في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الماركسية في الميزان

من ميزان سيئات ماركس ملازمة العنف للقوة


نقطته الرابعة بتاعة: (العنف ، و القوة ، هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث أي تغيير أساسي في المجتمع) .. نقطته الخامسة بتاعة (دكتاتورية البروليتاريا) .. دي نقط كلها فيها ضعف .. وهي مما يمكنك أن تقول أنها مما يوضع في ميزان سيئاته .. الموضوع و ما فيه أنه هو ما بشوف ، للخلف و لا للأمام ، الوضع كله .. هناك في تطور جائي من الماضي ماشي للمستقبل بقوة ، يمكنك أن تقول عنها أنها قوة صماء .. هذا التطور ماشي للإنسان .. الإنسان هو قمة التطور وليس للتطور في هذا المضمار نهاية .. هذا الإنسان ما عنده إرادة مستقلة ، و إنما هو ماشي لمصير محتوم .. حتى فهم الإنسان لهذا المصير المحتوم ، و حتى علمه ، أو فلسفته إنما تعطيه إياها حركات المادة المتطورة وفق قوانين معينة .. نحن في الماضي طلعنا من الماء ، ثم من الغابة .. نحن البشر كنا بنعيش عيشة الحيوانات المائية في الماء ، و الحيوانات الوحشية في الأحراش .. و الحيوانات ، بطبيعة الحال ، قانونها قانون الغابة حيث القوي منها بيأكل الضعيف .. الحيوان المفترس ما عندو زاد يدخره ، لكن الحيوان الضعيف ، الحيوان المسكين ، الحيوان الما عندو قوة هو غذاؤه .. لغاية مجتمعنا نحن ـ المجتمع البشري ـ فإنه أقام كثيراً من الحقوق بين أفراده على خلفية من القوة ، حتى أننا ، نحن العرب ، عندنا العبارة المعروفة: (من غلب سلب) و المجتمع المتخلف حقوقه هي دائماً حقوق القوى .. القوي عندو حق لأنه قوي .. و هو بتقاضى بنفسه الحق بتاعو .. ما هو عاوز محاكم عشان ما تديهو حقه دا .. لكن هل السمة دي من سمات المجتمع هي ملازمة للمجتمع في المستقبل أم هل هي مرحلة ؟؟ أنا أفتكر أن كارل ماركس ، في جميع نقطه التي أسس عليها إشتراكيته العلمية ، قد حجب عن كونها مرحلية ، و إتخذها كالمستديمة ، و بنى عليها دراسة مستقبل التطور .. و هذا هو مكان الخطأ في فكره .. أما إن كانت دراسة لماضي التاريخ فإنها صحيحة .. و يمكنك أن تضعها في ميزان الحسنات .. لكن الماضي كونه ينسحب على المستقبل دا ما هو صحيح .. مثلا ً لو أخذت (العنف ، و القوة ، هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث أي تغيير أساسي في المجتمع) ، تجد أننا ، نحن السودانيين ، عندنا مثل يوري أن العنف ما ضروري ، لكن القوة ضرورية ..
