((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




أسس دستور السودان

الانسانية ومستقبل الدين

الانسانية ومستقبل الدين


إننا نحن نعتقد أن الانسانية اليوم تعاني القلق والاضطراب الذي يصحب فترة المراهقة وأنها لن تلبث أن تخلف عهد الطفولة والنقص وتستقبل عهد الرجولة والنضج، ولن تحتاج في غدها القريب الدين، على نحو ما احتاجته في ماضيها، يقوم على الغموض ويفرض الاذعان وانما تحتاجه يقوم على الوضوح، ويقدم اسلوبا للحياة وفق قانون الطبيعة، ولذلك فإنا نرى أن تشريع العبادة في الاسلام، بما يحقق هذا الغرض، ستهوي إليه أفئدة الانسانية. والآن، وبعد هذه المقدمة الطويلة، التي بينا فيها رأينا في القانون، وفي الدستور، مما تتقيد به هيئتنا التشريعية، نحب ان نتحدث حديثا مباشرا عنها.

هيئتنا التشريعية


السلطة التشريعية يخولها الدستور لبرلمان مركزي، مكون من مجلس واحد نيابي، يكون ممثلا للولايات الخمس، كلا بحسب أهميتها ودرجة تمتعها بحكمها الذاتي، فيمكن ان يكون به ممثل واحد لكل 200 ألف مواطن في الولايتين الغربية والجنوبية، وممثل واحد لكل 150 الف مواطن في الولايتين الشرقية والشمالية، وممثل واحد لكل 50 ألف مواطن في الولاية الوسطي: هذا على سبيل المثال، وسيكون هذا الاجراء أجراءا مؤقتا، فيتعدل الدستور ليحقق التمثيل المتكافيء بين المواطنين في جميع الولايات كلما تقدمت نحو مباشرة السلطات التامة للحكم الذاتي، ويمكن أن يخول للمجلس التشريعي لكل ولاية تحديد أهلية نواب ولايته، وطريقة ترشيحهم، على أن يكونوا مستوطنين بالولاية التي يمثلونها ما لا يقل عن سبع سنوات، وألا تقل أعمارهم عن الخامسة والعشرين وأن يحسنوا الكتابة والقراءة، ويشترك في إنتخاب البرلمان الرجال والنساء البالغين من العمر الثامنة عشرة، ويشرف على إجراء الإنتخابات لجنة مخصوصة، يعهد إليها أيضا بوضع حدود للولايات مستديمة، على أن يقر هذه الحدود البرلمان الأول في أول أعماله، فإن أجري فيها تعديلا لا يصير التعديل نافذا إلا بعد نهاية مدة نيابته، ولدى إجراء الإنتخاب للبرلمان المقبل، وتستمر دورة البرلمان أربع سنوات، وله أن يشرّع في أي أمر يراه لمصلحة الجماعة، على أن يتقيد بالقيود التي تجعل تشريعه قانونا حكيما على نحو ما سلف به القول، فإنه، إن لم يفعل ذلك، فإن هناك رقابة مشددة على دستورية القوانين من الشعب ومن الرئيس ومن القضاء ومن محكمة العدل الدستورية بشكل خاص، وسيرد إليه تشريعه إن لم يكن دستوريا، وقد يعتقد بعض الناس أن في ذلك تدخلا في عمل الهيئة التشريعية قد يؤخر التشريع، وقد يكون ذلك حقا في باديء الأمر، حين لا يكون للنواب ثقافة قانونية صالحة، وليس بالتأخير من ضير، إذا ما كانت نتيجته وضع تشاريع واعية وحكيمة، وهناك أمر ما ينبغي أن يغرب عن بالنا، وقد وردت الإشارة اليه عند حديثنا عن السيادة، وهو إننا نقيم نظامنا على محاربة الفكرة الخاطئة، حيث القوة تصنع الحقوق، وتقتضي الحقوق، وحيث الدولة هي القانون، ونيمم وجهنا شطر الفكرة الصائبة، حيث الحق هو القوة، وإن بدا أعزل، قليل الناصر، وحيث الدولة تخضع للقانون، والشعب هو صاحب السيادة، يخضع للقانون أيضا، لأنه لا يستمد سيادته من مجرد وجوده، وإنما يستمدها من حبه للقانون، وفهمه إياه، وإمتثاله له، وهذا ما جعلنا نشدد في دستورية القوانين، وما جعلنا نعتبر الهيئة التشريعية العمود الفقري في الهيكل الحكومي.

