((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الهوس الديني يثير الفتنة
ليصل إلى السلطة

من المسئول عن التمكين للهوس الديني في البلاد؟؟

الفصل الثاني

من المسئول عن التمكين للهوس الديني في البلاد؟؟



لا يمكن، كما ألمحنا في الفصل الأول، فصل مخطط الهوس الديني في مصر عن مخططه في السودان.. ولذلك فسنقدم في بداية هذا الفصل تحليلا موجزا لموجة الهوس الديني في مصر حى تتضح أبعادها، وهي تستهدف بلادنا.. وسنرى التطابق في الأهداف والمناهج بين المخططين، لا سيما وقد صارت هناك حلقات وصل وثيقة بينهما، تتمثل في مثل نشاط الشيخ المطيعي في بلادنا..

موجة الهوس الديني في مصر:


كان لتنظيم الاخوان المسلمين اليد الطولى في إشاعة موجة الهوس الديني في مصر، ومنها في البلاد الإسلامية الأخرى، وذلك عن طريق ما وضعه زعماء هذا التنظيم من أسس نظرية لهذا الهوس ومن ممارسات عملية له.. فمؤسس الدعوة حسن البنا، يدعو تنظيمه إلى تغيير الأنظمة بالقوة بقوله (فنحن حرب على كل زعيم، أو رئيس حزب، أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام، ولا السير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام) ـ (مذكرات الدعوة والداعية)، صفحة 144 دار الشهاب.. ويقول سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق): (وكما أسلفنا فإن الانطلاق بالمذهب الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة، ونظام المجتمع، وأوضاع البيئة، وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام لتحطيمها بالقوة) انتهى.. والاخوان المسلمون وهم يتحدثون عن الإسلام إنما يعنون تصورهم، هم، للإسلام، وهو تصور قاصر أشد القصور، وهو لا يدرك الحكمة من مرحلية الجهاد، كما سنبين في هذا الفصل.. وأنشأ تنظيم الاخوان المسلمين (الجهاز السري) للقيام بعمليات الاغتيال والتخريب (مذكرات حسن العشماوي)، واتهم بعدة عمليات في الاغتيال السياسي، والتخريب الارهابي.. وقام عهد فاروق، وعهد عبد الناصر بقمع وكبت هذا التنظيم، فلما جاء عهد السادات أطلق الحريات، وقام بشبه مصالحة مع التنظيمات الاسلامية فاستغلت هذه التنظيمات هذا المناخ في الازدهار من جديد، وكانت في بداية أمرها تأخذ صور الإصلاح الأخلاقي ريثما يقوى عودها فتبرز في صورتها الارهابية الحقيقية.. ذلك بأن القمع، والكبت، على عهد عبد الناصر لم يستطع القضاء على جذور هذه التنظيمات، بل إن غياب الوعي السياسي والديني، في ذلك العهد، قد ساعد على ظهور هذه التنظيمات بصورة أكثر تطرفا من ذي قبل.. فأخذت هذه التنظيمات تبسط سيطرتها على المساجد وعلى الجامعات ـ أساتذتها، وطلابها، وإداراتها، عن طريق الارهاب والعنف.. وكان لظهور حركة الخميني أثر فعال في إذكاء اتجاهات التطرف بين هذه التنظيمات.. وجاء حادث اغتيال الشيخ الذهبي (وزير الأوقاف الأسبق) وحادث الكلية الفنية العسكرية، اللذان كان وراءهما هذه التنظيمات، إيذانا ببدء المواجهة بينها وبين السلطة.. فأعلنت هذه الجماعات معارضتها لاتفاقية كامب ديفيد، وأخذت تثير العاطفة الدينية ضدها.. ولم يستطع النظام، عندها، القضاء على هذه المواجهة المتصاعدة من التطرف الديني، بسبب ضخامة عضوية جماعاته، وتغلغلها في المحافظات.. وكانت هذه الجماعات وراء الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في أسيوط والمنيا، وقد أقامت هذه الجماعات المؤتمرات التي هاجمت فيها وجود شخصيات مسيحية في الحكومة المصرية!! (الشرق الأوسط 6ـ4ـ1980)، وكانت أحداث الزاوية الحمراء، وما وقع فيها من صدام مسلح بين المسلمين والمسيحيين أبرز معالم تلك الفتنة.. وجرت حملة الاعتقالات الأخيرة، قبيل اغتيال السادات، لوقف تحركات هذه الجماعات لقلب نظام الحكم.. وكان ممن تم اعتقالهم وجرى التحقيق معهم التلمساني المرشد العام للاخوان المسلمين الذي اتهم بإثارة ائمة المساجد ضد النظام، وفي تداول مسائل تمس الوحدة الوطنية، والجزار، أمير الجماعات الاسلامية الذي اتهم بالمشاركة في الندوات والمؤتمرات والمعسكرات التي تعقدها هذه الجماعات، وبالهجوم على كامب ديفيد في المساجد..
وجرى حادث اغتيال السادات على يدي عناصر الهوس الديني. وكان مخطط الهوس يستهدف نسف منصة العرض العسكري بمن فيها من القيادات المدنية والعسكرية، وإحداث حالة من الارتباك العام في أجهزة السلطة، مما يشلها عن مواجهة تحرك هذه الجماعات في القاهرة والمحافظات للاستيلاء على الحكم.. وقد أعد التنظيم أشرطة كاسيت لإذاعة بيان ثورتهم من المساجد، ثم تحريك الشعب لتأييد هذه الثورة عن طريق المساجد (الأخبار 24ـ10ـ1981).. ولكن اغتيال السادات في الدقائق الأولى وفشل المخطط في نسف المنصة أطاح بالمخطط مما مكن من كشفه، واحتوائه، وملاحقة عناصره.. وقد كشفت التحقيقات والدراسات تأثر هذه الجماعات بأفكار وممارسات الاخوان المسلمين (فقيادات جماعة التكفير والهجرة كانت من الاخوان المسلمين، وقد تأثرت هذه القيادات بحسن البنا وسيد قطب ـ المصور 30ـ10ـ1981).. وكان السادات، قبيل اغتياله، قد اتهم الاخوان المسلمين بإخفاء جهازهم السري في صورة هذه الجماعات الدينية، وأشار إلى استغلال هذه الجماعات للجامعات والمساجد في العمل لقلب نظام الحكم، وإلى دور بعض أئمة المساجد في الفتنة الطائفية) بيان السادات في الصحافة المصرية 14ـ9ـ1981) كما كشفت هذه التحقيقات تأثر هذه الجماعات بحركة الخميني، وأفكاره، وهو يدعو إلى (تشكيل الحكومة الإسلامية) وإلى (محاربة حكم الطاغوت) (الحكومة الاسلامية للخميني) فصار من دستور التنظيم الإرهابي (الإطاحة بنظام الحكم الجاهلي وإقامة الدولة على نهج الخميني) ومن دستوره (الجهاد فرض عين لقلب النظام القائم بالبلاد والعمل على التصفية الجسدية لكل من يشكل معوّقا أو خطرا أو معارضة مع فكر التنظيم).. وجاء في كتاب (الفريضة الغائبة) الذي يشكّل مذهبية هذا التنظيم (حكام هذا العصر في ردّة من الاسلام) (فواجب على المسلمين أن يرفعوا السيوف في وجه هؤلاء القادة) (أخبار اليوم 12ـ12ـ1981).. وكان من شُعب هذا التنظيم (شعبة الدعوة من خطباء المساجد والمدرسين الخ..).. بهذا التحليل الموجز لموجة الهوس الديني في مصر، والتي تسعى لاجتياح بلادنا، تبرز السمات الأساسية لهذه الموجة المتصاعدة فيما يلي:
1. القاسم المشترك بين سائر هذه التنظيمات هو تكفير الحكام، وسائر العناصر التي تعوق حركتها، واستباحة دمائهم، والسعي لقلب نظام الحكم، وفرض دولة الهوس على نهج دولة الخميني..
2. الدور الرئيسي الذي لعبته المساجد في انتشار خلايا هذه التنظيمات، وفي التأليب على السلطة، وفي إثارة الفتنة الدينية بين المسلمين والمسيحيين، وتهديد الوحدة الوطنية، وكان لبعض أئمة المساجد دور بارز في سائر هذه الأحداث..
3. إثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين كوسيلة لإثارة الهوس الديني..
4. اتجاه الجماعات الاسلامية إلى النيل من التصوف، ومن الصوفية.. فقد ذكرت مجلة "الوطن العربي" ـ 8ـ7ـ1977 أن جماعة التكفير والهجرة تدعو إلى العودة بالدين إلى منابعه وتجريده من البدع، وقد قام أعضاء هذه الجماعة بحرق أضرحة الأولياء في محافظة الشرقية!! فهذه الجماعات متأثرة بابن تيمية ("كتاب الفريضة الغائبة") وبتلميذه محمد بن عبد الوهاب، مؤسس المذهب الوهابي، والذي يقوم على تكفير الصوفية.. والوهابية لا يدعون إلى هدم قباب الأولياء، فحسب، وإنما إلى هدم قبّة النبي الكريم نفسها. جاء في كتاب لجماعة الوهابيه كتبه التقلاوي عن العقيدة، صفحة 128 قوله (إن هدم قبة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه هي أعظم ما يقوم به مسلم يرجو القربى من الله، ولا يخشى سواه) انتهى.
5. السيطرة على الجامعات وفرض صور الإرهاب عليها، واستغلالها في أهداف هذه التنظيمات في إثارة الفتنة وفي قلب نظام الحكم، على غرار الجامعات الإيرانية التي انخرط طلابها في "حرس الثورة"!!
هذه هي السمات الأساسية المشتركة بين الجماعات الإسلامية بمصر، ومن الملاحظ تأثر الجماعات الإسلامية بالسودان بهذه السمات، وبخاصة جماعة الاخوان المسلمين، وجماعة الوهابية، مما يشكل تربة خصبة لموجة الهوس الديني الوافد من مصر، ومما ينبئ عن مبلغ خطر النشاط الهدام الذي يقوم به مثل الشيخ المطيعي في إثارة الهوس والفتنة ..