في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الكتاب الثاني من سلسلة رسائل ومقالات

الأمر التكويني والأمر التشريعي!! ما هما؟؟


كوستي في 20/ 7/ 1961م
عزيزي موسى:

السلام عليك من عند الله، سلاما زاكيا،
أما بعد: فإني استعين الله في الوفاء لك بما وعدت.. وقديما قيل أنجز حر ما وعد.. فالله أسأل أن يجعلنا (أعني البشرية كلها) أحرارا، فالأحرار وحدهم هم الرجال.
ولنبدأ بسؤالك الأخير الذي ذكرته لي يوم ان التقينا للمرة الأخيرة بالمحطة وهو: كيف يكون التوفيق بين قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا..) وقوله تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)؟؟ وأنت لا شك تذكر ما أتحدث به دائما من أن للقرآن معنى بعيدا ، ومعنى قريبا .. وهو يسوق المعنيين دائما في سياق واحد... فمن الناس من يفهم المعنى البعيد، وذلك قصاراه.. ومنهم من يفهم المعنى القريب، وذلك قصاراه... ومنهم من يلمح المعنيين معا.. وهؤلاء هم المحققون، بما وفقهم الله تعالى.. وهذا الذي أتحدث عنه هو معنى قوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم، وقلوبهم، إلى ذكر الله،.. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء... ومن يضلل الله فما له من هاد..). فمعنى مثاني، هنا: أنه ذو معنيين، اثنين، يساقان معا، في سياق واحد.. وسر ذلك أن الله تعالى خلق بالذات، وخلق بالأسماء، وبالصفات.. ثم حجب الذات بالأسماء، وحجب الأسماء بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، وأخفى سر الفعل في المفعول.. والأمر كله أمر تنزلات، ففي البدء – (ولا بدء) – كان الله، ولا شيء معه.. وتلك مرتبة الذات الصرفة، أو الذات الساذج... فهي لا تعرف، ولا تسمى، ولا توصف: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون).. ثم كان التنزل الأول.. فكانت كلمة "الله".. وهي، في معناها القريب، إسم للمحدث الكامل – الإنسان الكامل – وهي في معناها البعيد، ليست إلا إشارة، بسيطة، غامضة، قاصرة، إلى (القديم) - إلى الذات – التي لا توصف، ولا تسمى، ولا تعرف، وإنما يشعر بها جميع الخلائق. شعورا يتفق، في الأصل، ويختلف، في المقدار، باختلاف تحصيل كل محصل، وعلم كل عالم: (ولا يحيطون بشيء من علمه، إلا بما شاء..) فالتنزل الأول، من الذات الساذج، إلى مرتبة الأسماء (الله). ثم التنزل الثاني، من مرتبة الأسماء، إلى مرتبة الصفات (الرحمن) – ولقد قال تعالى: (قل ادعو الله، أو ادعو الرحمن.. أيا ما تدعو، فله الأسماء الحسنى).. (فالرحمن) في طرفها الأعلى، ملحق بالأسماء، وفي طرفها الأدنى، ((وهذا مجرد تعبير للتفهيم، وإلا، فلا أعلى ولا أدنى)) ملحق بالصفات – وتليها في التنزل صفة (الرحيم) وهي صفة مطلقة.. وقد أثر عن عيسى عليه السلام أنه قال: (الرحمن) رحمن الدنيا، والآخرة.. و(الرحيم) رحيم الآخرة.. وكلا الصفتين خاص بالرحمة، غير أن الرحمة (بالرحمن) أعم، (وبالرحيم) أخص.. (وكان بالمؤمنين رحيما).. ومعنى الرحمة أنها نهاية العلم، ونهاية الحكمة، ونهاية الرأفة.. وهذا المعنى هو الذي يراد، حين نتحدث عن: (إرادة الله) فإنها من الرحمة بحيث يجب أن نرضى بها، وإن جرت بخلاف ما تهوى أنفسنا، وذلك ثقة بالله لأننا، لما كنا في نهاية الجهل، فقد تهوى أنفسنا شيئا وهو شر لنا.. فكان الحزم يقضي بما يريد لنا (الحكيم الرحيم) لأنه أعلم بمصلحتنا منا، وأرأف بنا منا.. وهذا الحديث عما تهوى أنفسنا، وما تبغض، يسوقك إلى معرفة أن رحمة (الرحمن) تشمل الضدين – تشمل ما نسميه خيرا، وتشمل ما نسميه شرا.. ولقد قلنا: أن الرحمة هي (الإرادة) فإذا، جئنا (للأمر) وجدناه على مرتبتين، وذلك باعتبار التنزلات التي تحدثنا عنها آنفا: مرتبة فوق (الإرادة) ومرتبة تحت (الإرادة) وهذا أيضا مجرد تعبير للتفهيم.. فإذا فكرت في أن معرفة الله، بالنسبة للعبد، أشبه بمراقي السلم – من الله ذي المعارج – والمعارج هي المراقي في المعرفة، أدركت معنى قولنا السابق في أن الأمر له مرتبتان، واحدة فوق الإرادة، والأخرى تحتها.. (فالأمر) الذي فوق (الإرادة)، كقوله تعالى: (إنما أمره، إذا أراد شيئا، أن يقول له: كن!! فيكون..).. أو مثل قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر* وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر).. (والأمر) الذي تحت (الإرادة) كقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى.. وينهى عن الفحشاء، والمنكر، والبغي.. يعظكم.. لعلكم تذكرون..).. وكقوله تعالى، في إبليس: (قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟؟ قال أنا خير منه.. خلقتني من نار، وخلقته من طين!!).. فإذا علمنا ذلك، عن المعنى البعيد، وعن المعنى القريب، لكلمة (الأمر) اتضح لنا أنه لا تعارض في قول الله في الآيتين اللتين تستفسر عنهما.. قال تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا..) فهذا (الأمر) هو الذي فوق (الإرادة).. وهو بذلك شامل للضدين: الخير، والشر، وموحد لهما، جميعا، في معنى الرحمة.. ففي تدمير القرية خير لها، حتى أن أهلها لو اطلعوا على حقيقة الأمر لاختاروا التدمير، ورضوا به.. ولكنهم في حالة حجابهم، وجهلهم، يسخطونه، ولا يرضون به: (إن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون).. وستسأل أنت: ولكن إذا فسق المترفون فما ذنب القرية حتى تدمر بفسقهم، والله تعالى يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)؟؟ وجواب سؤالك مضمن في الفاءات المتعاقبة في الآية الكريمة (((ف) فسقوا فيها)) (((ف) حق عليها القول)) (((ف) دمرناها تدميرا))... لأن هذه الفاءات إنما تفيد تراخي الزمن.. فكأن الفسق وقع من المترفين، حين عبر عنه تعالى بقوله: (ففسقوا فيها)، ثم جاءت فاء (فحق)، فأفادت، في تراخي الزمن، أن أهل القرية كانوا، في بادئ أمرهم، أو قل كان منهم، من يقاوم هذا الفسق بيده، وذلك لكثرة ناصريهم، ولقلة ، وضعف المترفين، الفاسقين.. ثم تراخى الزمن، فقل المقاومون للفسق بأيديهم، وكثر المترفون الفساق، فلم يكن من خيرة لأهل القرية إلا أن يقاوموا الفساد، والفسق، بألسنتهم.. ثم تراخى الزمن، وزاد على تراخيه عدد المترفين الفساق، وقوي أمرهم، وقل عدد، وضعف أمر، المقاومين للفسق من أهل القرية، حتى أصبحوا لا يستطيعون أن يجهروا بمقاومة الفسق بألسنتهم، ولا يستطيعوا، إلا أن ينكروا الفسق بقلوبهم.. ثم تراخى الزمن ، وانتقل الجيل الذى بقي ممن ينكرون الفسق بقلوبهم.. وخلف خلف جديد، أضاعوا الصلوات، واتبعوا الفساد.. ومن الجانب الآخر، قوي أمر المترفين، حتى أصبحوا الغالبين، والآمرين الناهين في القرية، ولم يبق فيها إلا تابع لهم، مغتبط بهم، متزلف إليهم، راض عنهم.. ولم يعد في أهل القرية واحد ينكر الفسق، حتى بقلبه، وهو أضعف الإيمان، فهذا التدرج في الإنحطاط هو معنى قوله تعالى: (فحق عليها القول)..
ولقد قرأ بعض القراء وإذا أردنا أن نهلك قرية (أمرنا مترفيها)، أي جعلناهم الأمراء.. وأنت تعرف القولة المأثورة: (الناس على دين ملوكهم)، وذلك لأنك أنت قد تستطيع أن تقاوم الفساد ما دام لا يملك إلا وسائل الفساد، كالثروة، مثلا، ولكن الأمر يصبح جد عسير إذا كان الفساد يملك، مع الثروة، السلطة الفاعلة، التاركة.. فأنت، في الأول، لا تستضر، أو لا تكاد تستضر، بشيء، في أمر من أمورك، حين تقاوم فسق الفاسق المترف.. ولكنك، حين يصبح صاحبنا المترف، هو، إلى ترفه، صاحب الأمر، والنهي، تتعرض لعنت شديد، إذا قاومت فسقه.. وهذا العنت لا يصبر عليه إلا أولو العزم، وهم قليل، ويقلون كل يوم من أيام بعض الحقب المظلمة، المتعرضة للإمتحان.. ف (أمرنا) هنا في الآية، معناها قريب من (أردنا) لهم، و(كتبنا) عليهم، في (الأزل)، بمقتضى الحكمة السابقة.. ولا تكون (اللاحقة) إلا وفقا (للسابقة) وحكمة الله محيطة (بالسابقة) و (باللاحقة).. فإذا ما جئنا لقوله تعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها.. قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء.. أتقولون على الله ما لا تعلمون؟؟* قل: أمر ربي بالقسط.. وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد.. وادعوه، مخلصين له الدين، كما بدأكم تعودون..) وجدنا أن (الأمر) هنا هو (الأمر) الذي تحت (الإرادة) وهو المقابل (للنهي).. وتلك منطقة (الشريعة) كما أن الأول منطقة (الحقيقة).. والله تعالى ينقل الناس (بالشريعة) إلى (الحقيقة)..
