((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




أسس دستور السودان

الجبر والاختيار ... والقانون

الجبر والاختيار ... والقانون


وللتعارض بين العقل الباطن والعقل الواعي مظهر آخر، هو مسألة الجبر والاختيار، وهي مسألة أساسية طالما ظهرت واختفت في تاريخ الفكر البشري من غير ان تظفر بحل، وعلي حلها يتوقف أمر تربوي هام، في المستوي الفردي، وفي المستوي الجماعي، ونكاد نجزم انه لا بد لنا من حلها، اذا كان لا بد لنا أن نجد أسلوب التعليم الجديد، الذي به يعيد كل فرد تعليمه، ليكوّن لنفسه صورة صحيحة عن الوجود، وذلك أمر قد سبقت الاشارة إلى أهميته.

القانون والقرآن


إن القرآن يبشر بعودة الانسانية، على هذا الكوكب، إلى الاهتمام بمسألة الجبر والاختيار من جديد، وهو لا يبشر بتلك العودة فحسب، وإنما يقدم لتلك المسألة التاريخية الحل الأخير حينما يقول في جملة ما يقول ((أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون)) ويطيح في جملة واحدة بالوهم الذي يسيطر على عقولنا ويخيل لنا أننا نستقل بإرادة، ثم هو يطوع جميع تشاريعه لتعين عقولنا حتى تقوى على مواجهة النور، وذلك أن الوجود وحدة، يخضع لإرادة واحدة من ذراته إلى شموسه، فتلك الإرادة هي القانون الطبيعي، الذي إختط للعوالم المختلفة وللحيوات التي تعج بها تلك العوالم، بداياتها ونهاياتها، ثم رسم لها خط سيرها فيما بين ذلك رسما محكما لا مكان فيه للمصادفة، وإنما كل ما فيه بحساب دقيق وقدر مقدور: وهذا القانون الطبيعي المحكم الدقيق هو أثر العقل الكلي القديم، الذي ما عقولنا الجزئية المحدثة إلا أقباس منه. والقرآن يهدف إلى تحرير عقولنا بأن يوجد بينها وبين العقل الكلي القديم صلة موصولة، وذلك بأن يقيدها بقانون يحكي في دقته وفي وحدته القانون الطبيعي، ليخلق بقانون الوحدة من عقولنا المنقسمة بين عقل باطن وعقل واع كلا واحدا متسقا قادرا على التوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في الحياة، وبذلك تقوم في أخلادنا الصورة الصحيحة عن الحياة وعن حقيقة البيئة التي نعيش فيها.

القانون والتقنين


وبفضل قانون الوحدة ((التوحيد)) في القرآن يقوى العقل البشري على أن يميز الفروق الدقيقة بين الوسائل والغاية، حتى حينما تكون الوسيلة طرفا من الغاية، وكذلك نستطيع أن نعرف ان الفرد هو الغاية، وأن الجماعة هم وسيلة إليه.. ونتج عن هذا أمران: اولهما أن القرآن قد إشتمل على دستور للفرد في المكان الأول، ودستور للجماعة في المكان الثاني، وثانيهما أن القرآن نسق تنسيقا متسقا بين حاجة الفرد الذي هو غايته، وحاجة الجماعة التي هي وسيلته، فلم يقم هناك تعارض يوجب التضحية بأيهما، ويمكن ان يلتمس هذا التنسيق الدقيق في تشريع الحدود، حيث قد بلغ أقصي أوجه، والله تعالي يقول ((وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)) وأن توهم المعتدي جهلا أنه قد ظلم غيره، ولذلك فإن إقامة الحد عليه انصاف لنفسه من نفسه في المكان الأول، وانصاف لغيره من نفسه في المكان الثاني، وكذلك يلتمس هذا التنسيق الفريد في قوانين القصاص، والله تعالي يقول ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون)) فهي حياة للفرد المقتص منه بنفي أوهامه، وتنشيط ذهنه، وتوسيع خياله، وهي حياة للجماعة المقتص لها، بحفظ نظامها واستتباب أمنها. ونحن نرى لذلك أن قوانين الحدود: الزنا – الخمر- السرقة – القذف – قطع الطريق -، يجب ان تقام، ونرى أن تشريعنا يجب أن ينهض على مبدأ القصاص. لأن بذلك يتحقق لنا أمران: أولهما التنسيق بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة، وثانيهما اننا نضع الفرد من الوهلة الأولي في طريق تحقيق الحرية الفردية المطلقة، لأننا بتشريع القصاص كأننا نقول له: انت حر مطلق الحرية في أن تفكر كما تريد وأن تقول كما تفكر، وأن تعمل كما تقول، بشرط واحد، هو ان تدفع ثمن هذه الحرية، وهو ان تتحمل المسئولية المترتبة على تصرفك فيها، فإن إعتديت على أحد اعتدينا عليك بمثل ما إعتديت عليه. ثم علينا الا نفارق تشريع القصاص، الا حيث لا يكون التطبيق ممكنا، وفي تلك الحالة نجعل عقوبتنا أقرب ما تكون للقصاص.

الدستور والقانون


يتضح من هذا أننا نتمسك بالتوحيد، ونستقي منه تشريعنا الفرعي بالقياس على تشريعي الحدود والقصاص، حتى يجيء منسقا في اتجاه موحد لحاجة الفرد وحاجة الجماعة، ونستقي منه تشريعنا الاساسي ((الدستور)) بتمثل روح القرآن – لا اله الا الله -، حتى يجيء منسقا في اتجاه موحد لحاجة الحكومة المركزية، وحاجة أعضاء الاتحاد المركزي في مجتمعينا: المجتمع الصغير – السودان – والمجتمع الكبير – الكوكب الأرضي
فنحن اذن نتخذ دستورنا من روح القرآن ولا نقيد تشريع هيئتنا التشريعية إلا بالتوحيد المنسق للحقوق، التي تبدو لدي النظرة الأولي متعارضة، لأنه إن لم يكن كذلك لا يكن قانونا – وننظر إلى نصوص تشاريع القرآن، ونصوص تشاريع السنة في المعاملات، كوسائل لتحقيق روح القرآن، ونصر على التمسك بها، إلا إذا كانت المصلحة في تطويرها بحيث تتقدم خطوة أخري بمجتمعنا الحديث نحو تحقيق ذلك الروح، في مضمار الحياة اليومية، وأما نصوص تشاريع القرآن ونصوص تشاريع السنة في العبادات، فهي باقية على ما هي عليه وليس لمشرع عليها من سبيل، فمن شاء أتاها على صورتها المأثورة عن النبي ومن شاء تركها و((لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)) ذلك بأن الله تعالي حين شرع العبادات انما أراد بها إعانة الفرد على أن يحسن التصرف في الحرية الواسعة التي أعطاه إياها، من غير أن يتورط في العقوبات التي اشتملت عليها القواعد القانونية أو القواعد الأخلاقية، حتى يفضي به السعي، وهو موفور، إلى الاستمتاع بحقه الكامل في الحرية الفردية المطلقة، وبمعنى آخر، أن الله تعالي يضع الإنسان، من الوهلة الأولى، في طريق الحرية الفردية المطلقة، على شرط واحد، هو أن يتحمل مسئولية تصرفه فيها، ثم إستن له الأسلوب التعبدي الذي بلغ نهاية كماله في النحو المأثور عن النبي، ليستعين بممارسته على حسن التصرف في تلك المسئولية الباهظة التي قد تنقض ظهره إن لم يأخذ نفسه بتلك الرياضة الروحية الحكيمة.