في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الجمهوري والمهاجر والأكتوبري

خاتمة:


إن الفكرة الجمهورية إنما تقدم نموذجا للمجتمع المرتقب، فهي مجتمع داخل المجتمع الكبير، يتميز أفراده بوحدة الفكر، ووحدة الشعور.. فهم يفكرون، في الأمر الواحد، قريبا من قريب، لا يختلفون في تقويم الأحداث اليومية الجارية، وان تباعدت بهم المسافات، ذلك بأنهم إنما يصدرون عن مواقف مبدئية، وينطلقون من فكرة مركزية، وتلك هي المذهبية الإسلامية الواعية، التي تحرر المواهب الطبيعية، العقل والقلب، لدي كل إنسان، والتي تضع الفرد في مرتبة الغاية، وتجعل كل ما عداه وسيلة له، بما في ذلك الإسلام، والمجتمع، وهي بعد، إنما توفق بين حاجة الفرد، وحاجة الجماعة.. الوسيلة عندها طرف من الغاية، فلا تتوسل إلى الغاية النبيلة بالوسائل المراض، ولا يتقدم الفاضل على المفضول..
ولذلك نحن نملك الميزان الذي به تقاس الامور، والاحداث، فتجد تقويمها الصحيح... وعلى سبيل المثال، عندما لومنا حركة الخمينى وقلنا انها فتنة قبل ان ينطلق هوسها، ويعبث في الارض فسادا، واصدرنا بذلك منشورات توجناها بكتاب في فبراير 1979، اسميناه (فتنة إيران)، استنكر بعض المتعلمين السطحيين تقوينا هذا، ولكنهم، بمضي الوقت، اتضح لهم صحة ما قلناه، بعد ان استعلن الهوس، والجهل الذي انطوت عليه حركة الخميني الذي اخَر عقارب الساعة، واعطى صورة شائهة للإسلام في اخلاد اهل الارض جميعا..
ومع اننا دعاة للدستور الإسلامي، منذ الاربعينات، الا اننا قاومنا الدستور الإسلامي المزيف الذي دعا اليه السلفيون الذين لا يعلمون والذين استغلتهم الطائفية، فتلقفت دعوتهم المزيفة للدستور الإسلامي، لتخدع بها الشعب، ولتطيل من عمرها، ولكن الله رد كيدها، وفضح تآمرها بقيام ثورة مايو 1969 حيث انتزعت منها السلطة وحالت بينها وبين الشعب.. ان الإسلام ليس غير الفكرة الجمهورية، ذلك بأن سائر، المسلمين، بفرقهم المختلفة، ليسوا على شيء، لا من حيث اخلاق الإسلام، ولا من حيث فهم حقيقته التي بدون ادراكها، وابرازها للناس، لن تكون للإسلام فرصة في عالم اليوم..
وحقيقة الإسلام التي يجهلها السلفيون هي انه ذو رسالتين، رسالة فصلها النبي لمجتمع القرن السابع، لتعالج مشاكله وتخدم مصالحه، وتراعى تخلفه، على قاعدة الحديث (نحن معاشر النبياء امرنا ان نخاطب الناس على قدر عقولهم) وقد قامت هذه الرسالة على فروع القرآن، وانبنى عليها التمييز بين الرجال والنساء، وبين الرجال والرجال وقامت على اكراه الناس على الدخول في الإسلام، وهي قد كانت حكيمة كل الحكمة في وقتها، وقد خدمت غرضها حتى استنفدته.. وأما الرسالة الثانية فهي المستوى الذي عاشه النبي في خاصة نفسه، وقد انبنت على أصول القرآن، حيث الحرية، والإشتراكية، والمساواة الاجتماعية، وهذا المستوى من الإسلام لم يكن مجتمع القرن السابع مهيئا له، ولذلك أرجئ حتى يحين حينه، وحتى يبرز مجتمعه الذي يحتاجه، ويطبقه.. وقد جاء الوقت وجاء المجتمع: مجتمع القرن العشرين.. ولهذا قلنا إن الفرق الإسلامية الأخرى جميعا ليست على شيء فهي لا تفهم الإسلام، ولا تعرف حقيقة العصر، ومن هنا فإنها إنما تعوق بعث الإسلام وتؤخر عقارب الساعة بفهمها المتخلف وبهوسها المنفر، المبغض في الدين..
