((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




هذا هو الصادق المهدي!!

نقاط الصادق الخمس

نقاط الصادق الخمس


لقد زعم الصادق في مقاله اننا نلتقي مع الغاديانية، والبابية، والبهائية في خمس نقاط ذكرها.. ونحن هنا سنتناول هذه النقاط بشيء من الإيجاز، لأن معظمها جاء الرد عليه ضمن حديثنا عن الإختلافات الأساسية بين الدعوة الجمهورية وهذه الدعوات في الجانب الديني.. ونقاط الصادق الخمس منها نقاط متعلقة بالنواحي السياسية وهذه سنركز عليها بصورة أكبر لأننا لم نتعرض اليها فيما مضى من الكتاب، ولأنها هي اهتمام الصادق الحقيقي، وهي تتيح فرصة أكبر لكشفه دينيا وسياسيا.. والصادق في نقاطه لم يورد اي دليل على كيفية انطباقها علينا، وانما هي مجرد اتهامات معممة قصد منها التشويه، ولكنه تشويه لا يجوز على أحد ممن لهم معرفة بالفكرة الجمهورية..

1) رسالة بعد رسالة سيدنا محمد:


النقطة الأولى التي زعم الصادق اننا نلتقي فيها مع الدعوات الثلاث، كانت حسب قوله: (اولا – الإيمان برسالة بعد رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. رسالة يحملها شخص تجلى فيه روح الله او نال فتحاروحيا حمله رسالة ثانية بعد رسالة المصطفى).. وهذا الحديث عندما يرتبط بالدعوات الثلاث وهي دعوات اصحابها ادعوا النبوة، وزعموا انهم يوحى إليهم من الله وكما رأينا لهم كتب خاصة غير القرآن وتشاريع خاصة مختلفة عن تشاريع الإسلام، فعبارة الصادق عندما ترتبط بهذه الدعوات التي زعم اننا نشبهها، تعني انه يتهمنا باننا ندعو لرسالة ثانية لم يجيء بها النبي صلى الله عليه وسلم، ومأخوذة من غير القرآن، كما هو الحال بالنسبة للدعوات الثلاث.. وبالطبع هذا افتراء يناقض ما ندعو اليه تماما.. وقد بينا ذلك عندما تحدثنا عن اننا دعاة لإقامة القرآن، ودعاة لبعث السنة، بتقليد النبي المعصوم.. فأمرنا كله، على عكس ما قال الصادق، يقوم على القرآن، وعلى عمل النبي الكريم.. ويبدو ان الصادق، قد ظن، وبصورة ساذجة، ان مجرد ايراد عبارة (رسالة ثانية) كاف للتشويش على دعوتنا، دون ان يورد مفهومنا نحن للرسالة الثانية.. ومجرد عنوان كتابنا (الرسالة الثانية من الإسلام) كاف للرد على هذه الفرية الضعيفة.. فهو يدل على ان هذه الرسالة هي (من الإسلام) لا من خارجه.. بل هي رسالة الإسلام الأساسية، ورسالة سيدنا محمد الأساسية اذ انها تقوم على اصول القرآن، القرآن المكي، وعلى سنة النبي الكريم، التي بشر بان الإسلام انما ينبعث ببعثها.. فالرسالة الثانية هي السنة. في حين ان الرسالة الأولى هي الشريعة، هي آيات الفروع – القرآن المدني.. وفي كتاب الرسالة الثانية، وفي مقدمته عنوان يقول: (السنة هي الرسالة الثانية).. فإما ان يكون الصادق لم يقرأ كتاب الرسالة الثانية، ولا حتى مقدمته، ثم رغم ذلك قال ما قال.. او انه قرأ الكتاب، وهو اذن يعلم ان ما قاله مناقض للحقيقة تماما، ثم رغم ذلك قاله.. وفي كلا الحالين فإن قول الصادق لا يدل على شيء أكثر من عدم امانته، ورقة دينه..
وكتاب الرسالة الثانية من الإسلام لا مجال فيه لفرية الصادق التي زعم فيها اننا نقول برسالة ثانية بعد رسالة سيدنا محمد، إذ ان الكتاب ينص صراحة على ان الرسالة الثانية هي رسالة سيدنا محمد، وهو رسولها، فقد جاء فيه: (ان محمدا رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا وأجمل الرسالة الثانية اجمالا، ولا يقتضي تفصيلها الا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء) اذن فالرسالة الثانية هي من القرآن، وقد جاء بها النبي الكريم، وهو قد عاشها في خاصة نفسه، ولا تقتضي الدعوة اليها الا فهما جديدا للقرآن، يجليها ويقدم تفاصيل محتوياتها، تلك التفاصيل التي لم يمنع من ورودها في الماضي الا حكم الوقت، اذ ان وقتها لم يجيء يومئذ..
اما عبارة الصادق في نقطته الأولى والتي جاء فيها قوله: (رسالة يحملها شخص تجلى فيه روح الله او نال فتحا روحيا).. فهي عبارة لا تعنينا بحال من الأحوال، وانما هي تشبهه هو، فنحن لا نتحدث في دعوتنا عن اشخاص، وانما نتحدث عن مستوى علمي وموضوعي، نملك الدليل عليه من النص.. ولم يرد عنا اي حديث عن (تجلى روح الله) او (فتحا روحيا).. وهذه العبارات انما هي أقرب للصادق لأنه ينطلق من منطلق ذاتي في مفهومه للقيادة الملهمة ذلك المفهموم الذي تحدثنا عنه.. فالتجلي، والفتح، انما تعني تلقي امر من الغيب، وكذلك مفهوم الإلهام الذي يتحدث عنه الصادق في نظريته (القيادة الملهمة) التي تتلقى الهامات روحية من الله.. وقد سبق ان بينا هذه النقطة، واوردنا النصوص التي تدل عليها من اقوال الصادق.. ولذلك فإن قول الصادق عن التجلي والفتح الروحي، انما ينطبق عليه هو بالذات لا علينا نحن..

