ولكن كيف يُمَرِّن الإنسان نفسه بطريقة منظمة على أن يحيا دائما في حالة من الوعي الداخلي واليقظة وضبط النفس؟؟ الجواب قريب: ((أن يقلِّد محمّداً فى منهاج حياته تقليداً واعياً مع الثقة التامّة بأنّه قد أسلم نفسه إلى إرادة هادية ومهتدية، تجعل حياته مطابقة لروح القرآن وشخصيّته متأثّرة بشخصية أعظم رجل وتعيد وحدة الفكر والعمل فى وجوده ووعيه كليهما، وتخلق من ذاته المادية وذاته الروحية كلاً واحداً متسقاً قادراً على التوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة فى الحياة

كتاب (قل هذه سبيلي)


الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

حول رأي شيخ الأزهر في الوصول إلى القمر

حول رأي شيخ الأزهر في الوصول إلى القمر


عزيزي يحيى،
تحية:
وبعد فلقد إطلعت على حديث غريب منشور بجريدة ((الرأي العام)) الغراء، بعدد 20/2/1959، في باب ((الرأي العام من يوم إلى يوم)) بعنوان: ((رأي شيخ الأزهر في الوصول إلى القمر))..
والحديث غريب. ولا يمكن أن يصدر عن رجل يعرف الإسلام.. وأعتقد أنه من حق الشيخ محمد شلتوت، شيخ الأزهر، علينا أن نشك في صحة نسبة هذا الحديث إليه حتى يتبين لنا غير ذلك..
يقول الحديث المنسوب للشيخ شلتوت: ((هذا جانب بشري، تركه الإسلام، في ذاته، وفي وسائله، للعقل البشري.. ولم يحدد له طريقا، ولم يبين له فيه حقيقة – نعم لقد حث الإسلام بوجه عام على البحث في ملكوت السموات والأرض – في الشمس، وآثارها، ومحورها، ودورانها.. والقمر، وآثاره، ومحوره، ودورانه – وترك ما وراء ذلك للعقل البشري، وليس من شأن الديانات السماوية أن تكشف الحقائق الكونية.. ))
وهذا الحديث مضطرب، بادي الإضطراب، ومتهافت، ومتورط في خطأ شنيع.. فأما آية إضطرابه فهي تقريره في صدر الجملة، أن الإسلام ترك أمر محاولة الوصول إلى الكواكب الأخرى، في ذاتها، وفي وسائلها، للعقل البشري.. ثم تقريره، بعد ذلك، أن الإسلام حث، بوجه عام، على البحث في ملكوت السموات والأرض.. ووجه الصواب أن يقال: الإسلام حث على هذه المحاولة، وطلبها، واشتمل عليها، ولكن كما يشتمل المجمل على المفصل.. ونحن لدينا تجربة في ذلك بالقوانين الأساسية وبالقوانين الفرعية – فلو أن أحدا قال أن الدستور ترك أمر القوانين الفرعية، في ذاتها، وفي وسائلها، للعقل البشري، لكان خطؤه واضحا، جليا، ذلك بأن القانون الأساسي – الدستور – قد وجه القانون الفرعي، ورسم خط سيره، واشتمل عليه، كما يشتمل المجمل على المفصل والأمر في هذه كالأمر في تلك.. فالإسلام وجه البحث في أمر السموات، والأرض، ورسم لها خط السير، واشتمل عليها، بأكمل مما فعل الغربيون بالعلم المادي وحده.. فهو قد طلب إلينا أن نعرف صورها، وأن نعرف حقائقها المستكنة وراء الصور، ((سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق.. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟؟ )) وهذا الإستطراد الأخير يدلنا على الخطأ الشنيع الذي اشتملت عليه العبارة ((وليس من شأن الديانات السماوية أن تكشف الحقائق الكونية)) اللهم أن هذا الحديث لا يقوله رجل يعرف طرفا صالحا عن الإسلام..
والحديث المنسوب للشيخ شلتوت يكشف عن جهل فاضح بالآية الكريمة ((يسألونك عن الأهلة، قل: هي مواقيت للناس، والحج.. وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من إتقى، واتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله، لعلكم تفلحون)).. فالحديث الغريب يقول هنا ((والآية تشير إلى أن التوجه إلى بحث الكائنات، أو تفسير الشرائع السماوية بالسنن الكونية، إتيان للبيوت بظهورها. ))
إن بعض الناس ينسب لابن عباس أن معاذ بن جبل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسرار الأهلة – عن ملكوتها – فنزلت الآية.. وهي لا ((تشير إلى أن التوجه إلى بحث الكائنات، أو تفسير الشرائع السماوية بالسنن الكونية، إتيان للبيوت بظهورها))، كما يزعم الحديث المنسوب للشيخ شلتوت، وإنما تشير إلى أن سؤال الرسول عن ملكوت السموات والأرض إتيان للبيوت من ظهورها.. ذلك بأن وظيفة الرسول إنما هي أن يبين للناس الشريعة ليعملوا، فيتوصلوا بعلمهم بظاهر الشريعة إلى ((الحقيقة))، وهي الملكوت، لأن تعريف الدين للناس ((بالحقيقة)) إنما هو نتيجة تجربة فردية يأتيها الناس وفق الشريعة، وليست نتيجة تلقين يتلقاه الناس، وهم متكئون على هينتهم.. فمن طلب من الرسول معرفة ملكوت السموات والأرض فقد أتى البيوت من ظهورها.. ولقد وردت الإشارة إلى ((الحقيقة)) في الآية الكريمة بكلمة ((البر)).. ووردت الإشارة إلى الشريعة بكلمة ((إتقى)) ومعناها إئتمر، وانتهى، بأوامر الشريعة ، ونواهيها.. قوله تعالى: ((واتقوا الله لعلكم تفلحون)) معناه: تعلموا ((الشريعة)) عن الرسول، وأعملوا بها، لعلكم تفلحون في معرفة ((الحقيقة)) التي هي مطلب كل حي، شعر أو لم يشعر..
وفي قوله تعالى: ((ولكن البر من إتقى)) قرن بين ((الحقيقة)) ((والشريعة)) وتلك إشارة لطيفة إلى أن الشريعة طرف من الحقيقة.
ولقد وردت جملة في ختام هذا الحديث المنسوب للشيخ شلتوت هي قوله: ((فعلى الناس أن يريحوا أنفسهم من تكلف تطبيق القرآن، أو تفسيره، أو إحتوائه على مظاهر الكون.. فالكون كتاب والقرآن كتاب.. والقرآن يدفع بالناس إلى الحديث عن مظاهر الكون، وتقصي سنن الله فيه، وليس من شأن الرسالات الإلهية سوى ذلك، فلا تحملوها أكثر مما حمله الله لها)).
وهذه الجملة، أكثر من أي شيء غيرها، تشككني في صحة نسب هذا الحديث إلى الشيخ شلتوت، شيخ الأزهر الشريف..وإني لأحملك، ياعزيزي يحيى، عن طريق صحيفتك الغراء مهمة التحقق من نسبة هذا الحديث الغريب، ولو بالإتصال المباشر بينك وبين الشيخ الجليل...

هذا وإليك مني أزكى التحيات..
7 مارس 1959م
أنباء السودان