دستورية القوانين


والحق أن التشديد في الرقابة على دستورية القوانين أمر طبيعي بالنسبة لكل مجموعة بوجه عام، وبالنسبة لمجموعتنا المتخلفة بوجه خاص، وذلك لأنه قد إتضح من حديثنا عن القانون، وعن الدستور، أنه لا يحسن التقنين إلا من أوتي حظا وافرا من العلم بخصائص النفس البشرية، وبطبيعة الجريمة، حتى يجيء التقنين عدلا شافيا لمرض الصدور، ونحن إذ نجعل التشريع في البرلمان حقا من حقوقه الطبيعية، بصرف النظر عن مستوي النواب، إنما نسير في إتجاهنا الأساسي: وهو أنك لا يمكن أن تربي الناس إلا إذا أعطيتهم الفرصة الواسعة في التجربة، حتى يتعلموا بأخطائهم، وما الرقابة على دستورية القوانين إلا وسيلة لتنبيه الهيئة التشريعية إلى الخطأ وإعانتها على تصحيحه، وسيكفل الدستور الإجراء الذي يتبع في ذلك.
والتزام البرلمان في تشريعه تحقيق التنسيق بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة يلزمه أن يكون تشريعه إشتراكيا، يملّك موارد الثروة جميعها للشعب، لا للأفراد ولا للدولة، ويحدد الملكية الفردية بإمتلاك مالا يستخدم في إستغلاله أي مواطن. وعندما تقدم للبرلمان مشروعات قوانين يحسن سماع آراء المواطنين الذين سيتأثرون بها، وآراء الفرع التنفيذي الذي يمكن أن تمسه أثناء إنجاز عمله قبل أن تصبح تلك المشروعات قوانين، ويمكن أن تقدم مشروعات القوانين من أي فرد، أو جماعة، أو من مجالس الولايات التشريعية، إلى البرلمان، أو أن يطلب البرلمان رأى هذه المجالس في أي تشريع يرى أنه سيؤثر على الرعايا الذين تخدمهم بعملها التشريعي، وستتكون لجان إختصاص داخل البرلمان من الفنيين في كل فرع من فروع المرافق العامة.
وللبرلمان الحق في الإعتراض على أي تشريع، أو إجراء تتخذه الولايات، لا يكون دستوريا، أو متمشيا مع مصلحة الحكومة المركزية عامة. والقانون الذي يجيزه البرلمان يقدم للرئيس للتوقيع عليه، فإذا ما وقع عليه صار قانونا، وإذا أعاده للبرلمان مصحوبا بأسباب رفضه التوقيع عليه لم يصر قانونا إلا إذا أجازه البرلمان مرة أخرى بأغلبية الثلثين، وإذا لم يوقع عليه، ولم يعيده في ظرف شهر من الزمان، صار قانونا، من تلقاء ذلك.
والبرلمان المركزي يقوم على وحدة تشريعية لسائر البلاد، ولكن المجالس التشريعية للولايات يمكنها أن تشرع لمجموعتها حسب الأوضاع، والإمكانيات، والحاجة، على أن تحرص على أمرين: أولهما موافقة تشريعها للدستور دائما، وثانيهما أن يستهدف تشريعها تطوير الولاية، حتى تتحقق الوحدة التشريعية لسائر البلاد، حتى في الأحوال الشخصية.
وإلى جانب سلطاته التشريعية هذه، فإن البرلمان يختص بالمسائل التي تهم الإتحاد بأكمله: في الداخل، كتنسيق نشاط الولايات في جميع وجوهه، حتى يطرد تطورها إلى تقارب، وتماسك، وإتحاد، يقوى كل حين بمحض إختيار الولايات، وفي الخارج، إعلان الحرب، إذا إقتضى ذلك ضرورة الدفاع، والتصديق على المعاهدات، والإشراف على تجارة البلاد الخارجية، واستيراد رؤوس الأموال الأجنبية لأي من الولايات لدي الضرورة وبالصورة التي يراها لمصلحة البلاد، والتصديق على الميزانية العامة للحكومة المركزية، والخاصة بكل ولاية من الولايات، وله أن يشرف على تنمية الإقتصاد الوطني بإجراء التحقيقات، وابتداع وسائل للتنمية يقترحها على الرئيس، كما للبرلمان الحق في أن يعترض على تعيين أي من كبار الموظفين، وله الحق في أن يتهم أي موظف مدني بإساءة التصرف، بحيث يمكن أن تحال التهمة لتحري مجلس الدولة. وللبرلمان الحق في إختيار رئيسه، وسائر موظفيه، ولجان إختصاصه، ومقرري تلك اللجان، وله سلطة التحقيق ليتسنى له دراسة الأحوال الخاصة التي تدعو لسن القوانين الجديدة، وليعرف كيف يشتغل كل من أعضاء السلطتين التنفيذية والقضائية، مما قد يؤدي إلى إبتداع منافع جديدة للشعب، وله حق إقتراح إقامة الإصلاحات التي يراها، كما له حق التحقيق في سيرة أعضائه بأن يطلب مثلا من أشخاص ممتازين من الشعب معلومات عنهم أو بأي وسيلة أخري.
وللبرلمان حق الأشراف على تشريع جميع الهيئات التشريعية في الولايات والمقاطعات والمدن والقرى، ليري ملاءمتها للدستور ولأغراض الحكومة المركزية، من حيث حماية حقوق الناس جميعا، حتى يكون لهم حق التنقل، بدون قيد، بين جميع الولايات، وحق الإستيطان في أيها شاءوا، متمتعين بحقوق الحياة، والحرية، والإمتلاك، في حدود القانون، وأن يلجئوا إلى المحكمة في طلب العدالة، والحماية، كلما شعروا بظلم أو هضم.