2) نسخ الشريعة:


النقطة الثانية من نقاط الصادق التي زعم اننا نلتقي فيها مع البهائية والبابية والغاديانية، جاء فيها قوله: (ثانيا – القول بنسخ الشريعة لا مجرد تجاوز المذاهب او الدعوة لإجتهاد جديد بل نسخ الشريعة على نحو ما نسخت رسالات الأنبياء اللاحقين رسالات الأنبياء السابقين) وهذا القول مع ربطه بملابساته ومنها انه يصنفنا مع الفرق الثلاث، يعني انه يتهمنا باننا ننسخ الشريعة التي جاء بها سيدنا محمد، لنجيء بشريعة جديدة لم ترد عنه كما فعلت البابية والغاديانية.. والإتهام في هذا المستوى هو واضح البطلان وقد رددنا عليه في النقطة السابقة فنحن لا ندعو إلى شريعة جديدة خارج القرآن وانما ندعو إلى تحكيم اصول القرآن، وبعث السنة.
اما النسخ داخل القرآن فهو امر وارد، فآيات الفروع، الآيات المدنية، آيات الشريعة، فقد كانت ناسخة، في حق الأمة، لآيات الأصول، الآيات المكية، التي كان عليها عمل النبي الكريم، في خاصة نفسه.. ونحن دعاة لنسخ آيات الفروع وتحكيم آيات الأصول في التشريع الجماعي، وهذا ما نسميه تطوير التشريع، فهو انتقال من نص في القرآن، إلى نص آخر في القرآن، أكثر منه مناسبة للوقت، وأكثر تحقيقا لأغراض الدين، ولكرامة الإنسان.. وقد جاء هذا الأمر مفصلا في كتابنا (الرسالة الثانية من الإسلام)، فليراجع في موضعه.. ومما جاء فيه: (فإن كمال الشريعة الإسلامية انما هو في كونها جسما حيا، ناميا، متطورا يواكب تطور الحياة الحية النامية، المتطورة، ويوجه خطاها، ويرسم خط سيرها في منازل القرب من الله، منزلة، منزلة.. ولن تنفك الحياة سائرة إلى الله في طريق رجعاها، ما من ذلك بد.. ((يا ايها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)).. وانما تتم الملاقاة بفضل الله، ثم بفضل ارشاد الشريعة الإسلامية في مستوياتها الثلاث: الشريعة، والطريقة والحقيقة.. وتطور الشريعة كما أسلفنا القول، انما هو انتقال من نص إلى نص.. من نص كان هو صاحب الوقت في القرن السابع فأحكم، إلى نص اعتبر يومئذ أكبر من الوقت فنُسخ.. قال تعالى: ((ما ننسخ من آية أو ننسئها نأت بخير منها، او مثلها.. الم تعلم ان الله على كل شيء قدير؟)).. قوله "ما ننسخ من آية" يعني: ما نلغي، ونرفع، من حكم آية.. قوله "او ننسئها" يعني نؤجل من فعل حكمها.. "نأت بخير منها" يعني أقرب لفهم الناس، وادخل في حكم وقتهم من المنسأة.. "او مثلها" يعني نعيدها، هي نفسها، إلى الحكم حين يحين وقتها.. فكأن الآيات التي نسخت انما نسخت لحكم الوقت فهي مرجأة إلى ان يحين حينها.. وإذا حان حينها فقد اصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها الحكم، وتصبح بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة في القرن السابع، منسوخة الآن.. هذا هو معنى حكم الوقت.. للقرن السابع آيات الفروع، وللقرن العشرين آيات الأصول.. وهذه هي الحكمة وراء النسخ.. فليس النسخ، اذن، الغاء تاما وانما هو ارجاء يتحين الحين، ويتوقت الوقت.. ونحن في تطويرنا هذا انما ننظر للحكمة وراء النص.. فاذا خدمت آية الفرع التي كانت ناسخة في القرن السابع للآية الأصل غرضها حتى استنفدته واصبحت غير كافية للوقت الجديد – القرن العشرين – فقد حان الحين لنسخها هي وبعث آية الأصل التي كانت منسوخة في القرن السابع لتكون هي صاحبة الحكم في القرن العشرين، عليها يقوم التشريع الجديد.. هذا هو معنى تطوير التشريع.. فإنما هو انتقال من نص خدم غرضه – خدمه حتى استنفده، إلى نص كان مدخرا يومئذ إلى ان يحين حينه.. فالتطوير، اذن، ليس قفزا عبر الفضاء، ولا هو قول بالرأى الفج، وانما هو انتقال من نص إلى نص).. هذا هو مفهوم النسخ، وتطوير التشريع عندنا وهو عمل داخل القرآن، وكان يمكن للصادق ان يناقشه، يتفق معه او يخالفه، ولكنه لما كان غير امين، فقد اتجه إلى ايراد عبارته المعممة، ظنا منه انه يستطيع ان يوهم القاريء بأننا نقول بنسخ الشريعة، والمجيء بشريعة أخرى من خارج القرآن كما يفعل البهائيون..

