((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

التربية بين السياسة والعلم أيضا مع الأستاذ أحمد لطفي السيد

التربية بين السياسة والعلم أيضا
مع الأستاذ أحمد لطفي السيد


السبت 27 يناير 1951
حضرة صاحب جريدة الشعب:

إطلعت بعددكم السادس على الكلمة التي كتبها لكم ((مربي الجيل)) لطفي السيد باشا عن ((التربية بين السياسة والعلم))، وقد خطر لي أن أعقب بما يأتي:
نظامان إجتماعيان قائمان الآن هما خلاصة تراث الإنسانية في عمرها الطويل.. الشيوعية والديمقراطية، وهما يشطران العالم اليوم إلى معسكرين الشرقي والغربي.. وهذان المعسكران لا يكادان يتهادنان.. وحياة الناس، من جرائهما، في قلق متصل وبلبلة منكرة.. ولقد يبدو للمراقب أن هذين النظامين يقومان على النقيض.. بل لقد ظن بعض المفكرين أن أحد هذين المعسكرين يمثل العدالة الإجتماعية، والآخر يمثل الحرية.. والذي لا شك فيه أن الشيوعية تمثل العدالة الإجتماعية وتهدر حق الفرد في الحرية الفردية المطلقة، فتخضعه، إخضاعا تاما، لمصلحة الجماعة والذي لا شك فيه أن الديمقراطية لا تمثل الحرية، ولا تمثل العدالة الإجتماعية، فلم تبلغ في ذلك طائلا.. ولن تنتهي هذه الحالة المؤلمة، التي يعيش الناس فيها، إلا إذا تم التوفيق بين العدالة الإجتماعية، والحرية، في نظام واحد، يخضع له العالم أجمع.. والعدالة الإجتماعية وسيلة إلى الحرية الفردية المطلقة – أعني المطلقة – وليست بديلا عنها، كما ظن فلاسفة الشيوعية.. والحرية المطلقة هي الوسيلة الوحيدة التي بها يحقق كل إنسان إنسانيته.. فالتوفيق بين العدالة الإجتماعية، والحرية الفردية المطلقة، هي الفلسفة التي يقف العالم اليوم في حاجة شديدة إليها.. وهي حاجة لم يكن له بها سابق عهد.. ومسألة التوفيق بين العدالة الإجتماعية، والحرية الفردية المطلقة، هي قضية التربية.. وهي، بعد كل ما يقال، ليست أكثر، ولا أقل، من تنسيق ما هو وسيلة ((المجتمع الصالح)) مع ما هو غاية ((الفرد السعيد)).
والعالم اليوم لا ينقصه الجد، ولا تنقصه الرغبة في ((تحقيق مبادئ الحق والعدل.. )) وإنما تنقصه المعرفة بطرائق تلك المبادئ.. بل ليس للعالم، منذ اليوم معدى عن طريق الحق والعدل.. فإن جميع القوى قد تضافرت على إعداده لسلوك ذلك الطريق.. فقد صار هذا الكوكب الذي نعيش فيه وحدة ربطت وسائل العلم بين أجزائه، حتى لقد أصبح أي حادث ذي خطر في أي جزء من أجزائه، وإن قل خطره، يؤثر على سير الحوادث، وفرص الحياة في سائره..
ما هي حاجة العالم اليوم؟؟ حكومة عالمية، توحد الإنسانية، تحت قانون واحد، ينظم علائق الأفراد، والجماعات، على هدي العلم، وعواطف المرحمة، ووشائج القربى، بين أفراد الأسرة البشرية، كما ينظم قانون الحق والعدل علائق الكواكب والنجوم الدائرة في مداراتها، وأفلاكها الرهيبة، فإن الأحياء، على هذا الكوكب الذي نعيش فيه، كالأجرام السماوية، لن يستقيم لهم أمرهم إلا إذا خضعوا لقانون واحد، وإلا إذا داروا حول مركز واحد..
وسيقول قائل فمن أين للبشرية بهذا القانون؟؟ وسأقول أن هذا القانون هو القرآن.. وأريد أن أكون مفهوما!! فإني لا أعني بهذا القانون التشريع الإسلامي الذي يلوكه فقهاء المسلمين اليوم، فإن ذلك تشريع قد كان له يومه، ولقد كانت له مجموعته، وقد خدم أغراضه.. خدمها حتى استنفدها.. فلم يبق أمامنا إلا استخلاص ما لا يزال منه صالحا لمجموعتنا الحاضرة، ثم المضي في إتمام التشريع على هدي القرآن.. وأريد أن أكون مفهوما أيضا!! فإني لا أعني ((بالتشريع الإسلامي)) إلا ما يتعلق منه بالعادات دون العبادات.. ثم أريد أن أكون مفهوما للمرة الثالثة!! فإني لا أعني ((بمجموعتنا الحاضرة)) مجموعة وطنية، ولا مجموعة عنصرية، وإنما هي الإنسانية حيث وجدت..
وهناك شيء أريد أن أصرف أذهان السودانيين عنه، فإن الباشا قد ختم كلمته بقوله: ((فالنصيحة العملية أنكم في السودان تسلكون السبيل المطروق الآن، حتى يتبين أن المذهب السياسي الجديد الذي ينبغي أن ترمي إليه التربية محقق بالفعل)).. وتلك نصيحة مؤسفة، لدلالتها على فقدان قادة المسلمين الثقة في أنفسهم، وتعليقهم كل رجاء لهم في الخلاص بالغرب، وإزماعهم السير في ركابه على ((سبيله المطروق))، حتى ولو أدى به ذلك السبيل إلى التردي في الهاوية..
أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم.. وأن القرآن هو قانونه.. وأن السودان، إذ يقدم ذلك القانون في صورته العملية، المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن، وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب.. ولا يهولن أحدا هذا القول، لكون السودان جاهلا، خاملا، صغيرا، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض، بأسباب السماء..
وما الذي أريد أن أصرف أذهان السودانيين إليه، حين أصرفهم عن نصيحة الباشا؟؟ جددوا الثقة بربكم، فاستعيدوا الثقة بأنفسكم.. ثم اقبلوا على كتابكم – كتاب الأجيال – بعقول مبرأة من أوضار الجهالات، واعلموا أن أكرم شيء عند ربكم حرية الفكر المخلص، ثم اضربوا بعصاكم معتكر الظلام، ينفرج عن مهيع الحق الأبلج.. لكم في ذلكم مفازة، وللعالم فيه منجى.

محمود محمد طه
جريدة الشعب