في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الجمهوري والمهاجر والأكتوبري

المناداة بالجمهورية ومناهضة الطائفية


ان الجمهوريين هم أول من نادى بالحكم الجمهوري وذلك في عام 1945، وقد اثبتوا ذلك في دستورهم المنشور بكتابهم (السفر الأول) بتاريخ 16 أكتوبر 1945، وقد جاء فيه ما يلي: -
(الغرض (1) قيام حكومة سودانية جمهورية ديمقراطية حرة مع المحافظة على السودان بكامل حدوده الجغرافية القائمة الآن).. وقد استنكر السياسيون الآخرون هذا الأمر على الجمهوريين وكانوا يقولون ان الشعب السوداني غير مؤهل لنظام حكم متقدم كالنظام الجمهوري، ولذلك فإن كل الأحزاب الإتحادية والاستقلالية كانوا ينادون بنوع من الحكم الملكي.. وهذا نموذج لدعوتهم ففي مذكرة المؤتمر الذي كان يسيطر عليه الإتحاديون عام 1945، جاء مطلبهم هكذا: (قيام حكومة سودانية ديمقراطية في إتحاد مع مصر تحت التاج المصري).. وكذلك كان حال حزب الأمة بطبيعة تكوينه الوراثي.. وكانت الدوائر السياسية تردد القول عن إتجاه الإنجليز لتنصيب السيد عبد الرحمن ملكا على السودان – راجع كتاب (تاريخ السودان الحديث) صفحة 131 – د. حسن أحمد ابراهيم.
وأما الطائفية فإن الجمهوريين قد واجهوها مواجهة صارمة وقد كانت الطائفية موجودة في داخل المؤتمر – طائفة الختمية وطائفة الأنصار.. ولما رفضت الحكومة في مرحلة لاحقة الإعتراف بالخريجين والإعتراف بحقهم السياسي في التحدث باسم السودان مدعية ان هذا الحق هو لزعماء العشائر وزعماء الدين (الطائفية) زاد ذلك في لجوء الخريجين لزعماء الطائفية طلبا للسند الشعبي الذي يعطيهم حق التحدث باسم السودان امام حكومة السودان وبذلك تمكنت الطائفية من حياتنا العامة بصورة منكرة.. والطائفية هي أس البلاء في بلادنا ولذلك فإن مواجهة الجمهوريين لها هي مواجهة مبدئية، مستمرة، حتى تقتلع جذورها تماما من هذه الأرض الطيبة.. وقد نعى الجمهوريون عام 1945 على المثقفين ارتماءهم في احضان الطائفية مما أدي إلى انقسام الحركة الوطنية وتبديد طاقاتها وانحراف مسارها.. ففي منشور صدر بتاريخ 18/2/1946 نقتطف ما يلي: (يا جماعة الأشقاء ويا جماعة الأمة!! ايها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية!! ايها القادحون قادحات الإحن بين أبناء الأمة!! ايها المذكون ثائرات الشر، والتفرقة، والقطيعة!! ايها المرددون النغمة المشئومة، نغمة الطائفية البغيضة!! انكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها) إلخ راجع كتابنا الاستقلال جسد روحه الحرية صفحة 12 –
وهكذا ظلت الحركة الوطنية في قبضة الطائفية، قبل الاستقلال، وبعده.. وطمعت الطائفية في حكم البلاد.. واستولت على مقاليد أمورها، فأفسدت الحياة السياسية، وشوهت الديمقراطية، وأخذت تكيد لهذا الشعب لتقضي على كرامته، وحريته، باسم الدين.. وهي لا تزال تتربص به الدوائر حتى بعد ان سحبت ثورة مايو البساط من تحت أقدامها.. وهكذا ظل الجمهوريون في مواجهتهم لها من ذلك التاريخ البعيد، ولما يزالوا يواجهونها إلى ان تقتلع جذورها من عقول وقلوب هذا الشعب الأصيل الذي ضللته هي باسم الدين..