3) إلغاء الجهاد:


النقطة الثالثة من نقاط الصادق جاء فيها قوله: (ثالثا - الغاء الجهاد لا مجرد الإجتهاد في ظروف الجهاد وبيان دوره في الماضي ودوره في العصر الحديث بل الغاؤه اصلا).. هذا ما قاله الصادق، وهو كبقية اقواله قول باطل، فنحن لا نلغي شيئا، وانما نطور التشريع.. وتطوير التشريع كما بينا هو ليس قولا بالرأى الفج، وانما هو انتقال من نص إلى نص.. فالتطوير عكس الإلغاء.. فالإلغاء ترك للتشريع المعين، او هبوط دونه، اما التطوير فهو انتقال إلى مستوى ارفع، وأكثر تحقيقا لغرض الدين، وأكثر تحقيقا لكرامة الإنسان.. ونحن في الجهاد دعاة للإنتقال من آية السيف، ليقوم العمل في امر الدعوة على آيات الإسماح، مثل قوله تعالي: ((أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن))، فهي مراد الدين الأساسي، وهي لم تنسخ في القرن السابع الا لأن الناس لم يرتفعوا إلى مستواها، فخوطبوا بما يناسبهم.. أما اليوم فهي الآية التي تناسب حكم الوقت الحاضر.. ونحن، على غير ما قال الصادق، نعرف للجهاد بالسيف حكمته في وقته، ونرى ان آيات الشريعة هي في وقتها الحكمة، احكم ما تكون، وانما الخطأ هو محاولة نقلها إلى غير وقتها.. وقد بينا في كتابنا (الرسالة الثانية) حكمة الجهاد بالسيف في المرحلة بصورة مفصلة، وذلك في حديثنا الذي جري تحت عنوان: (الجهاد ليس اصلا) فقد بينا ان الأصل في الإسلام هو الحرية، فهي حق يقابله واجب هو حسن التصرف فيها، فاذا لم يتم حسن التصرف، لم يتم الوفاء بواجب الحرية ومن هنا تجيء المصادرة.. وقد فصلنا هذا الأمر فليراجع في موضعه من الكتاب.. ومما جاء عن حكمة الجهاد بالسيف في وقته ما نصه: (وكل ما يقال عن تبرير استعمال الإسلام للسيف هو انه لم يستعمله كمدية الجزار، وانما استعمله كمبضع الطبيب.. وكان عنده الحكمة الكافية، والرحمة الكافية، والمعرفة الكافية التي تجعله طبيبا لأدواء النفوس)..