إن رؤية الجمهوريين الواضحة، وثقتهم التامة بربهم وبدينهم وبشعبهم، أمر راسخ وقديم، ومما يجدر بنا أن نقف عنده هنا ذلك المقال الذي نشرته جريدة الشعب في 27 يناير عام 1951 للأستاذ محمود محمد طه وهو يناقش مقالا للأستاذ أحمد لطفي السيد باشا، قال الأستاذ محمود في ذلك المقال:
(وهناك شيء أريد أن أصرف أذهان السودانيين عنه، فإن الباشا قد ختم كلمته بقوله: ((فالنصيحة العملية أنكم في السودان تسلكون السبيل المطروق الآن، حتى يتبين أن المذهب السياسي الجديد الذي ينبغي أن ترمي إليه التربية محقق بالفعل)).. وتلك نصيحة مؤسفة، لدلالتها على فقدان قادة المسلمين الثقة في أنفسهم، وتعليقهم كل رجاء لهم في الخلاص بالغرب، وإزماعهم السير في ركابه على ((سبيله المطروق))، حتى ولو أدى به ذلك السبيل إلى التردي في الهاوية..
أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم.. وأن القرآن هو قانونه.. وأن السودان، إذ يقدم ذلك القانون في صورته العملية، المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن، وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب.. ولا يهولن أحدا هذا القول، لكون السودان جاهلا، خاملا، صغيرا، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض، بأسباب السماء..
وما الذي أريد أن أصرف أذهان السودانيين إليه، حين أصرفهم عن نصيحة الباشا؟؟ جددوا الثقة بربكم، فاستعيدوا الثقة بأنفسكم.. ثم اقبلوا على كتابكم – كتاب الأجيال – بعقول مبرأة من أوضار الجهالات، واعلموا أن أكرم شيء عند ربكم حرية الفكر المخلص، ثم اضربوا بعصاكم معتكر الظلام، ينفرج عن مهيع الحق الأبلج.. لكم في ذلكم مفازة، وللعالم فيه منجاة)
انتهى حديث الأستاذ..
وهكذا يتضح أن رؤية الجمهوريين الواضحة، هي مصدر ثقتهم بربهم، وثقتهم بشعبهم، وثقتهم بدينهم.. وهي رؤية قديمة، زادتها الأحداث تأكيدا، وجلاء، وظهورا.. فثقتنا في الإسلام هي التي جعلتنا نعلن عن علم، وإذن.. ان الإسلام (هو قبلة العالم) وثقتنا في شعبنا هي التي جعلتنا نرشحه (للجمهورية) في وقت رشحه فيه كل الزعماء (للملكية) وثقتنا في شعبنا هي التي جعلتنا نتجه اليه ليحمل قضيته الوطنية بنفسه.. وقد ظهرت بشائر ثقتنا وأصالة وخصائص هذا الشعب، في ثورته الشعبية العظيمة، ثورة أكتوبر.. وثقتنا في شعبنا هذا التي لم ولن تتخلف أبدا، هي التي جعلتنا نعلن بحق، وإذن، ويقين.. أن السودان (هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب) وذلك لما سيفترع تطبيق دولة القرآن التي أظلنا وقتها، والتي ستتوج التطور المادي الحاضر، وتلقحه.. فتقيم جنة الأرض حيث لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. وما آلام العالم الحاضر، وما يعانيه من تمزق، الا إشتداد آلام الطلق (هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق أنكم لفي خلق جديد)؟!!
إن ما سقناه في هذا الكتيب من معالم، ومواقف، في تاريخ الفكرة الجمهورية ليدل على وضوح الرؤية، وصدق الحدس، وصحة الاستقراء، مما يجعل إقتران أكتوبر الثانية بالهجرة الثانية لا يتم الا اذا اقترنتا بالفكرة الجمهورية، ذلك بأن الفكرة الجمهورية إنما هي روح أكتوبر الثانية، وهي التي تعطي الهجرة الثانية محتواها.. ومن ههنا فإن تاريخ الفكرة الجمهورية، منذ الأربعينات، وحتى يومنا هذا، إنما هو تمهيد لطريق العودة: عودة أكتوبر، وعودة الهجرة، وظهور المهاجر الأكتوبري الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا..
وها هي ذي الفكرة الجمهورية بما طرحت من أفكار كانت مستغربة، ومستبعدة، فتحققت، تبشرنا بالنبأ العظيم فلله الفضل والمنة وهو الذي بنعمته تتم الصالحات..