((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

بيني وبين الدكتـور الفاضـل مصطفى محمود

بيني وبين الدكتـور الفاضـل مصطفى محمود


أسئلة مجلة الأضواء السودانية

السؤال الأول:
هل يمتلك الدكتور مصطفى محمود مؤهلات المفسر العصري للقرآن؟؟
الجــواب:
مؤهلات المفسر العصري للقرآن تقوم على أمرين: أن يكون المفسر ملما إلماما صالحا بحاجة العصر.. وأن يكون عالما، علما وافيا، ودقيقا، بحقيقة القرآن.. فأما حاجة العصر فإلى الهداية.. فإن البشرية لم تكن، يوما، في التيه، كما هي اليوم.. وسمة هذا العصر هي القلق، والحيرة، والإضطراب.. هذا عصر الثورات: الثورة الثقافية، والثورة الجنسية، وثورة الشباب، وكلها دليل على القلق، والحيرة، والإضطراب.. هذا عصر ((الهيبز)).. جماعات من الشباب، من الجنسين، يزيد عددهم كل يوم، ويستطير شرهم، كل يوم، حتى عم جميع الأقطار.. يقوم مجتمعهم على الرفض، فهم قد وجدوا مجتمع الحضارة الغربية الآلية مجتمع إنتاج، واستهلاك، فقد فيه الإنسان المعاصر روحه، وقيمته، وحريته، واستحال إلى آلة، تنتج، وتستهلك، فرفضوه، ورفضوا معه كل عرف، ودين.. فزعوا إلى صور من مجتمعات الغابة فهم يلبسون المرقعات، ويسيرون حفاة، ويرسلون شعورهم، ويبيتون على الأرصفة، وفي الطرقات، ويستبيحون بينهم من العلائق الجنسية ما ظلت البشرية على صيانته حريصة، خلال تاريخها الطويل.. هم يبحثون عن حريتهم، وعن إنسانيتهم، وعن فرديتهم، فلا يجدون غير الضياع، وغير القلق، والإضطراب.. فهل عند مصطفى محمود إدراك واسع لهذه الظاهرة، وإهتمام بها، وسعي لإيجاد الهداية لها، من القرآن، بتفسيره العصري؟؟
ثم حقيقة القرآن! ما هي؟؟ هي العلم المطلق.. وعندما تأذن الله أن يسرع الإنسان في معرفة المطلق نزله من الإطلاق إلى القيد، فكانت، في قمة القيد، الإشارة، وفي قاعدة القيد، العبارة.. فأما العبارة فهي: ((الكلمة العربية)).. وأما الإشارة فهي ((حرف الهجاء العربي)) وأما حقيقة القرآن فهي فوق الإشارة، وفوق العبارة.. ثم قال تعالى في ذلك: ((حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا، عربيا، لعلكم تعقلون * وإنه، في أم الكتاب لدينا، لعلي حكيم)) فقوله ((حم)) إشارة وقوله ((والكتاب المبين)) عبارة.. وقوله: ((إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)) عبارة تعطي العلة وراء تقييد المطلق.. وقوله: ((وإنه، في أم الكتاب لدينا، لعلي حكيم)) عبارة تحكي، بقدر طاقة العبارة، عن حقيقة القرآن..
وحقيقة القرآن لا تعرف عن طريق القراءة وإنما تعرف عن طريق الممارسة في تقليد المعصوم، عبادة، وسلوكا، وهو ما سمي، في أخريات الأيام، بالتصوف.. فهل عند مصطفى محمود قدم في التصوف؟؟ لا! ولا كرامة!
إن ما أسماه الدكتور مصطفى محمود تفسيرا عصريا للقرآن ليس بتفسير، على الإطلاق، وإنما هو خواطر.. ولو قد كان للدكتور الفاضل قدم في التصوف لمنعه الورع أن يخوض فيما خاض فيه، من أمر الدين، بهذه الخواطر الفطيرة..
ومهما يكن من الأمر، فإن البشرية اليوم لا تحتاج إلى تفسير القرآن، وإنما تحتاج إلى ((تأويله)).. وليس ههنا مجال الخوض في هذا الأمر، وإنما موعدنا، مع القراء الكرام، كتاب، هو الآن تحت الإعداد، في الرد على محاولة الدكتور مصطفى محمود لما أسماه بتفسير عصري للقرآن..

