((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

خطاب إلى اللواء محمد نجيب

خطاب إلى اللواء محمد نجيب


في يوم 18/8/1952
الأخ الكريم اللواء محمد نجيب
تحية مباركة..
أما بعد فإن مسألة خلع الملك عن العرش، بالطريقة التي تمت بها، توفيق كبير.. ولكن ينبغي ألا تحمل أكثر مما تحمل من دلائل النجاح، وإنما يجب أن ينظر إليها على أنها مسألة لها ما بعدها.. وسيكون الحكم لها، أو عليها، على ضوء ما يحصل عليه العهد الجديد من نجاح، أو من إخفاق.. وإنه لحق أن العهد القديم قد بلغ من الفساد حدا يكاد يجعل أي عهد يأتي بعده، مهما كان حظه من الإصلاح ضئيلا، عهدا مقبولا.. ولكنه حق أيضا أن الملك السابق، رغم فساد حكمه، قد كان عامل إستقرار ضد الفوضى.. وسيكون هذا الإنقلاب شرا على مصر إن استجر بها إلى عدم الإستقرار.. والحزم يقضي بألا تستبعد هذا الإحتمال، بدافع من التفاؤل، وحسن الظن.. ذلك بأن هذا الإنقلاب ثورة.. وفي كل ثورة قدر من التفريط، والإفراط، يتداعى بأمور الناس إلى الفوضى، في يسر، وسرعة، وهم لا يشعرون.. ولا يدرأ عن مصر سوء المنقلب إلا أمران: الحزم، والفهم.. أما الحزم فيقضي بأن تتولى كل أمور مصر بنفسك وأن تكون، في غير مواربة، ولا رياء، المسئول الأول والأخير، أمام الشعب المصري، وأمام العالم أجمع، عن استقرار العهد الجديد في البلاد.. وأن تستخدم، من الساسة من شئت، ومن الخبراء، والفنيين، المصريين والأجانب، من استطعت.. على أن يكونوا مستشارين، وأعوانا، ومنفذين، مسئولين أمامك أنت، وتحاسب أنت على سيئات أعمالهم، أكثر مما يحاسبون.. ولا تخافن اسم ((الدكتاتور))، إن كنت تقدر على أن تكون ((دكتاتورا)) مصلحا.. فإن عيب ((الدكتاتورية)) ليس في ذاتها، وإنما هو في أعمالها.. فإن أحسنت، فهي خير وسائل حكم عهود الإنقلاب.. وهي خير وسائل الحكومات لدى الشعوب المتأخرة، على كل حال..
وأما الفهم فيقضي بأن تكون لك رسالة تبلغها الشعب، وتأخذه بها، وتجعل كل مرافق الحياة الإقتصادية، والإجتماعية، وسيلة إلى بلوغها.. واعلم أن الشعب لا ينصلح بمجرد توفير الرخاء المادي، ذلك بأن الإنسان لا يعيش بالرغيف وحده، كما يظن الشيوعيون.. وإنما يعيش بالرغيف وشيء وراءه، أهم منه، هو القيم الروحية التي تطهر القلب، وتصفي الذهن، وتسمو بالأخلاق.. وأنت رجل مسلم، من شعب مسلم، قد ضل الطريق إلى المناهل التي ارتوى منها أوائله، فعب من الكدر الآسن ما قعد به عن رحاب الحياة السعيدة.. فهل فكرت في رد القطيع الضال إلى المهيع الأفيح من شريعة القرآن، وأخلاق القرآن؟؟ هل فكرت أن تقوم بإنقلاب في مناهج التعليم، ومرافق الصحة، ووسائل التغذية، وأساليب السكن، على هدى الدستور الأزلي، القرآن؟؟.. والفساد في مصر ليس سببه الملك، وليس سببه الساسة، والأعوان، الذين تعاونوا مع الملك.. بل إن الملك، وأعوانه، هم، أنفسهم، ضحايا لا يملكون أن يمتنعوا عن الفساد، أو أن يدفعوه عنهم.. فإن أردت أن تلتمس أسباب الفساد، فالتمسها في هذه الحياة المصرية، في جميع طبقاتها، وجميع أقاليمها، تلك الحياة التي أقامت أخلاقها، إما على قشور الإسلام، أو على قشور المدنية الغربية، أو على مزاج منهما.. وأنت لن تصلح مصر، أو تدفع عنها الفساد، إلا إذا رددتها إلى أصول الأخلاق، حيث يكون ضمير كل رجل عليه رقيبا..
من أنت؟؟ هل أنت صاحب رسالة في الإصلاح فتسير بشعب مصر إلى منازل التشريف؟؟ أم هل أنت رجل حانق، جاء به ظرف عابر، ليقلب نظاما فاسدا، ثم يضرب ذات اليمين، وذات الشمال، حتى ينتهي به المطاف، إما إلى الخير، وإما إلى الشر؟؟
ذلك هو السؤال الذي يترقب التاريخ جوابه.. فانظر حيث تجعل نفسك.. فإنك رجل مجازى بالإحسان، مـأخوذ بالإجترام..
وشيء آخر، نحب أن نشير إليه، هو علاقة مصر بالسودان، فإنها قامت، ولا تزال تقوم، على فهم سيء.. فإن أنت استقبلتها بعقل القوي فتستطيع أن تبرئها مما تتسم به الآن من المطمع المستخفي، والعطف المستعلن، فإن السودانيين قوم يؤذيهم أن يطمع طامع فيما يحمون، كما يؤذيهم أن يبالغ في العطف عليهم العاطفون..

محمود محمد طه