في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الصَّـوم بين الكبت وفض الكبت

محمد والقرآن والأحلام:


هناك علاقة وثيقة بين رمضان وبين (محمد والقرآن والأحلام) فالقرآن انزل في رمضان: (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن).. والقرآن يعطي أسراره في رمضان بأكثر مما يعطيها في غيره من الأزمان.. ومن آداب رمضان كثرة قراءة القرآن في الصلاة، وبخاصة صلاة الثلث الأخير من الليل: (ان ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا)، يعني يواطيء فيها القلب اللسان: (أقوم قيلا) أوضح قولا.. (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا.. لعلكم ترحمون).. (الاستماع) هو انحصار الفكر في آيات القرآن.. و(الانصات) هو أن تؤدي الأذن إلى القلب بغير واسطة العقل، نتيجة لتجويد الاستماع، وهذا هو معنى أن يواطئ القلب اللسان.. ومن القلب تبعث وارادت القرآن فيكون العبد حينئذ متلقيا من الله بلا واسطة ومن هنا فإن حياة محمد – سنته – هي مفتاح القرآن (واتقوا الله ويعلمكم الله.. والله بكل شيء عليم).. والتقوى هي اتباع النبي فيما أمر من أوامر، وفيما نهى من نواه فإن أكبر ما يعين على تقليد النبي في الصلاة، أو الصوم، انطواء الصدر على قدر كبير من محبته وتقديسه.. فقد كانت حياته، صلى الله عليه وسلم، تجسيدا للقرآن حتى لقد ساغ للسيدة عائشة ان تقول عنه (كانت أخلاقه القرآن).. وهذا هو السر في قرن الشهادة: (لا إله الا الله، محمد رسول الله).. و(لا إله الا الله) هي الأصل هنا: (فاعلم انه لا إله الا الله، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين، والمؤمنات) ومحمد رسول الله هي المدخل لتحقيق (لا إله الا الله)، على انه يجب أن يعلم أن غاية (لا إله الا الله) أن تفضي بالعابد إلى (الله): (قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون).. وما من معرفة بالله الا ومحمد سبيلها.
اما الأحلام فهي مصنوعة من نفس المادة التي صنع منها القرآن.. فالقرآن هو قصة النفس البشرية من الصدور إلى الورود، فالنفس من الله صدرت، والي الله تعود.. والاحلام هي انعكاسات تلك القصة مترسبة في سراديب العقل الباطن عبر الأزمنة المختلفة، في الأمكنة المختلفة.. فكل حي يرى الأحلام في نومه، حتى الحيوان.. ولكن كثيرا من الناس لا يتذكر أحلامه، وكذلك الحيوان.. فالنوم هو تغييب للعقل الواعي، وبقاء بالعقل الباطن، فيجد العقل الباطن ساعتئذ الفرصة للتعبير عن نفسه، وتلك هي الأحلام: (الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى.. ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).. (ويرسل الأخرى)، يعني التي في منامها.. (الي أجل مسمى)، ينتهي بانتهاء نومها فتستيقظ بيقظة العقل الواعي فيها.. فالعقل الذي يتذكر الأحلام هو العقل الذي استطاع أن يقيد طرفا مما رآه في النوم، وبقدر ما يكون صفاؤه تكون مقدرته على تقييد طرف أكبر من الأحلام.. فالصيام عمل في صفاء العقل، مما يمكنه من تقييد الرؤى وتذكرها بصورة أكبر.. ومن هنا تكثر الرؤى في رمضان عند الصائمين المجودين.. وهناك فرق بين الأحلام والرؤى.. فالرؤى معنى خاص من الأحلام يكون عند السالكين ففي حوار يعقوب مع ابنه يوسف، وحوار فرعون مع قومه فيما يرويه القرآن يظهر الفرق بين الرؤى والأحلام، قال تعالى عن يعقوب وابنه ما يلي: (قال يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا.. ان الشيطان للإنسان عدو مبين..) وقال تعالى عن خبر فرعون انه قال: (يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ان كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)..
فالرؤي صادقة، وفي قمتها رؤية النبي عليه أفضل الصلاة والسلام فقد قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي) ولما كان شهر رمضان شهر صفاء ومحبة للنبي فينتظر للصائمين المجودين رؤية النبي فيه.. بل، أكثر من ذلك، رؤيته يقظة فيما يرويه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله قال: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة.. ولا يتمثل الشيطان بي)..