الصادق والجهاد:


والصادق في امر الجهاد يتناقض تناقضا مزريا فهو تارة يتكلم عن الجهاد، وطورا عن الأسماح.. فهو في كتابه (يسألونك عن المهدية).. قال عن المهدية انها: (ابانت وسيلة البعث الإسلامي في زمانها وفي الزمن اللاحق) صفحة 35 ووسيلة المهدية كانت هي الجهاد بالسيف.. فاذا ابانت المهدية وسيلة البعث الإسلامي في زمانها وفي الزمان اللاحق، فهذا يعني ان الصادق يؤمن بالجهاد بالسيف.. والصادق كزعيم طائفي يستغل الدين لأغراض السياسة.. فهو عندما يريد تحريض اتباعه على القتال في سبيل وصوله إلى السلطة، يحرضهم باسم الجهاد.. وقد فعل ذلك مثلا في محاولة الغزو الليبي 1976، حيث قام بتقتيل الأبرياء من ابناء وطنه المسلمين.. فجهاد الصادق، هو ضد المسلمين، والغرض منه الوصول إلى السلطة.. اما غير المسلمين فإن الصادق يدعو إلى مصادقتهم كما سنرى.
والصادق في موضع آخر يناقض نفسه في موضوع الجهاد.. فقد جاء في مجلة (المسلمون) عدد 26 فبراير 1982 حديث للصادق، ضمن ما جاء فيه وهو يتحث عن حقوق الإنسان في الإسلام، قوله عن الإنسان: (وهو حر لا يلزم حتى بالنسبة للدين نفسه: كما في قوله تعالى "لا اكراه في الدين" وقوله تعالى "لست عليهم بمسيطر") انتهى.. والصادق هنا يتحدث عن الإسماح، لأنه يريد ان يظهر بمظهر تقدمي، فغرضه، هو نفس غرضه عندما يتحدث عن الجهاد – استغلال الدين.. على كل فالصادق هنا يرى رأينا في امر الجهاد، والإسماح، ولكن دون ان يكون له السند الديني الواضح الذي نقدمه نحن.. فلماذا اذن يعترض علينا الصادق؟! انه الغرض، وعدم الأمانة، ولا شيء سواهما..

4) الصلح مع الإستعمار وأعداء الإسلام:


لقد جاءت نقطة الصادق الرابعة كما يلي: (رابعا – حل بيضة الإسلام بحيث يجوز بل يجب الصلح مع اعدائه سواء كان ذلك العدو هو الإستعمار او الصهيونية) ويبدو هنا ان الصادق قد التقط علما جديدا في فن التهريج السياسي من اصدقائه الماركسيين، الذين يتعامل معهم هذه الأيام، ويدعو إلى مصادقتهم.. فالمعروف عن عوام الماركسيين ان لهم تهما جاهزة لخصومهم السياسيين مثل العمالة للإمبريالية والصهيونية، فيبدو ان الصادق قد تتلمذ على هؤلاء.. وكعادة الصادق لم يحاول ان يبين كيف ان قوله هذا ينطبق علينا نحن الجمهوريين.. وسنبين ان الأمر بالنسبة لنا على عكس ما قال الصادق تماما.. وان ما قاله ينطبق عليه هو بالذات وبصورة محددة.

نحن والاستعمار:


