في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الكتاب الثاني من سلسلة رسائل ومقالات

إيمان المقلد!! هل به نجاة؟؟


حضرة السيد السر محمد أحمد
لقد إطلعت على سؤالك الموجه لي في صحيفة (أنباء السودان) الغراء، بتاريخ السبت 4 أبريل.. والسؤال هو:-
(ولدت لأجد نفسي مسلما، عن تقليد، دون درس، أو فحص، أو إقتناع.. وغيري ولد ليجد نفسه مسيحيا، عن تقليد أيضا.. فلم أنجو أنا، ويعاقب هو؟؟ ثم هل تعتقد: أن هذا الدين الذي نأخذه تقليدا صحيح؟؟
والإيمان بالله!! إن قام على أساس التقليد هل هو صحيح ايضا؟؟)
هذا هو السؤال في جملته وهو ذو ثلاث شعب.... فاما شعبته الأولى فإن لها صورة (دنيوية)، سئلت عنها مرارا عديدة، في المقام السياسي، فيما يخص العلاقة بين الشمال، والجنوب، حين ندعو دعوة الإسلام.. وكانت الإجابة على مقتضى الحال، لا تتعدى أمر التنظيم الإداري للمواطنين في الوطن الواحد، حين تختلف أديانهم..
ولكن السؤال يوضع الان أمامي بصورته (الأخروية)، وهي صورة تتطلب الحديث عن أمر أبعد من مجرد التنظيم الإداري، ولعله من حسن التوفيق أن يوجه مثل هذا السؤال الطريف، لأنه يكشف، أو قل لأن الإجابة عليه يجب أن تكشف عن سماحة الإسلام التي لا تجارى.
كنا نقول في الإجابة على من يسأل عن مشكلة التنظيم الديني لبلد تختلف فيه الأديان: أن الإسلام لا يكره أحدا على إعتناقه، فهو يقول: (لاإكراه في الدين.. قد تبين الرشد من الغي).. ثم هو إنما يبني تشريعه على القيم الإنسانية التي تصون حق الفرد، وحق الجماعة، والتي تلتقي فيها الأديان جميعا، وبذلك يستطيع الرجل المهذب السلوك، بصرف النظر عن دينه، ان يتجاوب مع هذه القيم الخلقية، لأنها إنما قامت لخدمة أغراض المجتمع المتمدين، وأغراض الفرد الحر.. وكنا نقول: أن الإسلام، حين احترم الأديان الأخرى جميعا، وجعل لأهلها حق القيام بشعائرها، بمراسيمها، في إحترام وفي حرية، وضع حدا أدنى للسلوك، من تعداه أخذ بالقانون، ومن سلك في مستواه، أو فوقه، لم يسأل قانونا، عن أمر من أمور الدين، أو أمور الدنيا، واعتبر، كل ما عدا هذا الحد الأدنى، أمرا شخصيا، خاصا بالفرد، له فيه حق الحرية، وحق الصون..
والآن فإن الإجابة على سؤال السيد السر تأخذنا، كما قلت، أبعد من هذا، وتبين لنا بوضوح سماحة الإسلام، وجلالة تعليمه.. إقرأ هاتين الايتين: (قل يا أهل الكتاب!! لستم على شيء حتى تقيموا التوراة، والإنجيل، وما أنزل إليكم من ربكم، وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا، وكفرا، فلا تأس على القوم الكافرين* إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون، والنصارى، من آمن بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحا، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون..) وما أرى ان هذا بحاجة إلى شرح شارح، وإنما هو واضح... فلو أنهم أقاموا التوراة، والإنجيل، لما شاقوا محمدا، ولزادهم ما أنزل إليه من ربه نورا على نور، لا طغيانا وكفرا.. وليس هلاك من هلك من هؤلاء يأتيهم عن مخالفتهم محمدا، وإنما لأن هذه المخالفة تنهض دليلا على مخالفة وراءها، هي خيانة أمانة التوراة، والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم.. ونتج عن خيانة أمانة التوراة، والإنجيل، مفارقة القيم الأخلاقية التي تصون حق الفرد، وحق الجماعة، والتي تلتقي فيها الأديان جميعا كما سلف القول بهذا، قبل قليل.. ولقد عبرت الآية الأخيرة عن هذه القيم اجمل تعبير، وذلك حين قالت: (من آمن بالله، واليوم الاخر) فإن بهذا الإيمان صيانة حق الفرد بنفسه، في نفسه، وأما العمل الصالح فإن به صيانة حق الفرد ، وصيانة حق الجماعة.. وبين حق الفرد، وحق الجماعة، من التواشج ما يفسر سر الربط دائما، في القرآن، بين الإيمان، والعمل الصالح، مفهوم بالضرورة، وموجود، ولا يكون عمل الفرد صالحا، لنفسه ولا لمجتمعه، إلا إذا انبعث من نية صالحة.. ولقد جاءت الإشارة للنية الصالحة في عبارة الإيمان، بالله واليوم الآخر، خير مجيء... وأدنى العمل الصالح كف الأذى عن الناس.. ولذلك قلنا: أن الإسلام وضع حدا أدنى للسلوك، من تعداه أخذ بالقانون، ومن سلك في مستواه، أو فوقه، لم يسأل (منا) عن أمر من أمور الدين، أو أمر من أمور الدنيا.. فأنت لا تنجو لمجرد أنك مسلم بالتقليد، وإنما تنجو إذا يسر لك إسلامك الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح.. والمسيحي لا يهلك لمجرد أنه غير مسلم، وإنما يهلك إذا نهض عدم الإيمان وعدم القيام بالعمل الصالح.. واليك آية أخرى في هذا: (إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، من آمن بالله، واليوم الاخر، وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون)..
وشعبة سؤالك الثانية تقول: (ثم هل تعتقد أن هذا الدين الذي نأخذه تقليدا صحيح؟؟) والجواب: إن التقليد في الدين يصح بداية ولا يصح نهاية.. وهو، على كل حال، إن حمل صاحبه على الإيمان بالله، واليوم الآخر، وعلى العمل الصالح، ((وأدناه، كما قلنا آنفا، أن تكف أذاك عن الناس)) فإن فيه خيرا، وإن كان خيره لا يقاس إلى عمل من أسلم عن درس، وفهم واقتناع.. وحين قال النبي الكريم (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، إنما أراد أن ليس فيما دون ذلك حظ لمسلم.. فإن استطاع، مسلم بالتقليد، أن يكون كذلك فقد فاز – وما في دون ذلك مفازة... وشعبة سؤالك الثالثة تقول: (والإيمان بالله، إن قام على أساس التقليد، هل هو صحيح أيضا؟؟)..
والإجابة عليها كلها كالإجابة على سابقتها، فإن هذا الايمان إن حمل على العمل الصالح، وأرشد إليه، فإنه خير، وله عند الله منزلته – والمنازل عند الله شتى..
فالعبرة في كل أولئك – في المسلم المقلد، وفي المسيحي المقلد، وفي الأصلاء منهما – العبرة بالثمار... فمن طرح منهم ثمرا صالحا فهو صالح، أو طرح ثمرا طالحا فهو طالح.. وعلى هذا وذاك، وجب الثواب، أو العقاب.. و (على قدر أهل العزم تأتي العزائم)..

محمود محمد طه