في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الماركسية في الميزان

السيئة التي رجحت بجميع الحسنات


لكن في حاجة أساسية هي برضو فاتت على كارل ماركس ، لأن نظره للمستقبل ما هو كافي .. هي إيه ؟؟ .. هي إنو هناك عقل سابق على المادة .. هذا العقل السابق على المادة نحن دلايل عليه .. المسألة النحن - بنقولها هي هكذا: -
نحن هسع عندنا عقولنا ، فإذا كنت أنا عاوز أعمل التربيزة دي لابد أن يكون عندي علم بيها ، بعدين هذا العلم لابد ليه أن يتركز ، و ينضج لغاية ما بيه أخصص ، و أحدد صورتها .. أول ما فكرت أنا في منصة ، مثلا ً ، للدار بتنبثق في ذهني صورة ليها .. الصورة دي بتحدد تماماً لما آخذ ورقة وأكتب مقاساتها ـ القرصة مقاسها قدر شنو ؟؟ و إرتفاع المنصة قدر شنو ؟؟ والقوائم حجمها شنو ؟؟ بعدين أتحرك في النجارة ، و أنفذها .. ثلاث حركات .. العمل النحنا بنشوفه بارز بالصورة دي مسبوق بحركات داخلية .. هذه الحركات هي أنك تعلم ، وأنك تريد ، وأنك تقدر . و لذلك ربنا وصف نفسه تعالى فقال: العالم ، المريد ، القادر .. بالثلاثة أسماء دي ظهر الوجود .. طيب !! المنصة دي ، قبل أنا ما أعملها ، أنت ماك عارف عنها أي حاجة .. أنت ما عرفتها إلا لما إتحركت الحركة الثالثة ، و ظهرت .. لما كانت علم ، عندي أنا ، أنت ما عندك بيها خبر .. يجوز لما كانت إرادة ، إذا كان أنا خططتها في الورقة ، (و مش شرط أنا دايماً أخططها) لكن إذا كان أنا خططتها في الورقة ، بيكون أنت عندك خبر بيها .. أنت لأنك بتشوف صورتها .. و لكنك أنت برضك بتكون عاوز تشوف صورتها دي بارزة في الخشب .. هل هي ، قبل ما تكون بارزة في الخشب بالصورة دي ، ما كانت في ؟؟ حقاً ، و حتماً ، كانت في !! ولكنها غير ظاهرة لينا نحن .. طيب !! إذا كان الوجود دا ، بي صورته دي ، نحن إنبثقنا منو كعقول تعلم ، و تريد ، و تقدر (تنفذ) ، هل الوجود دا ما يمكن أن يكون برز عن ثلاث مستويات من الحركة برضو ؟؟ هل ما يمكن أن نقول ، إذن ، أنا فكري دايماً هو محاكاة ، وإنطباع ، لفكر سابق .. النقطة التي تورط فيها كارل ماركس إنما هي إنكاره لي أن يكون هناك فكر سابق .. نحن في إتجاهاتنا دي كلها ، الأشياء البي نعملها كلها متأثرين فيها بقوانين خارجية .. هو قطعاً بنسبها للقوانين .. تحول المادة ينسبو للقوانين .. لكن إذا كان نحن ، في ممارستنا الطبيعية كل يوم ، بنرى إنو ، إذا كنا عاوزين نعمل حاجة ، ما بتتعمل إذا ما حصلت الحركات الثلاثة دي .. إذا أنت ما علمت بالحاجة البتعملها ، ثم إذا أنت ما أردت عملها ، ثم إذا أنت ما إتحركت لتعملها ـ ما قدرت ـ إذا ما كان عندك علم ، و إرادة ، و قدرة ـ لا يمكن أن يكون في شئ يتم .. الخشب دا لو خليتو مليون سنة خشب ، ما أدخلت فيه اليد البشرية ، بالحركات الثلاثة السالفة الذكر لا يمكن أن يكون طربيزة .. يبقى ، من البداهة ، إنو المادة النحن بنتكلم عنها قد تكون هي صور لي عقل أكبر من