لقد كنا نحن الجمهوريين، أشرف واصلب من ناضل الإستعمار الإنجليزي المصري في بلادنا.. وكنا اول من دخل سجونه.. هذا في حين ان رجال الحركة الوطنية من الأحزاب الأخرى منقسمون بين الولاء للمستعمر الإنجليزي، او المستعمر المصري.. ففي الوقت الذي كان فيه الجمهوريون يواجهون الإنجليز بالمنشورات الممهورة بأسمائهم – ويُطاردون ويدخلون السجون، كانت الأحزاب الأخرى تلجأ إلى اسلوب المفاوضات وارسال المذكرات.. فقد ارسلت الأحزاب وفدا إلى مصر، جاء عن اخباره بجريدة الرأى العام عدد 28/3/1946، انه عقد مؤتمرا صحفيا في القاهرة أعلن فيه: (ان مطالب السودانيين تتلخص في:
1) اقامة حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر. وقد ترك نوع هذا الإتحاد معلقا لم يبت فيه.
2) مصر والسودان سيقرران معا طبيعة هذا الإتحاد.
3) عقد محالفة مع بريطانيا العظمى على ضوء هذا الإتحاد المصري السوداني) كان هذا هو اسلوب الأحزاب في مواجهتها للإستعمار الإنجليزي، وهذه هي مطالبها، في حين أن الجمهوريون كانوا يواجهون الإستعمار مواجهة مباشرة ويحرضون الشعب عليه ويثيرون حماسه ضده، داعين إلى الإستقلال التام، وإلى قيام نظام جمهوري.. وكان الجمهوريون ايضا يواجهون الأحزاب وينعون عليها بعدها عن الشعب ومهادنتها للمستعمر، وكان ضمن ما جاء في مواجهتهم للأحزاب ما نصه (هذا نذير من النذر الأولى.. يا جماعة الأشقاء ويا جماعة الأمة – ايها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية – ايها القادحون قادحات الإحن بين ابناء الأمة - ايها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة، ايها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة – انكم لتوقرون امتكم وقرا يؤودها..
يا هؤلاء وهؤلاء، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء إلى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الإنجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاضه صولة الضرغام.. أنتم تريدون ابقاء المصريين، وأنتم تريدون ابقاء الإنجليز، فإذا اجتمعت كلمتكم فإنما تجتمع على ابقاء الإنجليز والمصريين معا.. يا هؤلاء، وهؤلاء، أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لا تقوون على مواقف الرجال الأشداء، وأنتم تتمسحون بأعتاب الإنجليز لأنكم صورتم المجد في اخلادكم صورا شوهاء.. أنتم تريدون السلامة، وأنتم تريدون الملك.. أنتم تضيعون البلاد لما تجبنون، وأنتم تضيعون البلاد لما تطمعون.. أنتم تستغلون سيدا لا يعرف ما تريدون، وأنتم يستغلكم سيد لا تعرفون ما يريد، والبلاد بينكم أنتم، وأنتم، على شفا مهواة ومهانة.... ألخ.) هذا نموذج لمنشورات الجمهوريين في نقد الأحزاب ومواجهتها، وتحريضها على مصادمة الإنجليز.. ونحن هنا سنورد اخبارا متفرقة عن دور الجمهوريين في الحركة الوطنية ومواجهتهم للمستعمر..
