((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

هل إنصرف المسلمون عن تقاليدهم؟ تعقيب على الدكتور طه حسين

هل إنصرف المسلمون عن تقاليدهم؟ تعقيب على الدكتور طه حسين


كتب إبن البان في جريدة السودان الجديد:
الأستاذ محمود محمد طه، رئيس الحزب الجمهوري، من كبار المهتمين بشئون الدين الإسلامي، ومن أقطابه المجتهدين في تطوره، وتمشيه مع العصر الحديث.. وله فيه من النظريات، والتفاسير، آراء وآراء، طالما احتدم النقاش حولها، ولما ينته بعد... التقيت به أمس فقلت له: أثناء المؤتمر الثقافي الإسلامي المسيحي الذي عقد في ((البندقية)) أواخر سبتمبر من هذا العام، في أثناء هذا الإجتماع حمل المستشرق الإنجليزي ((فيلبي)) على المسلمين في القرن العشرين، واتهمهم بأنهم قد تخلوا عن احترام قوانين القرآن، نتيجة لرغبتهم الشديدة في محاكاة الغرب.. وقد رد له الدكتور طه حسين الذي كان يمثل مكانة في الإجتماع فقال: ان أهم خصائص قوانين القرآن هي مرونة أحكامها بحيث تتلاءم مع الأوضاع ملاءمة عملية، سواء أكان ذلك من الناحية الأخلاقية للفرد، أو الناحية الإجتماعية، والسياسية، والظروف التاريخية... ولا ريب أن ذلك يفسح المجال لتحقيق نظام ديمقراطي حديث في البلاد الإسلامية دون الخروج عن قوانين القرآن نصا، وروحا.. ورجوت الأستاذ محمود أن يحدث قراء السودان الجديد معلقا على حملة المستشرق، ومعقبا على الدكتور، فتفضل قائلا:
اما قول المستشرق ((فيلبي)): أن المسلمين، في القرن العشرين، قد تخلوا عن احترام قوانين القرآن، رغبة منهم في مجاراة المدنية الغربية، فحق، لا يماري فيه رجل يحترم عقله.. ذلك بأن المدنية الغربية قد سحرت أعين المسلمين ببهرجها، وإسترهبت عقولهم بنجاح مساعيها في الحقل المادي، فتخلوا عن القرآن، وقوانين القرآن – وأما رد الدكتور طه حسين، فأخشى أن أقول أنه لا يشرف رجلا مثقفا، بله ((طه حسين)).. وهو مثل من أمثلة تهرب العاجزين حين يعجزون حتى عن مواجهة عجزهم.. فطه يقول: ((ان أهم خصائص قوانين القرآن هي مرونة أحكامها بحيث تتلاءم مع الأوضاع ملاءمة عملية)).. وهو قول يعتبر في هذا المقام أن قوانين القرآن لمرونتها تطابق المدنية الغربية مطابقة عملية.. ثم يقول بعد ذلك: ((ولا ريب أن ذلك يفسح المجال لتحقيق نظام ديمقراطي حديث في البلاد الإسلامية دون الخروج عن قوانين القرآن نصا وروحا)).. وهو قول يخدع به كثير من المسلمين أنفسهم حين يطيب لهم أن ينساقوا وراء الاتجاهات الغالبة في يسر، ولين.. والحق أن مرونة القرآن لا توصف بالمقدرة على أن تتلاءم مع الأوضاع ملاءمة عملية، وإنما توصف بالمقدرة على أن تتسع، فتشمل وجوه النشاط الفكري، والعملي، الذي يجد بتطور العقل البشري، وبالمقدرة على توجيه هذا النشاط توجيها جديدا، وصالحا، كلما ضل طريقه إلى غاياته.. وبتعبير آخر فإن القرآن لا يتلاءم مع الأوضاع وإنما يعرضها على الوضع الذي لا يرضى به بديلا، ثم يشذبها، ويهذبها، حتى تسلس له، وتنسجم معه.. ومن المألوف أن الأوضاع تحتوي على أخلاط شتى من الصالح، والطالح، ووظيفة القرآن وظيفة الميزان الذي يعطي كلا قيمته، ووزنه، وينبذ ما لا قيمة له، ولا وزن.. فمثلا المدنية الغربية التي نعى المستشرق العالم على المسلمين مجاراتها فقدت موازين القيم، فوضعت المادة قبل كل اعتبار، وجعلت الرفاهية وكدها من السعي في الحياة، والقرآن حين يعلمنا (لا إله إلا الله) يعطينا الميزان الذي به نعلم أن المادة، والرخاء، والرفاهية، جميعها، وسائل إلى تحقيق حياة الفكر، وحياة الشعور... هي وسائل ضرورية، يجب ألا تحتقر، ولا تهمل، ولكن ما ينبغي لها أن تتخذ غاية في ذاتها، كما تتخذها المدنية الغربية عامة، والشيوعية، بوجه خاص..
وقول الدكتور عند ذكره الديمقراطية الحديثة ((دون الخروج عن قوانين القرآن نصا وروحا)) خطأ ورطه فيه، إما تمليقه الرأي العام الإسلامي، وإما جهله بحقيقة الأمر، فيما يتعلق بتطوير قوانين القرآن.. والحق الذي لا مرية فيه: أن قوانين القرآن، فى نصها وروحها ، إنما هي وسيلة .. بيد أن الوسيلة فى روح القرآن، أقرب إفضاء إلى الغاية، من الوسيلة في نصه.. ولذلك لا يرى القرآن بأسا بالخروج على النص، بل ان الخروج على النص عمل يستهدفه التطور، الذي يرعاه، ويهديه القرآن.. ولنضرب لذلك مثلا.. فالقرآن نص على قانون الميراث نصا مفصلا، مع أن روح القرآن تأبى أن تقر من يعرفها، ويأخذ نفسه بها، على أن يمتلك ما يورث، وإنما تعلمه أن يصرف عنه، إلى سواه، كل ما زاد عن حاجته..
إن قوانين القرآن، في نصها، وسيلة إلى روحه.. وهي بذلك متطورة، وروح القرآن هي ((لا إله إلا الله)).. وهي وسيلة، وشيكة الإفضاء إلى الغاية منه.. وهي بذلك كالخالدة، لأنها طرف من الغاية.. والذي يسر لها الخلود مرونتها.. وسبب مرونتها شمولها.. وأيسر آيات شمولها صياغتها من نفي وإثبات.. ما من شك أن تحقيق النظام الديمقراطي الحديث، الذي ورد في رد الدكتور، أمر يستهدفه الإسلام.. وسيحققه.. وهو، في أثناء تحقيقه، لا يتمسك إلا بروح قوانين القرآن، دون نصها، وهذا أمر يحسن بالمسلمين ان يتفطنوا له..