عقولنا.. و دا هو الحق اللي ذهل عنو صاحبنا .. المادة سابقة للعقل البشري ، ولكنها لاحقة للعقل الإلهي .. هذا هو الموضوع الحساس الفيه المفارقة كلها بتاعة الماركسية .. و كل ما يمكن أن تضعه أنت ، من حسنات ، في ميزان الماركسية ، يرجح دا وحده بيها كلها ، ويكاد يضيفها إلى كشف السيئات .. إذن القصة هي دي .. و منها يتضح أن هيجل الذي هو ، عند ماركس ، فيلسوف حالم ، و مثالي ، هو ، في الحقيقة ، أقرب إلى الصواب من ماركس ، الذي هو فيلسوف مادي .. هيجل أقرب إلى الصحة ، وليس صحيحاً ، لأنو ، زي ما إنتو عارفين ، ما يوصل ليه الدين الفلسفة ما بتوصل ليه ، لسبب واحد بسيط ، هو أن الفلسفة بتقوم على التفكير .. الفلسفة بنت العقل .. و مهما قوى العقل ، و قويت مسائله ، و فروضه الفلسفية ، فهو لا يمكن أن يأتي بشئ أكبر من العقل .. هناك قصة الغزالي الإنتو عارفنها.. الغزالي لما بحث في كل هذه الإتجاهات ما وجد الحقيقة .. بدأ بالفقه فما إطمأنت نفسه ، ثم أخذ في علم الكلام ، فما وجد شيئاً يريحه ، ثم ذهب للفلسفة ، فما وجد طمأنينة قلبه ، في كل أولئك .. بعدين جاء للتصوف ، فإطمأنت نفسه ، فكتب كتابه المشهور (تهافت الفلاسفة) .. هنا ، عند العارفين ، أن مرحلة العقل هي مرحلة معرفة ، ما في ذلك شك ، ولو لا العقول ما عرفنا الله .. لكن العقول ، في نفس الوقت ، بتقوم حجاب بيننا و بين الله .. ليه ؟؟ لأن العقول ، زي ما إنتو شايفين ، إنما هي بنت للحواس .. و الحواس زي ما إتكلمنا عن تطويرها من قبل إنما هي ثنائية .. الحواس ثنائية .. أنت بتشوف بالعينين الإثنين ، و بتسمع بأذنيك الإثنين ، كل المسائل بتاعتك ثنائية .. العقل برضو ثنائي .. و هو محتاج للثنائية دي .. إذا كان ما الحار ما بنعرف البارد .. إذا ما الظلام ما بنعرف النور .. إذا ما الحلو ما بنعرف المر .. و دي الحكمة الدخلت بيها الأشياء في الوجود (في الإرادة الإلهية) المخلوقات كلها ثنائية .. حتى الكفر ، والإلحاد .. الكفر من الله .. هو بإرادة الله .. و كارل ماركس ما دعا للإلحاد من نفسه ، و براه و إنما الله قال ليه .. الله قال ليه أعمل فيها إلحاد .. أدعو للإلحاد .. بالصورة دي ظهر الإلحاد .. و ظهر لحكمة في موضوعه .. وأنت ماشي لقدام فيها .. و من الخطأ جداً أن تفتكر إنو كارل ماركس جاء بالإلحاد من عندو .. لكن الله ، تبارك و تعالى ، أراد أشياء لم يرضها.. عندنا في فرق بين الأسماء الإلهية دقيق .. الإرادة و الرضا ، مثلا ً .. الإرادة بتدخل فيها الثنائية في الوجود ، الحكمة في دخولها لنعرفه نحن ، لأن عقولنا دي لا تعرفه ، ولا هي تدرك الوجود ، هي لا تدرك أي شئ ، إلا إذا كان عندنا المقارنة ليه بضده ، (وبضدها تتميز الأشياء) .. ربنا ما برضى بالكفر و إن أراده .. و هو إنما أرسل الرسل من أجل دا .. أراد الكفر و لكنه لم يرضه .. و أرسل الرسل ليخرجوا الناس من عموم ما أراد ، إلى خصوص ما يرضى ـ من الكفر إلى الإيمان ..