ولقد سقت لك، في هذا الكتاب: مثلين، فيما سبق من أمثلة، للأمر الذي في منطقة الشريعة.. وفي هذه الآية الأخيرة مثال ثالث: (قل أمر ربي بالقسط الآية)، والأمثلة على ذلك في القرآن كثيرة، راجعها، بنفسك في المصحف، وأحصها، تجد بذلك متعة كبيرة.. فكأن معنى الآية هنا: أن الله لا يرسل رسلا بشرائعه، ويؤيدهم بآياته، ثم يأمر، على ألسنتهم، بالفحشاء.. وحين قالوا: (والله أمرنا بها)، قال الله، في الزراية عليهم: (أتقولون على الله ما لا تعلمون؟؟) وفي تلك إشارة لطيفة إلى أن قولهم هذا ليس باطلا، مطلق البطلان، ولكنهم هم لا يعلمون مبلغ ما فيه، من البطلان، ومن الحق، حين قالوه.. وإنما أرادوا به إبطال الشريعة السمحة، التي جاءت لتنقلهم، نقلة جديدة، عما وجدوا عليه آباءهم، من العادات الذميمة.. وفي ذلك رد لطيف أيضا على من يحتج بالحقيقة، بدون أن يأتيها عن طريق الشريعة، لأنه لم يأت البيوت من أبوابها.. وهذا مثل قول الله تعالى، حكاية عنهم: (وإذا قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا، للذين آمنوا، أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟؟ إن أنتم إلا في ضلال مبين..).. ففي الحقيقة أن الله يطعم الناس جميعا.. ولكن إقتضت حكمته أن يجعل أرزاق الناس بواسطة بعضهم، بعضا، حتى يقوم التكافل، ويتم العمران.. فإنهم قد ذهلوا عن الحكمة التي أوجبت الشريعة، واحتجوا بالحقيقة.. فكان قولهم، من ثم باطلا.. فإذا رأيت أن هذا القدر من الرد يكفيك، وإلا فاكتب لي عما عنَّ لك..
والآن فلننظر في سؤالك الثاني.. وهو سؤال مزمن منك، في مسألة مزمنة من العلم.. أنت تسأل عن آية الكهف: (من يهد الله فهو المهتد.. ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) فإذا كان الأمر كذلك ففيم العقاب؟؟
والجواب على سؤالك قد يأخذ شرحا طويلا جدا.. ولكني أريد أن أختصره، وأترك لك الباقي... أولا، هذه الآية حق لا شك فيه.. والمطلوب الوصول إلى استيقان هذا الحق، عن طريق الشريعة، بالعمل المتدرج على التخلص من أوهام (الإرادة) البشرية، حتى تفضي هذه الممارسة بالسالك إلى استيقان تلك الحقيقة، وهي أن الهدى، والضلال، من الله.. فإذا كان السالك لم يتخلص من إرادته، فإنه يعذب بإرادته هذه.. والعذاب إنما المقصود منه زيادة اللجأ إلى الله، وإظهار التذلل له، حتى يتم الخلاص من وهم الحرية المستقلة.. فإذا تم الخلاص من الوهم لم يكن إلا العلم.. وإذا صفا العلم كان العبد كالظل لمولاه، يتحرك حيث يحركه، ويسكن حيث يسكنه، من غير اعتراض، أو خاطر اعتراض.. فإذا كان العبد كذلك كانت إرادته إرادة مولاه.. وكان علمه علم مولاه.. وكانت قدرته قدرة مولاه.. فاصبح حرا من الوهم، والجهل، والعجز، والموت.. وصار حيا، وعالما، ومريدا، وقادرا، حياة الله، وإرادة الله، وقدرة الله، وصار (الله).. وهيهات!!
فتفطن، واقرأ هذا الخطاب، من أوله، مرة ثانية، واستعن بالله، ثم بصلاة الليل، وصيام النهار.. ودم في حفظ الله، وتوفيقه، فإني أسأله تعالى أن يجعلك من أرباب البصائر والأبصار.
إنه سميع مجيب..

المخلص
محمود محمد طه