جريدة الرأى العام عدد 3/6/1946م (مثل الأستاذ محمود محمد طه المهندس أمس امام قاضي الجنايات المستر مكدوال متهما من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيع منشورات سياسية من شأنها الإخلال بالأمن العام، وقد امره القاضي ان يوقع على صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيها لمدة عام لا يشتغل خلالها بالسياسة ولا يوزع منشورات، او يودع السجن لمدة سنة إذا رفض ذلك.. ولكن الأستاذ محمود رفض التوقيع مفضلا السجن، وقد اقتيد لتوه لسجن كوبر).. وقد اضطر الإنجليز لإطلاق سراح الأستاذ محمود بعد خمسين يوما فقط.. واثناء فترة سجن الأستاذ صعد الجمهوريون مواجهتهم للأنجليز، ومن اخبارهم في تلك الفترة ما جاء بجريدة الرأى العام بتاريخ 6/6/1946 (ألقى الأستاذ امين محمد صديق سكرتير الحزب الجمهوري خطابا عاما أمس الأول عن الجنوب في الخرطوم بحري امام السينما الوطنية واعاد القاءه مرة أخرى في نفس الليلة في مكان آخر في الخرطوم بحري وقد استدعاه البوليس هذا الصباح وحقق معه، فاعترف بكل ما حصل وزاد بان هذا جزء من خطط كبيرة ينفذها الحزب الجمهوري..) ومن اخبار الجمهوريين في تلك الفترة (اعتقل بوليس الخرطوم بحري مساء أمس ذا النون جبارة، وعبد المنعم عبد الماجد، عندما القيا خطابين امام السينما الوطنية بالخرطوم بحري، نددا فيهما بالمجلس الإستشاري، وقانون الخفاض، وكبت حرية الرأى والخطابة) جريدة الرأى العام 27/9/1946م. ومن اخبار الجمهوريين ايضا (حكمت محكمة كبرى بودمدني برئاسة القاضي ابورنات، بسنتين سجنا على الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري، بتهمة اثارة الشغب برفاعة.. كما حكم عليه بوضعه تحت المراقبة لمدة سنة أخرى بعد اتمام مدة السجن) الرأى العام 17/10/1946.. هذه بعض مواقف الجمهوريين من الإستعمار ولمزيد من التفاصيل راجع كتابنا (معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية).. الكتاب الأول..
وهكذا وفي الوقت الذي كان فيه الجمهوريون يواجهون الإستعمار كان حزب الأمة الذي ورث الصادق زعامته يصادق ويهادن الإنجليز، حتى لقد تعرض لتهمة انه يطمع في تاج محلي تحت الإنجليز، وقد دخل حزب الأمة مؤسسات الإنجليز الدستورية – المجلس الإستشاري لشمال السودان، والجمعية التشريعية.. وبعد دخول الجمهوريين سجون الإستعمار بعامين بدأ زعماء الأحزاب يدخلون السجون بسبب مقاومة الجمعية التشريعية التي قلنا ان حزب الأمة دون بقية الأحزاب، قد دخلها.. ولكن رغم كل ذلك اراد الصادق ان يزيف التاريخ المعاصر، فيتهمنا بعكس ما هو الحق تماما من مهادنة الإستعمار، في حين ان هذا الإتهام ينطبق على الصادق بصورة أكبر وأخطر كما سنبين بعد قليل..