السـؤال الثاني:
التشابه بين الدكتور مصطفى محمود والتفسير المسيحي للكتب المقدسة؟؟
الجــواب:
كان الكتاب المقدس محتكرا في القرون الوسطى لا يطلع عليه غير رجال الدين، حتى كانت ثورة مارتن لوثر، في القرن السادس عشر، فكسرت الإحتكار، وأحدثت ثورة في الكنيسة، وأشاعت الكتاب بين عامة المسيحيين، ثم جاءت بتفاسير ثورية، متطرفة، خرجت على التقليد الذي درجت عليه الكنيسة في روما، وأخرجت للناس المذهب البروتستانتي المعروف.. ومن يومئذ بدأت الثورة تستطير، والفرق، والمذاهب، تظهر، والرأي التقليدي في الدين المسيحي يناجز، وسلطة البابا تتحدى، إلى يومنا هذا، حتى تعرضت الكنيسة، على عهد البابا بولس السادس، لأعنف ما تعرضت له في تاريخها الطويل، من الإختلاف.. هذا هو وجه التشابه بين مصطفى محمود، والتفسير المسيحي للكتب المقدسة، على حد تعبير سؤالك، وهو تشابه بعيد، ولكنه يقارب بعضه في إعتبار أن الفهم الديني، عند من يسمون أنفسهم رجال الدين، عندما يجمد، ويتخلف، وينشر الإرهاب الفكري، يحمي به جموده وتخلفه، يدفع إلى ثورة طائشة في الفكر، والعمل.. إن تفسير الدكتور مصطفى محمود يمثل ثورة على جمود الفكر الديني، وبداية لكسر إحتكار من يسمون أنفسهم رجال الدين عندنا للدين.. هذا هو التشابه..

السؤال الثالث:
هل تأتيان، أنت ومصطفى محمود، في موضوع التفسير بجديد، أم أن الأمر هو عملية إجلاء لوجه كان من قبل مخفيا؟؟ وهل ثمة علاقة تاريخية بين التجديد في دعوتك؟؟ وبين الدعوة المسيحية في عهود الإصلاح؟؟
الجــواب:
للبدء في الإجابة على صدر هذا السؤال أبادر فأقرر أنه ليس هناك شبه بيني وبين مصطفى محمود، لا من قريب ولا من بعيد.. ولو كنت مكانه ما كتبت عن الدين، ولا تورطت في هلكة مثل الذي تورط.. ولمواصلة الرد على صدر هذا السؤال أقرر أيضا أن ما جئت به هو فهم جديد لأمر قديم، أو قل، إن شئت، هو عملية إجلاء لوجه كان من قبل خفيا ، أو كان مخفيا على حد تعبيرك .. وهذا الوجه الذى كان من قبل مخفيا هو القرآن، فإنه هو الكنز المخفي، وهو لا يزال بكرا لم يفض الأوائل منه غير ختم الغلاف.. وهذا هو التفسير، وما جئت به يتعدى التفسير إلى التأويل، وذلك أمر سترد معالجته في الكتاب الذي أعده الآن للرد على الدكتور مصطفى محمود..
وللإجابة على عجز السؤال أبادر فأقرر أن العلاقة التاريخية موجودة، ولكنها لا تتعدى العلاقة التي تنتظم تاريخ تطور الفكر البشري، حين يتسامى، للفهم الجديد، كل عهد جديد.. وأما العلاقة التاريخية، بمعنى التشابه في المبنى، أو في المعنى، فإنها تكاد تكون منقطعة تماما..
إن ما جئت به هو من الجدة بحيث أصبحت به بين أهلي كالغريب وبحسبك أن تعلم أن ما أدعو إليه هو نقطة إلتقاء الأديان جميعها، حيث تنتهي العقيدة ويبدأ العلم، وتلك نقطة يدخل منها الإنسان عهد إنسانيته، ولأول مرة في تاريخه الطويل..

السؤال الرابع:
بهذه المناسبة أين يلتقي المسلم والمسيحي، بالنسبة لأسس ديانتيهما؟ وأين يختلفان..
الجــواب:
الإسلام يهودي مسيحي.. أو قل: هو نقطة الإلتقاء بينهما.. أو قل: هو وسط بين اليهودية والمسيحية..
فحين تكون اليهودية في جانب التفريط، وتكون المسيحية في جانب الإفراط، يكون الإسلام وسطا بينهما.. ولقد قال تعالى في ذلك: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا)).. ومعنى ((لتكونوا شهداء)) لتجمعوا بين خصائص الناس من يمين، وشمال.. وكذلك جاء القرآن، جامعا، في سياق واحد، بين خصائص التوراة، وخصائص الإنجيل.. أو قل: جامعا بين اليهودية وبين المسيحية.. قال تعالى في ذلك ((وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا، وأصلح فأجره على الله.. إنه لا يحب الظالمين))..
قوله: ((وجزاء سيئة سيئة مثلها)) تحكي قول التوراة: ((العين بالعين، والسن بالسن)).. وأما قوله ((فمن عفا، وأصلح، فأجره على الله)) فيزيد على قول الإنجيل.. ((من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر)).. ويرتفع إلى مستوى قوله: ((أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا من أجل الذين يسيئون إليكم، ويطردونكم)).. ولقد جاءت شريعة المرحلة الأولى من الإسلام أقرب إلى جانب اليهود، وستجيء شريعة المرحلة الثانية منه أقرب إلى جانب النصارى، وذلك بالإرتفاع، والتطور، من آيات الفروع، إلى آيات الأصول.. ويومئذ يكون واضحا، وجليا، أن ليس هناك خلاف بين المسلم، والمسيحي، إلا خلافا واحدا هو أن المسيحية، حين أوصت بالتسامي، والنزوع إلى الكمال، لم تراع الضعف البشري، ولم تضع السلم الذي عليه يرقى الإنسان، من الضعف إلى القوة، ومن النقص إلى الكمال.. إن المسيحية لم تكن عملية، وإنما كانت نظرية، في حين أن الإسلام قد هيأ السلم الذي عليه يتم الصعود إلى الكمال الذي دعا إليه السيد المسيح، ثم لم يعد له هذا السلم.. إن الوقوف مع المرحلة الأولى من الإسلام – مرحلة العقيدة – أوهم بعض الذين لا يعرفون حقائق الدين أن هناك إختلافا بين أصول المسيحية، وأصول الإسلام، في حين أنه ليس هناك، في الحقيقة، إختلاف.. إلا إختلاف مقدار.. والإسلام، باختلاف المقدار هذا، أكمل من المسيحية، وأقدر على تحقيق وصاياها في الحيز العملي التطبيقي.. هذا كل ما هناك..

