيغري بينكم العداوة، والبغضاء.. الإشارة إلى العداوات وردت في قوله تعالي “انه لكم عدو مبين").. انتهى..
هذا عن العلاقة بين الفرد والكون، أما العلاقة بين الفرد والجماعة، فقد جاء في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) ما نصه: (ومما لا ريب ان الفرد الذي يقام له وزن في الإسلام، انما هو الفرد العارف بالله، وانما جعل الإسلام كل فرد غاية في ذاته، وإن كان أبله، لأنه جرثومة العارف بالله، وستحصل منه المعرفة، عاجلا أو آجلا، "كان على ربك حتما مقضيا" ولقد زعمنا في مستهل هذا السفر ان الإسلام قد استطاع ان يفض التعارض البادي بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة، وان ينسق هاتين الحاجتين في سمط واحد، تكون فيه حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة امتدادا لحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة. وبعبارة أخرى، استطاع ان يجعل تنظيم الجماعة وسيلة إلى الحرية، وهو بعد انما استطاع هذا التنسيق بفضل التوحيد، الذي جعل شريعته تقع على مستويين: مستوى الجماعة، ومستوى الفرد: فأما تشريعه في مستوى الفرد فيعرف بتشريع العبادات. والسمة الغالبة على تشريع المعاملات انه تشريع ينسق العلاقة بين الفرد والفرد في المجتمع، والسمة الغالبة على تشريع العبادات انه تشريع ينسق العلاقة بين الفرد والرب، وليس معنى هذا ان كلا من هذين التشريعين يقوم بمعزل عن الآخر، وانما معناه انهما شطرا شريعة واحدة، لا تقوم إلا بهما معا، وبينهما اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع. فتشريع المعاملات تشريع عبادات في مستوى غليظ، وتشريع العبادات تشريع معاملات في مستوى رفيع، وذلك لأن سمة الفردية في العبادات اظهر منها في المعاملات.. والمقرر انه ليست للعبادة قيمة ان لم تنعكس في معاملتك الجماعة معاملة هي في حد ذاتها عبادة. ولقد جعل المعصوم الدين كله في هذا المجال، فقال: (الدين المعاملة) فكأن العبادة في الخلوة مدرسة تعد الفرد الإعداد النظري، ثم هو لا يجد فرصة التطبيق العملي الا في سلوكه في الجماعة، وتمرسه بمعاملة افرادها..). ويواصل النص، فيقول: (وحين وصل الإسلام بفضل التوحيد، إلى هذا التحقيق الدقيق، بين الفرد والجماعة، شرع كل تشريعاته بصورة تحقق في سياق واحد حاجة الفرد وحاجة الجماعة.. فلم يضح بالفرد في سبيل الجماعة، فيهزم الغاية بالوسيلة، ولم يضح بالجماعة في سبيل الفرد، فيفرط في اهم وسائل تحقيق الفردية، وانما جاء تشريعه، في جميع صوره نسقا عاليا من المقدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة..)..
6) الفكرة الجمهورية تري ان المقامات الروحية في الدين لا تُدّعَى ولا تُطلب.. فالسلوك الديني هو التزام بأدب العبودية لله، واي ادعاء للمقامات، او طلب لها، هو على الأقل دليل على نقص عبودية صاحبه، وقد يؤدي إلى انحراف عن الدين، وفي هذا الصدد جاء في كتابنا: (القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري) ما نصه: (ومن نقص الرضا بالله، ومن ثم من نقص العبودية، ان تسأل الله شيئا لم يكن قد اعطاك اياه.. وهم يقولون في ذلك: "من وثق بحسن اختيار الله له، لم يتمن غير الحالة التي هو فيها.." ومن ها هنا جاء منع موسى، عليه السلام، من شهود الذات.. قال تعالى في ذلك: "ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال: رب أرني انظر اليك!! قال: لن تراني.. ولكن انظر إلى الجبل، فان استقر مكانه فسوف تراني.. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا.. فلما افاق قال: سبحانك تبت اليك.. وانا اول المؤمنين".. سؤاله الرؤية: "رب أرني انظر اليك"، دل على نقص العبودية.. فجاء الرد من جانب القدس.. قال "لن تراني".. السبب؟؟ ان المكان منك لم يستعد بالعبودية لتجلى الذات - ذات الربوبية - ان ذاتك لم تستعد لترى ذات ربك، فحجبت، بمحض الفضل، عما طلبت.. والا لعُطبت كما عُطب الجبل، ولذهبت هباء، منثورا، كما ذهب الجبل.. وقد جعل الفضل الإلهي الجبل فداء لموسى، ومع ذلك فلم يكن الذي وقع للجبل تجليا ذاتيا، انما كان تجليا جبروتيا، وذلك لأن الجبل لا ذات له – لا نفس له – تتلقى التجلي الذاتي.. اما محمد، سيد الأنبياء، وسيد ولد آدم، فلم يطلب الرؤية، ولم يطلب المعراج، فكان ذلك منه دليلا على تمام سكونه تحت مجرى الأمر الإلهي، فجاء وصفه بالعبودية من ربه.. قال تعالى، عنه: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا.. انه هو السميع البصير...) انتهى..
فالفكرة الجمهورية اذن، تري ان المقامات الروحية لا تدعى، ولا تطلب، هذا في حين ان الدعوات الثلاث تقوم على ادعاء مقامات لأصحابها، لا مجال لادعائها، اذ ان اصحابها يدّعون نبوة، يأتيهم فيها وحي مغاير للقرآن.. وهذا بالطبع انحراف لا علاقة له بالإسلام، ولا علاقة له بالفكرة الجمهورية.
فإذا رغم هذه الاختلافات الأساسية كلها صنفنا الصادق مع هذه الدعوات، فإنما ذلك بسبب الجهل، والغرض، وعدم الأمانة..