أنا أحب أن يكون في تفريق في عبارته .. هو قال: (العنف و القوة) ضروريتان .. أما نحن فعندنا أن القوة ضرورية ، لكن العنف ما ضروري .. أنا أفتكر أن ثورة أكتوبر تدينا مثل في ذلك .. نحن في ثورة أكتوبر كنا قويين لكن ما كنا عنيفين .. القوة جاية من وحدة صفنا ، حتى الإنسان الكان يمكن أن يكون عنيف ما إستطاع أن يكون عنيفاً .. فالقلة كانت بتملك السلاح ، وكان يمكن أن توجهه ضد الشعب .. ولكن قوة الشعب أضعفتهم ، و ذهبت بعنفهم .. فإذا كان نحن ميزنا بين العنف والقوة ، أنا أفتكر الطريق ينفتح قدامنا للتطور البشري الحقيقي .. فإن القوة ضرورية ولكن العنف ما ضروري .. بل الحقيقة ، لدى الفكر الصحيح ، العنف من دلائل الضعف ، عند العنيف ، وليس من دلائل القوة .. و أنت دي بتباشرها في الحياة اليومية ، فالإنسان الواثق من نفسه قل أن يلجأ للعنف .. و أما الإنسان الضعيف فمن أول الكلام ، من أول المحاججة ، من أول النقاش ، بتلقاه نفَسه قام ، و زعل ، كأنه بقول ليك ما تتكلم تاني معاي .. فالعنف إنما هو حماية لنفسه ، أو ستر لضعفه .. و ما من ديكتاتور بطش بالناس إلا لأنه خائف .. ولكننا نحن بنعتقد أن الديكتاتور الباطش بالناس دا رجل قوي ، و إنما قام هذا ببالنا لجهلنا بحقائق الطبائع .. و الحقيقة لو هو مطمئن لنفسه ما ببطش .. فالعنف و القوة ما شرط دائماً يتقرنن مع بعض .. العنف كان سمة تاريخنا في الماضي .. القوة راح تكون سمة تطورنا في المستقبل .. أنا أعتقد أن كارل ماركس ما كان عنده خيال كافي عن المستقبل .. في نقص في فكرته عن المستقبل .. لقد كانت نظرته عملية ، و كان يخاف من الخيال ، و يتبرأ منه ، بالصورة التي تركته يحاول أن يزحف على كل الأرض ، بدون ما يكون عنده خيال واضح هو ماشي لي وين .. اللهم إلا خيالا ً يستخلصه من الماضي .. و دا هو أساس الضعف في جميع مسائله .. في النقط اللي قلناها قبيل في خطأ ، و فيها أيضاً حقيقة كويسة لدراسة التاريخ فيما مضى .. ولكن سحب صور الماضي على المستقبل خطأ ..

و في ميزان سيئات ماركس (تزييف الديمقراطية)


هنا يقع وضع ماركس في الخطأ الكبير جداً ، اللي هو ديمقراطية الطبقة المستغَلة ، الطبقة العاملة .. أو ما أسماه بإتحاد العمال ، و المزارعين ، و المثقفين الوطنيين ... دي فيها تزييف للديمقراطية مؤسف .. لأنه ، بطيبعة الحال ، الديمقراطية هي أن تختار .. يمكنك أن تقول ، من الناحية دي ، الديمقراطية هي أن تمارس أنت حق الإختيار .. لأن حق الإختيار يديك فرصة إنك أنت بتوزن ، و بتقدر بنفسك ، و بتفكر .. حق الإختيار ، أقل مراحله ، أن تختار أنت بين إثنين .. إذا كان عندنا في حزبين ، منهم مرشحين بتنافسوا ، مثلا ً ، على الرئاسة ، أنا و أنت بنمشي ندلي بأصواتنا بين زيد و عبيد .. نحن في المستوى دا ديمقراطيين .. لكن إذا كان في عندنا رجل واحد بترشح للرئاسة ، و ناس معينين بترشحو للنيابة ، نحن ممكن نمشي ، و ممكن نصوت ، لكن ، رغم ذلك ، فإن الوضع ما هو ديمقراطي .. الوضع تزييف للديمقراطية .. و تسميته بالديمقراطية من أكبر الأخطاء التي تورطت فيها الماركسية .. دي ، و ما يتبع من مسائل يمكن أن نرجع ليها هسع ، هي ثمرة الوضع عند كارل ماركس .. كون الفرد البشري ما عنده قيمة ، إذا ما قورن بالمجتمع ، دي جاية من التفكير المادي نفسه .. التفكير المادي بقول إنو المادة سابقة على العقل في الوجود .. يعني المادة أكرم من العقل .. لاحظ أن النقطة دي هي الإنبنى عليها كثير جداً .. كون العقل نتيجة للمادة دا معناهو أن المادة أكرم ما في الوجود .. المادة أكرم من العقل .. و هذا التفضيل ينسحب على الفرد .. المجتمع أهم من الفرد .. و تنسحب على مسألة الحرية الفردية .. و تجي معاها مسألة القطيع ـ مسألة الجماعة ـ ففي الماركسية الجماعة أهم من الفرد .. الحكاية بسيطة ، و جات من ملابسات أنا أفتكر أنها سطحية جداً .. زي التفسير بتاع التاريخ بالصورة دي ، السطحية فيها بطبيعة الحال موجودة .. إن الفرد البشري بطبيعته أناني ، و هو ، بطبيعته الثانية ، أناني جاهل ، لأنه نشأ ، و إرتفع ، من الحيوانية البدائية المعروفة .. الحيوان ما عنده إعتبار لغيره ، وهذا أمر معروف .. ثم إننا نحن عندما دخلنا في المجتمع لنبقى ناس كان على المجتمع أن يروضنا ، من شراسة الحيوان إلى أنسية الإنسان ، و لذلك ألقى المجتمع البدائي على الفرد البشري تكاليف كبيرة ، إلى الحدود التي جعلت الفرد البشري يضحي بيهو في سبيل الجماعة .. التضحية بالفرد البشري في سبيل الجماعة في الأديان كلها معروفة .. حتى في ديننا نحن .. القصة البتجي عن سيدنا إبراهيم لما فرض عليهو أن يضحي بإسماعيل ما جاية من الهوى ، إنما جاية من ملابسات في المجتمع الماضي الحاجة فيها ماسة .. و إبراهيم ما تردد في التنفيذ .. لكن في اللحظة ديك ربنا فداه بالحيوان .. فإنتقل البشر للضحية بالحيوان ، بعد أن كان يضحي بالبشر .. مسألة عروس النيل ، في مصر ، المشهورة في أيام عمر بن الخطاب !! فإنه قد روى أن عمرو بن العاص ، و قد كان حاكماً على مصر من قبل عمر بن الخطاب ، كان قد شعر ذات يوم بجلبة في الشارع ، فسأل عنها ، فعلم أنها عروس النيل .. و تلك عادة قديمة عند المصريين: إنهم كانوا يزفون للنيل كل عام فتاة من أجمل فتياتهم ، بكامل حليها ، و زينتها ، فتلقى في النيل ، ضحية ليفي لهم بفيضانه .. فأمر عمرو بإيقاف هذا العمل الردئ حتى يستأمر عمر .. .فلما كتب لعمر بذلك كتب عمر جوابه المشهور لنيل مصر .. قال في الجواب: من عبد الله عمر بن الخطاب ، أمير المؤمنين ، إلى نيل مصر ... أما بعد فإن كنت إنما تفيض من نفسك ، فلا تفض .. و إن كنت إنما تفيض من عند الله ففض .. و أمر عمراً بأن يرمى هذا الجواب في النيل ، ففعل .. ففاض النيل ، و أبطلت العادة من يومئذ .. هذه كلها صورة قديمة من صور التضحية بالفرد البشري .. و في إخضاع الفرد للجماعة بهذه الصورة العنيفة فائدة للفرد و فائدة للجماعة .. فأما فائدة الجماعة فواضحة ، و أما فائدة الفرد فتجئ من إنو العنف بيعينه على السيطرة على نفسه بدواعي الخوف من غضب الآلهة ، و غضب الجماعة حين يخالف القوانين .. و بسبب هذه التربية الطويلة تحت ظل الخوف أصبحت بتلقى الفرد البشري إذا ما خاف قد يكون نشاطه ضد الجماعة و من هنا أصبح قائماً في ذهن المفكرين أن الجماعة أهم منه و هو من أجلها يمكن أن تهدر حريته .. فالجماعة كالدولاب الكبير ، كله أسنان ، وما الفرد إلا سنة واحدة من هذه الأسنان ، فإذا إنترمت هذه السنة فإن الدولاب سيستمر يتحرك .. إهدار حرية الفرد في سبيل أمن الجماعة جاي من الإعتبار القائل إنو العقل جائي بعد المادة فهي من ثم أهم منه .. فما قرره كارل ماركس ، في هذا الباب ، عن ماضي التاريخ ، فهو صحيح .. ولكن ، في مستقبل التاريخ ، هل الفرد البشري لازم ليه ، ولا بد ليه ، أن يكون أناني ، وبإستمرار ؟؟ أم هو ماشي ليوعى و بالمستوى الذي يجد بيه سعادته في إسعاد الآخرين ؟؟ و يرتفع من أنانية حيوانية سفلى ، إلى أنانية إنسانية عليا ، و متفهمة ، و عالمةً ؟؟ و عندنا نحن لما قال: (يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة) هل نفى الإنانية على إطلاقها أم نفى الأنانية الجاهلة فقط ، والأنانية العالمة موجودة حتى في هذا الإيثار ؟؟ كل البشر عندهم أنانيتهم طبعاً ، ولكن ليتعلموا ، ويترقوا ، لا بد أن ترتفع أنانيتهم من أن يكون الحطام هو جزاهم إلى أن يكون جزاهم أرفع من ذلك ، اللى هو مرضاة الله ، و القرب منه ، والسعادة البلقاها في برد راحتة بمعرفته بالله .. (الخلق عيال الله ! فأحبهم إلى الله ، أنفعهم لعياله) .. و لذلك قال تعالى (يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة) .. ففي أصل المجتمع إنو ماشي يصل للأنانية الراقية ، لكنو في الماضي خاصة كانت أنانيته حيوانية وضيقة .. فكارل ماركس بنى على الماضي ، وسحبه على المستقبل ، ولذلك أخطأ هنا كما أخطأ في النقط السابقة ..

