((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الهوس الديني يثير الفتنة
ليصل إلى السلطة

خاتمة

خاتمة:


لقد وقع على هذه الدعوة من التشويه ما لم تمتحن به دعوة في التاريخ.. ولقد وقع هذا التشويه أكثر ما وقع، على حواشي هذه الدعوة ـ وقع على المعارف من التشويه، ما صرف كثيرا من الناس عن جوهرها.. هذا مع أن هذه المعارف لم يرد بها إلا إلى الدلالة على هذا الجوهر، وإلا إلى شحذ الهمم للإلتزام به.. وجوهر هذه الدعوة هو طريق محمد، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، هو تجويد إتّباعه وإتقان تقليده، بغير زيادة، أو نقصان.. ذلك بأن طريق محمد هو باب الدخول على الحضرة الإلهية، وهذه المعارف ما هي، في حقيقة الأمر إلا ثمرة العلم اللدني المكتسب من السير في طريق محمد.. قال تعالى: (واتقوا الله، ويعلمكم الله!! والله بكل شئ عليم) أي اعملوا بالشريعة، أول الأمر، ثم بالسنة النبوية، آخر الأمر، في إتقان واع، ويعلّمكم الله العلم اللدنّي، على تفاوت بين الحالين.. والعلم اللدنّي هو العلم الذي يؤخذ عن الله، من القرآن، بغير واسطة.. وفي هذا المستوى يجيء قول النبي الكريم (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم).. هذه الدعوة التي ندعو بها إنما هي، وحدها، اليوم، المهدية بمحمد، والهادية إليه، على هدى، وعلى بصيرة.. وهي، وحدها، اليوم، التي تقدم المعرفة التامة بمحمد ـ مقاماته القائمة بين ربه وبين خلقه، وشمائله الدالة على كمال حريته، ومناهج السلوك على طريقه، ودقائق الأدب معه..
ولكن كثيرا من الناس، وبخاصة (العلماء)، لعله لتنكبهم الجادة، لم تسترعهم هذه الدعوة إلى الطريق النبوي، ولم تحملهم على أخذها مأخذ الجد، فذهبوا يتسقطون الشبهات التي تثار حولها، فيصرفون معارفها عن غير وجهها، ويشوهونها، ويحجبون أنفسهم، ويحجبون غيرهم عنها.. ولو أمعنوا النظر، وأنصفوا الحكم، لما وجدوا أنها هي سوى (طريق محمد)، حيث تطالعهم هذه الدعوة في كتاب "طريق محمد" للأستاذ محمود محمد طه بقولها: (ثم أما بعد، فإن هذه دعوة إلى الله، داعيها محمد، وهاديها محمد.. وهي دعوة وجبت الاستجابة لها أمس، وتجب الاستجابة لها اليوم، كما وجبت أمس، وبقدر أكبر، إذ الحجة بها اليوم ألزم منها بالأمس. ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)) وإلا فلا.. يا أهل القرآن، لستم على شئ، حتى تقيموا القرآن. وإقامة القرآن كإقامة الصلاة، علم، وعمل بمقتضى العلم، وأول الأمر في الاقامتين، اتباع بإحسان، وبتجويد لعمل المعصوم.. أقام الله القرآن، وأقام الصلاة، وهدى إلى ذلك البصائر والأبصار، إنه سميع مجيب.)..
فهذه الدعوة، بما هي، في جوهرها، السير الجاد الواعي في طريق محمد، قد وقفت بهذا السير على أسرار القرآن، فقدمت فهما رشيدا، ودقيقا له.. والقرآن (لا تنقضي عجائبه) كما قال النبي الكريم.. فبقدر حسن الاتباع، والأدب مع النبي يتأتى حسن الفهم عن الله من القرآن.. وقد قال علي بن أبي طالب (ما عندنا شئ أسرّه إلينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سوى كتاب الله تعالى إلاّ أن يؤتي الله عبدا فهما من كتابه).. وهذا الفهم الذي تقدمه هذه الدعوة إنما يتوفر على حل مشكلات الأفراد، والمجتمعات المعاصرة، والتي تختلف عن مشكلات الأفراد والمجتمعات الماضية، كل الاختلاف فيتوفر على إقامة المدنية الكوكبية الجديدة، على تزاوج وشيج بين الحضارة والدين..
ولكن كثيرا من "العلماء" قد حمله سوء الفهم، أو سوء القصد، أو الاثنان معا، على إنكار هذه الدعوة، وعلى تشديد النكير عليها، فشوهوها، وذهبوا، هم أنفسهم، ضحية لهذا التشويه، حتى انصرفوا عن النظر فيها، ووطنوا أنفسهم على حربها.. وإذا كان هؤلاء "العلماء" أصحاب مصلحة في تعويق مسعى هذه الدعوة، وفي الائتمار عليها، وهم يجدون تعارضا بين مصلحتهم وبينها، فينظرون إليها نظرة الضّرة إلى الضرّة، فما بال المثقفين والمسئولين يسقطون تحت قبضة الإرهاب الديني فيلوذون بمؤامرة صمت مطبق نحو الصراع بين هذه الدعوة، وخصومها، وهو صراع ليسوا هم بمنجاة عن تبعاته من حيث هو صراع حول قيمة الحرية، أو هم يسلّمون أمر دينهم لهؤلاء "العلماء" وهم يحسبون أن الدين هو "العلماء"، فيتركون ساحة الدين لاحتكار "العلماء"، فيمنحونهم أوسع فرص التعبير، وأفعلها أثرا، بينما هم يحجرون على دعوتنا أية فرصة لممارسة حقها الأساسي في التعبير، أو أبسط حقوقها في الدفاع عن النفس..
فمتى يعلم هؤلاء وهؤلاء أن الإبطاء في الاستجابة لهذه الدعوة، ناهيك عن إنكارها، أو تخذيلها، أو الائتمار عليها إنما هو تفريط في الدين لا يورث سوى المقت الإلهي؟؟ (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب، وهو يُدعى إلى الإسلام، والله لا يهدي القوم الظالمين..)