لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




أسس دستور السودان

الانسان الحر - هل هو ممكن؟ وكيف؟؟

الانسان الحر


قلنا اننا قدمنا في ديباجة دستورنا هذا ثلاث مسائل: وسيليتن وغاية، فأما الوسيلة الأهم، وهي المجتمع السوداني فإن هذا الدستور يخصها، وأما الوسيلة المهمة، وهي المجتمع العالمي، فقد أسلفنا فيها القول بإيجاز، وأما الغاية، وهي انجاب الفرد الحر، حرية مطلقة، فسنخصص لها من القول ما يبرزها، ويبرز معها الدستور الذي نبتغيه.

هل هو ممكن؟


وأول ما نبدأ به هو تصحيح الخطأ القائم في أذهان بعض الناس حين يظنون ان الحرية الفردية المطلقة غير ممكنة التحقيق، وان أقروا، بفضل ما يجدونه في أنفسهم، بأن هذه الحرية الفردية المطلقة هي، في الحقيقة، حاجة كل فرد بشري. فانه ان صح، وهو لا محالة صحيح، أن الحرية الفردية المطلقة حاجة كل فرد وغايته، فانها تكون بذلك حاجة الانسانية وغايتها، فكأن من يظنها غير ممكنة التحقيق يقضي على الانسانية سلفا بالهزيمة والخزي، وذلك أمر منكر أشد النكر، ولا عبرة عندنا برأي من يزعمون أن الكمال ليس من حظ هذه الحياة، وانما هو من حظ الحياة الأخري، وان الحرية الفردية المطلقة، من ثم، لا تحقق هنا، وانما تحقق هناك، ذلك بأن كل شيء يكون هناك انما يتم نموذجه هنا.

وكيف؟؟


والانسان الحر حرية فردية مطلقة هو الذي استطاع ان يحل التعارض القائم بين عقله الباطن وعقله الواعي، حتى يكون وحدة: ظاهره كباطنه وسيرته كسريرته، فيفكر كما يريد ويقول كما يفكر ويعمل كما يقول، فتتحقق له حياة الفكر وحياة الشعور ويبلغ الانسان هذه الغاية بوسيلتين: أولاهما وسيلة المجتمع الصالح، حيث تهيء الحكومة للفرد الحرية، والعلم، والفراغ وتوفر له حاجات معدته، وجسده، وحيث يكون الرأي العام، من الاسماح، بحيث لا يضيق بأنماط الشخصيات المتباينة، ولا يحارب مناهج الفكر المتحرر. وهذا المجتمع هو ما خططنا تنظيمه في دستورنا وثانيتهما وسيلة العقل الجاد في تحرير نفسه بمجهوده الفردي، الذي يبدأ من حيث ينتهي مجهود المجتمع في تحرير كل فرد، ويكون مجهود الفرد، في هذا المستوي امتدادا وتتويجا للمجهود الذي أسهم به، ويسهم دائما، في كيان الجماعة.. وسبب التعارض القائم بين العقل الباطن والعقل الواعي الخوف، ومنشأ الخوف الجهل، ذلك بأن الانسان، بكل مافي جسده من التركيب الآلي الضعيف، وبكل ما في نفسه من الرغبات، والمطامح، والشكوك، رأي نفسه امام عالم طبيعي، امتزجت رحمته وقسوته، وخطره وامنه، وموته وحياته، على اسلوب كأنه في ظاهره، يعمل على أسس تناقض بناء التفكير البشري فشوهت هذه القسوة المستهترة التي تلقاه بها القوي الصماء في البيئة الطبيعية التي عاش فيها الصورة التي قامت بخلده عن أصل الحياة، وعن غايتها، وعن حقيقة العالم المادي الذي يحيط بها، ويؤثر فيها، فاذا ما أردنا ان نحرر الفرد حرية فردية مطلقة وجب أن يستهدف تعليمنا أياه وتعليمه نفسه تصحيح تلك الصورة الخاطئة الشائهة التي قامت بعقله، حتى تقوم مكانها صورة صحيحة كاملة، عن أصل الحياة، وعن قانونها، وعن غايتها، وعن العالم المادي الذي يحيط بها ويؤثر فيها، فتتركز هذه الصورة الصحيحة في خلده، فتؤثر في اخلاقه وعاداته وتفكيره، وتفضي به إلى الحرية من الخوف، فيستعيد بذلك وحدة الفكر والقول والعمل في وجوده ووعيه كليهما ويحل حينئذ التوافق والاسماح بين العقل الباطن والعقل الواعي محل التعارض والكبت الذي هو سبب الجريمة بين الأفراد وسبب الحروب بين الأمم.