((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

مشاكل التربية الأساسية فى الشـرق الأوسـط - تعقيب على البروفسير جاك بيرل

مشاكل التربية الأساسية فى الشـرق الأوسـط - تعقيب على البروفسير جاك بيرل


السيد البروفسير جاك بيرل،
أستاذ علم الإجتماع بجامعة السوربون،
سيدي البروفسير، تحية..
وبعد: فلقد سعدت، فيمن سعد، بالإستماع إلى تقديمك الشيق، البارحة، بدار الثقافة، لموضوع ((مشاكل التربية الأساسية في الشرق الأوسط)) ولم يسعفنا الوقت، وقد هاجت الريح، وانهمر المطر، بمناقشة هذا الموضوع الحيوي، مناقشة مستفيضة مما جعل في نفسي منه شيئا أحب أن أسوق بعضه إليك، في هذا الخطاب القصير:
فلقد ذكرت، ياسيدي البروفسير، أمورا كثيرة هامة، قد أعود إلى مناقشتها في فرصة أخرى، لا سيما إذا تكرم سيدي فنشر على الناس حديثه الموجز، الشيق في تقديم ذلك الموضوع الهام..
سأتعرض في هذا الخطاب لأمرين، ورد ذكرهما في حديثك: أولهما أمر الإضطراب الذي يلف حياة الأفراد، وحياة الجماعة، في الوقت الحاضر.. وثانيهما التوفيق بين ثقافتين: ثقافة موروثة قديمة، هي، في الغالب الأعم، روحية، أخلاقية.. وثقافة محدثة هي المدنية الغربية الصناعية الآلية.. ويبدو أنك ترد المشكلة الكبرى، في التعليم الأساسي في الشرق الأوسط، إلى صعوبة التوفيق بين هاتين المدنيتين. إني أحب هنا، بكل إحترام أن أقترح على سيدي البروفسير رأيا، قد يبدو غريبا، وهو أن التربية الأساسية هذه لا ترتفع إلى المستوى الذي يواجه مشاكلنا الحقيقية، في الآونة الحاضرة، بل، شر من هذا، أنها تصرفنا عن مشاكلنا الحقيقية..
غني عن القول أن مشاكل الشرق الأوسط، أو مشاكل أي إقليم آخر، في الوقت الحاضر، لم تعد إقليمية، على نحو ما كان عليه الأمر قبل عشرين، أو ثلاثين سنة، مثلا.. ذلك بأن مشكلة كل إقليم قد أصبحت الآن جزء من المشكلة العالمية، برمتها، فهي لا يمكن حلها في داخل حدود الإقليم الجغرافية وبصرف النظر عن المشكلة الكبرى، وإنما يجب أن تحل مشكلة كل إقليم على أسلوب يتجه في نفس الإتجاه الذي بمواصلته، إلى نهايته، تحل المشكلة العالمية الإنسانية الكبرى.. وهذه المشكلة الإنسانية الكبرى تتلخص في: أن الجنس البشري، في مجموعه مواجه بضرورة المواءمة، بين حياته، وبين بيئته، هذه الجديدة، التي يعيش فيها، على هذا الكوكب، الذي قللت سرعة المواصلات، التي تمخضت عنها المدنية الغربية الصناعية، من سلطان الزمان والمكان فيه، إلى الحد الذي جعله وحدة جغرافية.. فهذه الوحدة الجغرافية تقتضي وحدة فكرية، تكون نتيجتها المباشرة حكومة عالمية تحل مشاكل الدول المختلفة على أساس القانون، كما تحل مشاكل الأفراد في الدولة الواحدة.. وبذلك يتحقق للإنسانية السلام، والرخاء.. وهذه الضرورة التي تواجه الجنس البشري، في جملته، ضرورة ملحة، ومستعجلة، ولا تحتمل تسويفا، ولا إرجاء.. ذلك بأننا نقف اليوم في مفترق الطرق: فإما أن نرتفع في الطريق المؤدي إلى الوحدة العالمية، والحكومة العالمية، وإما أن يحل بنا ما يحل بكل مخلوق حي فشل في المواءمة بين حياته وبين بيئته..
وهذه الوحدة المطلوبة لحل مشاكل الجنس البشري على هذا الكوكب تحل، في نفس الوقت، مشكلة الفرد البشري، التي وردت الإشارة إليها في حديثك، لأنها توحد بين ذاته الروحية، وذاته المادية، وتخلق منه كلا، متسقا، قادرا على التوفيق بين المظاهر المختلفة، في البيئة الطبيعية التي يعيش فيها، وبذلك تزول الحيرة، والقلق، الذي يلف حياة المجتمع البشري، والفرد البشري، في وقتنا الحاضر..
إن التعليم الأساسي، لا في الشرق الأوسط وحده، ولكن في العالم أجمع، يجب أن يتجه إلى محو أمية المتعلمين، كما يتجه إلى محو أمية الأميين، وذلك بإعادة تعليم الرجال، والنساء، على هدي جديد، يجعلهم مواطنين، عالميين، صالحين.. أنظر إلى محو الأمية التي جاء بها الإسلام فخرجت محمدا، وأبابكر، وعمر، وأضرابهم، ممن كان بعيد النظر في حل مشاكله، ومشاكل مواطنيه..
إن الإسلام يمحو الأمية بوحدة الفكر المتجلية في كلمة ((لا إله إلا الله))، وهي كلمة سينبثق نورها، من جديد، فيعيد إلى هذا الكوكب السلام والعدل، والرخاء..
إن مشكلة المشاكل في التربية الأساسية في الشرق الأوسط هي أن المدنية الغربية بضجيجها، وعجيجها، قد صرفتنا عما عندنا من جوهر إلى ما عند غيرنا من بهرج.. هذا وتقبل، يا سيدي البروفسير، مزيد إحترامي.

جريدة السودان الجديد بتاريخ 1957/9/12