السؤال الخامس:
يشهد الوقت الحاضر توفر الرغبة للتعايش سلميا بين الأديان.. الإسلام والمسيحية، من جانب، والمسيحية واليهودية، من الجانب الآخر.. فهل يمكن أن يتم هذا التعايش دون أن تكون هناك مساومة على حساب الأديان؟؟
الجــواب:
التعايش السلمي أدنى ما يطلب من الأديان، فكيف تكون هناك مساومة على حسابها، عندما يتحقق التعايش السلمي؟؟ إن الأديان مرجوة لتوحيد الناس على المحبة، لأن الناس أخوة، من أم وأب.. وقد أغرى بينهم العداوة الجهل بحقائق أمرهم.. وستسوقهم الأديان إلى العلم بعد الجهل.. إن الأديان كلها وحدة.. وهي، في أي مستوى كانت، إنما هي مراحل من الفكرة الكبيرة التي هي الإسلام.. الأديان كلها هي الإسلام، تنزل على حكم الوقت.. تستوي في ذلك الوثنيات، والتعدديات، والتوحيديات.. والإسلام معناه الإستسلام الراضي، في غير نزاع، بين العبد والرب، ولا بين العبد وبقية العباد الآخرين.. قال النبي: ((المسلم من سلم الناس من لسانه ويده)).. هذا في معنى قول الرسول: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) أن الناس، بفضل الله، ثم بفضل الإسلام، سيعيشون في سلام ومحبة..

السؤال السادس:
في تفسير مصطفى محمود للقرآن الكثير الذي ورد متفرقا في كتبك ومحاضراتك، وهو لديك أكثر تحديدا، وقوة، ومع ذلك فإن أفكاره تجد حفاوة أكبر – فلماذا؟؟
الجــواب:
أما أنا فقد بدأت بالجانب التطبيقي في العبادة بإحياء السنة، قولا وعملا، وسلوكا، منتظرا موعود الله، حيث قال: ((واتقوا الله، ويعلمكم الله)) فلما جرى على لساني، وقلمي، وسيرتي ما علمني الله من حقائق دينه، ظنه الناس ليس من الإسلام. وما علموا: أن ما أقوله، وأسلكه، هو الإسلام، عايدا من جديد.. وأن الغرابة في هذا القول، وهذا السلوك، إنما هي لازمة من لوازم البعث الإسلامي.
ولقد حدثنا النبي فقال: ((بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، كما بدأ، فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء، يا رسول الله؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد إندثارها!! ))..
وأما الدكتور مصطفى محمود فقد جاء ببضاعة مزجاة، فجازت على مستهلكين لا يحسنون التمييز.. هذا سبب..
والسبب الثاني هو: ((عقدة الأجانب)).. فإننا، نحن السودانيين، لطول ما رزئنا به من الإذلال، فقدنا الثقة في أنفسنا، وظننا أن الخير لا يأتي من عند أنفسنا، ولا من مواطنينا، وإنما هو الخير يجيء دائما من وراء حدود بلادنا.. هذا هو السبب الآخر..
أما بعد، فلا يظنن أحد، فيما قلت، جنوحا إلى تجريح الدكتور مصطفى محمود، أو ميلا إلى الثناء على النفس، وإنما هو الحق، في بساطة ووضوح، وستمكنني الفرصة، إن شاء الله، من تبرير هذه الإجابات في الكتيب الذي سأصدره في الرد على الدكتور الفاضل، وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر..