((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الهوس الديني يثير الفتنة
ليصل إلى السلطة

تشويه الشيخ "للحرية الفردية المطلقة - تشويه الشيخ "لصلاة التقليد"

تشويه الشيخ "للحرية الفردية المطلقة":


ويقول الشيخ المطيعي، في ذلك الحديث التلفزيوني، إمعانا في تشويه فكرنا: (وهو ـ يعني الأستاذ محمود ـ لا يتقيد بقيد لأنه يدعو للحرية المطلقة) ومضى يقول (وهذه الحرية المطلقة التي لا تتقيد بشريعة سماوية، ولا تتقيد بآداب نبوية) انتهى.. هذا ما قاله الشيخ المطيعي عن مفهومنا للحرية الفردية المطلقة، وهو قول بادي البطلان، بادي الغرض.. وسنورد هنا بعض تعريفاتنا للحرية الفردية المطلقة كما وردت في كتبنا.. فقد جاء في كتاب (رسالة الصلاة)، صفحة 60، مانصه: (وفي الحق أن الحرية في الإسلام مطلقة، على أن تؤخذ بحقها.. وحقها، كما قلنا، حسن التصرف فيها ولا يستطيع أن يأخذها بحقها إلا من جوّد العبادة، وأوفى في ذلك بوصية المعصوم حيث قال "تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم".. فمن تخلّق بأخلاق الله فقد سار من المحدود إلى المطلق، فأحرز من استقامة السيرة، وسلامة السريرة ما يجعل نتائج عمله كلها خيرا وبرّا بالأحياء والأشياء، حتى لا يكون للقوانين عليه من سبيل) .. انتهى.. وقال الأستاذ محمود في كتاب "الثورة الثقافية"، طبعة مايو 1972، صفحة 32، ما نصه: (قد قال المعصوم: "الدين المعاملة"، وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. و "مكارم الأخلاق" هي حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة..) ويمضي النص فيقول (وحسن التصرف في الحرية، إذا كانت في قاعدتها ـ الحرية المقيدة بالقانون ـ أو في قمتها ـ الحرية المقيدة بالأخلاق ـ لا يتأتى إلا إذا تهذب الداخل، واستقام، فسلم القلب من مذام الأخلاق، وصفا العقل من أوضار الأباطيل والخرافات..) انتهى.. وهكذا فإن الحرية الفردية المطلقة هي قمة الأخلاق، لأنها هي التخلق بخلق الله الأعظم.. وهذه الحرية مقيدة في قاعدتها بالقانون، وفي قمتها بالأخلاق، وصاحبها، فيما يأتي وما يدع، لا يصدر منه إلا الخير والبر بالأحياء والأشياء.. فأين هذا المفهوم مما خرّجه الشيخ؟؟ إن الحرية الفردية المطلقة التي ذهب الشيخ يشوهها بغير علم إنما هي سنة النبي الكريم، وقد كان أقدر الناس على حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.. وفي هذا الصدد جاء في كتابنا "الرسالة الثانية من الإسلام" صفحة 22، الطبعة الخامسة، ما نصّه: (ولقد كان محمد أقدر الناس على حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة، وذلك لشدة مراقبته لربه، ولدقة محاسبته لنفسه، على كل ما يأتي وما يدع، في جانب الله، وفي جانب الناس، أليس هو القائل "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا!!" بلى!! إن حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة إنما هو سنة النبي التي طالما تحدث عنها الناس من غير أن يدركوا حقيقتها) انتهى.. هذا ما قلناه عن الحرية الفردية المطلقة، فأين هو مما قاله المطيعي عنها، بأنها "لا تتقيد بشريعة سماوية، ولا تتقيد بآداب نبوية"؟؟ ففي الوقت الذي نقول فيه أن حسن التصرف في الفردية الحرية المطلقة هي سنة النبي يقول هذا الشيخ أن هذه الحرية لا تتقيد بشريعة سماوية ولا بآداب نبوية!! تشويه واضح ليس له من دافع سوى سوء الغرض..

تشويه الشيخ "لصلاة التقليد":


ويذهب الشيخ المطيعي مذهبا مسفّا، وهو يعرّض بالأستاذ محمود بقوله: (فيجعل الصلاة تقليدية ـ صلاة تقليد.. ومعنى تقليدية أنك كالقرد حين تصلي) ويمضي فيقول (ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها"، فهنا لا يكون تقليد، وإنما يكون اتباع، اتباع في الجوهر الباطن واتباع في الهيكل الظاهر) ويمضي فيقول (هذه الصلاة ليست هيكلية فقط، وإنما لها جوهر، وجوهرها أن تعقل ما تقول، فلا تكون هذه الصلاة تقليدية، ولا صلاة هيكلية) انتهى... فالشيخ يتهمنا في حديثنا عن صلاة التقليد بأننا ننفي الجوهر الباطن للصلاة، ونقول بصلاة هيكلية فحسب!! وهذا اتهام باطل، تشهد جميع كتبنا التي أصدرناها عن الصلاة ببطلانه.. فنحن الدعاة الحقيقيون للصلاة، العارفون بأسرارها، وبقيمتها، الحريصون على الحضور فيها، العليمون بوسائل هذا الحضور، الملمّون بكيفيتها الصحيحة، وبآثارها العميقة.. ويكفي في الرد على اتهام هذا الشيخ قول الأستاذ محمود في كتاب "رسالة الصلاة"، صفحة 76، تحت عنوان: "التقليد"، حيث جاء: ("صلوا كما رأيتموني أصلي!!" هكذا أمر النبي في تبليغ رسالة ربه، فالصلاة معراج النبي بالأصالة، ومعراج الأمة من بعده بالتبعية والتقليد.. وكلمة "رأيتموني أصلي" لها معنى بعيد، ومعنى قريب.. فأما معناها البعيد فهو أن نرى بعين البصيرة حالة قلب النبي من صدق التوجه حين يقوم للصلاة) ويمضي النص فيقول (وأما معناها القريب فهو أن نرى بعين البصر حركات النبي الظاهرة في صلاته، فنتقنها أيضا.. فنحن بدون أن نراه بعين البصيرة، وبعين البصر ـ وبعبارة أخرى، بدون أن نعرف حالة قلبه وحركات جسده لا نكون قد رأيناه) انتهى.. فهل مع هذا التعريف الواضح لصلاة التقليد يمكن أن يقوم زعم بأننا نقول بأنها صلاة هيكلية فحسب، ليس فيها اتباع في الجوهر الباطن؟؟ ... وعن الاتباع الباطني في الصلاة يجيء قولنا من نفس الموضع في "رسالة الصلاة" (ويحدثنا القرآن فيقول "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" فهل يظن أحد أنه يمكن أن نحوز حب الله إذا اتبعنا النبي في ظاهر أمره من الحركات والسكنات، ثم أهملنا الاتباع الباطني) انتهى.. هكذا تقوم الحملة التي يشنها علينا هذا الشيخ بصورة منظمة، ومتصاعدة، على التشويه المنكر، فيتهمنا بما نحن على النقيض منه تماما، وهو نادرا ما يستند على حقيقة أقوالنا كما جاءت في مصادرنا، وإذا استشهد بنص منها، بتره، وصرفه عن وجهه، وذهب في تخريجات مغرضة ـ مما يبرهن على صحة ما ذهبنا إليه من أن هذا الشيخ إنما هو رأس السهم في مخطط واسع، منظّم، لتشويه فكرنا في إطار إثارة الهوس، وفرض الإرهاب.. ولسنا، بالطبع، بصدد تتبع كل صور هذا التشويه بقدر ما نسعى إلى الإشارة لدلالاته..