الإستعمار الجديد:


ونحن اليوم في الساحة وحدنا في مواجهة الإستعمار الجديد وكشف مخططاته.. ففي الوقت الذي نقوم فيه نحن بكشف الإستعمار الشيوعي الجديد، الذي يسعى بصورة خطيرة إلى بلشفة العالم فإن الصادق يتعاون مع هذا الإستعمار، وضد بلده السودان بالذات، ونحن سنفصل هذا الأمر.. ولقد صدرت لنا عدة كتب تكشف اهداف الإستعمار البلشفي، واساليبه ومخططاته، وعلى رأس هذه الكتب كتاب (مشكلة الشرق الأوسط).. ومنها مثلا كتاب (ناقوس الخطر) وكتاب (الشيوعية الدولية هي الإستعمار الجديد).. وكتابين عن افغانستان.. وكتاب (اتفاقية السلام ضد مصلحة الشيوعية الدولية).. الخ.. وقد قمنا بالعديد من المحاضرات واركان النقاش نوعي فيها المواطنين بالخطر الشيوعي بصورة عامة.. واستهدافه لبلادنا بصورة خاصة.

مشكلة الشرق الأوسط:


نحن لن نطيل في هذا الموضوع اذ ان موقفنا من مشكلة الشرق الأوسط موقف واضح وصدرت عنه عدة كتب على راسها كتاب (مشكلة الشرق الأوسط).. ويمكن ان نورد هنا يإيجاز ملخصا لهذا الموقف كما ورد في كتابنا (السلام هو الطريق لحل مشكلة الشرق الأوسط).. فقد جاء فيه: (ان العالم بعد الحرب العالمية الثانية قد أصبح مقسوما بين معسكرين اثنين، المعسكر الرأسمالي الغربي، والمعسكر الشيوعي الشرقي.. وهذان المعسكران يتنافسان في السيطرة على العالم.. وكل نزاع يقع بين دولتين من الدول الصغيرة، لا بد ان تمتد اليه ايدي المعسكرين العالميين، المتصارعين، لإستغلاله، كل في صالحه.. ومن هنا، وبصورة جلية، كانت مشكلة الشرق الأوسط، عظم النزاع بين الكتلتين الكبيرتين، ذلك بان منطقة الشرق الأوسط تتميز بموقع استراتيجي هام، وتتوفر فيها أكثر المواد الخام اهمية، وحساسية، وأشدها تاثيرا في الإقتصاد العالمي وفي الإعداد العسكري، وتلك هي المواد البترولية.. يضاف إلى هذا الأمر كون العالم قد أصبح وحدة جغرافية، تتطلب وحدة فكرية.. وعلى هدى هذه النظرة انبنى رأى الجمهوريين حول مشكلة الشرق الأوسط، وهو بإيجاز يتمثل في الخطة التالية:
1) علينا ان نسعى لحل مشاكلنا المحلية والإقليمية بدون ان نخل بالتوازن بين المعسكرين.
2) الحرب لا تحل مشكلة في عالم اليوم، وانما فقط تؤدي إلى تربيزة المفاوضات..
3) ان نبرز نواة الكتلة الثالثة التي تصفي في النهاية، المعسكرين الحاليين..
4) ان يواجه العرب مشكلتهم، ويباشروا حلها بأنفسهم من غير وسيط.. وذلك بان يعترفوا باسرائيل، وان يجلسوا معها على مائدة الماوضات، كهدنة يستطيعون خلالها بناء داخليتهم والوصول إلى الحل الجذري، وهو لن يكون الا بالعودة إلى الإسلام) وقد اقترحنا في كتابنا (مشكلة الشرق الأوسط) 1967 أن يفاوض العرب اسرائيل على اساس قرار التقسيم، وقلنا ان اي تأخير لن يكون الا لمصلحة اسرائيل، فسيضطر العرب للمفاوضات بعد ان يكون موقفهم في المساومة قد ضعف.. والعرب من الناحية العملية يعترفون باسرائيل منذ عام 1948 م حيث قبلوا الهدنة معها، ووقعوا اتفاقية رودس 1949.. وهذا اعتراف منهم بدولة اسرائيل.. وقد قبل العرب جميعهم عام 1967 م قرار مجلس الأمن رقم 242، ذلك القرار الذي شارك في صنعه السوفيت، والذي ينص على الحل السلمي للمشكلة، ويقرر حق اسرائيل في البقاء والعيش في سلام مع جيرانها.. وزعماء العرب الذين يتحدثون عن عدم الإعتراف باسرائيل وعدم مفاوضتها ويتحدثون عن الحرب معها، هم غير صادقين، ويجهلون السياسة الدولية، وهم في النهاية لا يخدمون الا غرض اسرائيل، وغرض الإتحاد السوفيتي.. فهم لن يستطيعوا ان يحاربوا الا بمساعدة الإتحاد السوفيتي العسكرية، والإتحاد السوفيتي هو ثاني دولة اعترفت باسرائيل، وهو إلى اليوم يمد اسرائيل بالقوة البشرية.. وهو لا يريد لمشكلة الشرق الأوسط ان تحل، وانما يريد ان يكون العرب في حالة اللاحرب واللاسلم، حتى يسوق العرب عن طريق الخوف إلى احضانه، ويحقق مطامعه في المنطقة.. وبالفعل استطاع ان يحقق الكثير من مخططه هذا بسبب غفلة وجهل الزعماء العرب.. واليوم فإن العرب لا يطمعون في أكثر من خروج اسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 م وهذا دون ما دعوناهم له نحن بكثير.. والزعيم العربي الوحيد الذي تنبه لأغراض السوفيت هو المرحوم انور السادات، فقام بمبادرته الشجاعة التي اثبتت بصورة عملية ان التفاوض والسلام هو الحل لمشكلة الشرق الأوسط.. فقد أدى التفاوض والحل السلمي إلى تحرير سيناء في 25 ابريل 1982 في حين لم تؤد الحرب الا للمزيد من احتلال الأراضي العربية.. ولذلك فإن الصادق المهدي عندما يتهمنا بالعمل لمصلحة اسرائيل انما يقول عكس الحق تماما.. والحق انه هو وكل سياسي عربي يتحدث عن رفض الحل السلمي، انما يتاجرون بالقضية الفلسطينية، وهم من حيث لا يشعرون، انما يخدمون اسرائيل بتاخير الحل مما يمكنها أكثر من الأراضي العربية، وهم فوق ذلك يخدمون اغراض الشيوعية الدولية..

5) مهادنة ومخادعة الحكام:


لقد جاء في النقطة الخامسة والأخيرة من نقاط الصادق التي زعم اننا نلتقي فيها مع الغاديانية، والبابية، والبهائية قوله: (خامسا – مهادنة او مخادعة الحكام في البلاد الإسلامية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.. مثلا البهائية احتلت مكانا مرموقا في إيران الشاه).. والصادق هنا ايضا وكما هي عادته، لم يحاول ان يوضح كيف ينطبق قوله هذا علينا، وهو قد راح يضرب المثل بمواقف البهائية، وكان الأجدر به ان يضرب المثل من مواقفنا نحن، لأنه انما يتحدث عنا بالذات.. ولكنه لما كان يعلم انه لن يجد لما يريد ان يتهمنا به نموذجا واحدا من مواقفنا، انصرف للحديث عن البهائية.. ان قولة الصادق هذه الأخيرة، كجميع سابقاتها، هي بالنسبة لنا، مناقضة للحق تماما.. ثم هي تنطبق عليه هو بالذات، بصورة جلية.. فكل من يعرفنا يعرف اننا لا نهادن، ولا نخادع، وانما نحن ننطلق في مواقفنا من الآخرين من قيم ومباديء لا نحيد عنها.. فنحن ننقد من نختلف معه، نقدا موضوعيا، ونؤيد من نتفق معه تأييدا موضوعيا، فلا نعادي من نختلف معه، ولا نجامل من نتفق معه، وانما همنا دائما توخي الحق، لأننا كدعاة دينيين نعلم اننا مسئولون امام الله عن مواقفنا وعن آرائنا واقوالنا.. وكل من له اطلاع على مؤلفاتنا، يعلم اننا مثلا في كتابنا (مشكلة الشرق الأوسط) قد واجهنا الزعماء العرب، مواجهة قوية وموضوعية، في مواقفهم السياسية الخاطئة، والضارة بمصالح الأمة العربية.. فقد تحدثنا عن عدم صدق الزعماء العرب وقلة حنكتهم السياسية والعسكرية، وأقمنا على كل ما قلنا الدليل العلمي الموضوعي.. ولقد نقدنا سياسات المرحوم السيد جمال عبد الناصر وهو في قمة سطوته وجبروته، وقد كانت وسائل اعلامه تشكل ارهابا كبيرا على جميع العالم العربي والإسلامي ولكن ذلك لم يمنعنا من نقده وعندما رأينا ان سياساته تعرض العالم العربي للخطر، وتفتحه للشيوعية الدولية.. ومما جاء في نقدنا للعرب، وللزعماء العرب، في كتابنا (مشكلة الشرق الأوسط) ما نصه: (بايجاز؟ العرب انهزموا لأن داخليتهم فاسدة.. فأخلاق الشعوب العربية قائمة اما على قشور من الإسلام او على قشور من المدنية الغربية، او على قشور من كليهما، وهم لن ينتصروا الا إذا اقاموا اخلاقهم على لباب من الإسلام، ولباب من المدنية الغربية، مدنية الإسلام الروحية – المادية.. وهذا لا يتأتي على الإطلاق بالسير وراء الزعامات الحاضرة.. جمال عبد الناصر والقومية العربية – فيصل والتفكير الإسلامي السلفي المتخلف..).. وقد كان عبد الناصر وفيصل هما آنذاك أكبر الزعماء العرب.. ولقد ايدنا سياسة المرحوم السيد انور السادات، لما اتسمت به من وضوح رؤية، ومن صدق، وشجاعة.. وعندما ايدنا السادات، كانت معظم الدول العربية تقف ضده، وقاطعت مصر بسبب معارضتها لسياسة السادات في الإتجاه إلى السلام.. ولم يمنعنا موقف الدول العربية من ان نؤيد السادات.. وقد عارضنا ثورة إيران منذ قيامها، وكانت لنا فيها رؤية واضحة، فهي بحكم الهوس الشيعي، ما كان يمكن الا ان تؤدي إلى فتنة، وقد صدق فيها ما قلناه عنها.. ونحن قد اصدرنا في نقدنا لسياسة الخميني ثلاثة كتب هي (فتنة إيران).. و(الخميني يؤخر عقارب الساعة).. و(ما يجري في إيران لا علاقة له بالإسلام).. وقد عارضنا، ولا زلنا نعارض، الدول العربية والإسلامية التي اصبحت تسير في ركاب الشيوعية الدولية..
ونحن في داخل السودان قد ظللنا طوال طريقنا نعارض وننقد الطائفية، والأحزاب التقليدية، ونكشف للشعب فسادها وسوء حكمها، واستغلالها له دينيا وسياسيا.. وعندما كنا نعارض الطائفية، ونكشف استغلالها الدين لأغراض السياسة، كانت هي في عز سطوتها، وهي في موقع السلطة، ولم يمنعنا ذلك من معارضتها ونقدها، حتى اضطرت بسبب تعريتنا لها، إلى ان تدبر، مع الأحزاب التقليدية، ما سمي بمحكمة الردة في 1968، ولم تزدنا تلك المكيدة السياسية الخاسرة الا قوة واصرارا على المضي في عملنا في مواجهة الطائفية.. فإذا، رغم كل ذلك، قال الصادق عنا اننا نهادن ونخادع الحكام في البلاد الإسلامية، حسب تعبيره، فإنما هو الكذب الصراح، والغرض المفضوح، وهو لن يؤدي الا للمزيد من كشف شخصية الصادق، وتبيين ما تنطوي عليه من مفارقة للقيم.
ونحن سنوضح بعد قليل ان ما حاول الصادق ان يتهمنا به من مهادنة ومخادعة للحكام في الدول الإسلامية، انما ينطبق عليه هو بالذات.. بل أكثر من ذلك!! وأخطر من ذلك!! فإن الصادق يهادن، ويخادع، اعدى اعداء الأسلام والعرب.. هو يهادن ويخادع الشيوعية الدولية، ويستعين بها ضد بلاده، وضد مواطنيه، ولكنه، في النهاية، هو المخدوع، ولن يرتد كيده عليه الا بالفشل والخسران المبين..