بين العقل و المادة


تجئ هنا نقطة أساسية بقت في المادية الديلكتيكية: هل رأي كارل ماركس في أن العقل لاحق ، والمادة سابقة ، صحيح ؟؟ نعم !! هل رأيه في أن الفكر إنما هو إنعكاسات لحركة المادة في الخارج منطبعة في العقل البشري و مستقرة فيه صحيح ؟؟ نعم !! و دي ، أنا أفتكر ، من النقط الحقنا نكون واعين ليها ، لأننا نحن ما خلقنا من أول مرة بعقولنا دي ، و بصورتنا الحاضرة .. نحن نشأنا من حيوات دنيا .. ربنا قال: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟؟) .. "هل أتى" ، يعنى "قد أتى" .. مضى ، إذن ، على نشأة الإنسان وقت طويل ، سحيق .. لما ربنا يقول: "حين من الدهر" يبقى علينا أن نتصور طول هذا الزمن .. فإذا كان اليوم العنده هو كألف سنة مما عندنا نحن يبقى لما يقول قد أتى على الإنسان حين من الدهر يمكنك أن تفكر في بلايين السنين تكون قد مرت على الإنسان قبل أن يكون حاجة عندها وزن عند الله .. قبل أن يكون عنده العقل ، يعني .. و ما من شك إنو الإنسان بدأ في حياته البدائية وجسده سابق على عقله .. بعدين بالتطوير المستمر نشأ في مراقي الحياة ، بأطوارها المختلفة ، حتى ظهر العقل مؤخراً في مرتبة الحيوان .. ثم ترقى حتى ظهر العقل في مرتبة الإنسان ، فأصبح الإنسان مذكوراً في ملكوت الله ـ أصبح مكلفاً بالشريعة .. و هذا هو معنى الذكر الوارد في قوله تعالى: (لم يكن شيئاً مذكوراً) .. و نحن برضو دائماً ـ بالمناسبة ـ ما وُجدنا بالحواس الخمسة ، زي ما بنألفها نحن في الوقت الحاضر .. في بداية الحياة نشأت الحاسة الأولى ، و يمكنك أن تسميها الحس .. يعني الحيوان الأول ـ الخلية الواحدة في الماء ـ كان يحس بكليته .. إذا وجد نفسه إنجرف للظلام في الموية الغريقة ، الباردة ، يحس بالخطر على حياته فيجئ على البر قليلا ً .. و إذا وجد نفسه الموية جرفته على البر يخاف أن ينشف ، ويموت فيجاهد ليرجع .. هو يحس دائماً بالخطر ، و إحساسه بكليته ـ بجميع جسده .. بعدين إتوظفت الأعضاء .. مثلا ً ، كان لا بد ليه أن يحمي حياته ، وكان جسمه رخواً فقامت القشرة ، فأصبحت ليه درقة ، ونحنا ، لغاية الآن ، عندنا منها الجلد ، والشعر ، و الأظافر .. القشرة في أصلها محارة زي بتاعة القوقعة .. أو قول زي القدح بتاع السلحفاة .. أو قول زي الكريق بتاع التمساح .. دا كله نشأ من المادة الرخوة ديك .. بعدين الجلد إتوظف للحماية .. والحس إنتقل إلى مسائل ممركزة ، بدل جسمو كلو .. فنشأت العين ، و الأذن ، و الأنف ، و اللسان .. و أصبح اللمس باليد ، مثلا ً .. الحواس دي في مجموعها هي العقل .. فما من شك أبداً إنو ، في التطور ، في الناحية المادية ، العقل لاحق ، و الجسد سابق ..