يقول تعالى في شمول خلقه للوجود ، و في هدايته من هدى ، و إضلاله من أضل: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله .. و يجعل الرجس على الذين لا يعقلون) ..
(و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) و هو ، ربنا ، البيجعل الرجس على الذين لا يعقلون .. وقال: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ، و لا يرضى لعباده الكفر .. و إن تشكروا يرضه لكم ..) .. (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) ، الغني يعني الما بنغلب .. يعني (فإن الله غني عنكم) .. معناها ما كفرتوا بيه مغالبة ليه .. معناها ما كفرتوا رغم أنفو ، فعن ذلك تعالى الله ، علواً كبيراً ، و إنما كفرتم بإرادتو .. دا معنى: "غني عنكم" .. (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ، ولا يرضى لعباده الكفر .. و إن تشكروا يرضه لكم) .. تعليم الله لينا دا هو السبب اللي دخلت بيه الثنائية في الوجود .. فلما أنت تمشي بعقلك لتعرف الحقائق الكبرى ، بتجد أن الله ما عندو ثنائية .. هناك بتجئ الوحدة المطلقة ، و هناك العقل بقصر عنو .. و دا ما يخلي الفلاسفة لا يدركون الحقائق ، يدركون صور منها .. يدركون ظلالها في مستوى الثنائية .. لكن ، عند التوحيد ، العقل ما بمشي .. هيجل كان فيلسوف ، و كان عندو معرفة بالحقيقة أكبر من معرفة ماركس ، و لكنها ماها كافية .. كان هيجل بيرى إنو مجموع الوجود هو الله .. الكلام دا فيهو جانب من الحق .. فإن الوجود دا أصله ما فيه غير الله و أسماؤه ، و صفاته ، وأفعاله .. و ما نحن إلا نتيجة لأفعال الله .. نحن إرادة الله مجسدة .. العارفين قالوا ما في الكون إلا الله .. بالمعنى دا هنا الوجود هو الله .. لكن هل الله هو الوجود ؟؟ دي هي النقطة الفايتة في موضوع الفلسفة .. يدركها التصوف ، و لا تدركها الفلسفة .. الله موش الوجود ، لكن الوجود هو الله .. و هناك قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح إبن مريم) .. في هذا الأمر لطيفة من رقائق ، و دقائق اللطائف العرفانية وتلك هي أن الذين قالوا إن المسيح إبن مريم هو الله ، ما كفروا .. هذه هي الحقائق الكبرى في الدين .. الله أرفع من الوجود كله ، والوجود مظهره في تنزلاته ليعرف .. فهنا هيجل كان مخطئ ، و إعتراض كارل ماركس عليه كان بخطأ أكبر من خطأ هيجل .. والحقائق أعلى من مسألة هيجل و من مسألة كارل ماركس .. هنا ، المسألة دي ، أعني ذهول الماركسية عن الوجود الإلهي فوت عليها كل شئ في الناحية النظرية ، و فوت عليها شي كثير من الناحية التطبيقية .. هسع أنت يمكنك أن تقول أن الإنسان المفكر في دقة إذا كان إتبرهن ليه أن الإشتراكية ، أو الشيوعية ، فاشلة في روسيا ، أو فاشلة في الصين ، ما حقو يحكم من فشلها في التطبيق على فشل الفكرة .. الإنسان الدقيق في فكره يعرف إنو التطبيق قد يكون خطأ ، مع أن الفكرة صحيحة .. لكن نحن ، و من أجل دا ، نحن ما مشينا لنخطيء الشيوعية من قصور من قصروا في تطبيقها ، وإنما مشينا ليها من أصل فلسفتها .. فهي خاطئة في أصل فلسفتها و من أجل هذا فشلت في التطبيق ..