لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




أسس دستور السودان

الفصل التاسع والفصل العاشر

الفصل التاسع
حكومة الولاية


لكل ولاية دستور مكتوب، يحوي، بالاضافة الى المسائل الاساسية الواردة في الدستور المركزي، القضايا الخاصة المحلية، بشكل لا يتعارض مع الدستور المركزي، وإن تأثر بمستوى الولاية المادى، والاجتماعي، والثقافي، ويكون خطوة أولى في تطوير الولاية نحو وحدة الدستور، بين الولايات والحكومة المركزية، ووحدة التشريع ايضا. وينص دستور الولاية على الطريقة التي بها تؤلف حكومة الولاية وحكومة كل من المقاطعتين، والمدن والقرى. ويضمن هذا الدستور كل الوسائل التي تكفل ترقي الولاية، وهو عرضة للتعديل المستمر، اما بواسطة الاستفتاء الشعبي العام، او بواسطة المجلس التشريعي للولاية، ويكون غرض تعديله مواصلة تطويره حتى يبلغ مرتبة الاتحاد، والانطباق مع الدستور المركزي. ودستور الولاية هو مصدر سلطات حكومتها، وبموجبه يقوم مجلس تشريعي ينتخب من رعايا الولاية بواسطة المواطنين البالغين من العمر الثامنة عشرة من رجال ونساء، وتكون لهذا المجلس التشريعي بالنسبة للولاية جميع صلاحيات البرلمان المركزي بالنسبة للحكومة المركزية لأنه، في الحقيقة، امتداد له كما ان حكومة الولاية امتداد للحكومة المركزية. وبموجب دستور الولاية ينتخب المواطنون حاكم الولاية ايضا، ويمكن ان يكون الحاكم مستجلبا من خارج الولاية إذا رأى السكان ذلك من المصلحة. ويعين الحاكم المنتخب هذا مساعديه الذين يكونون مسئولين امامه عن العمل لترقية الولاية ولتنسيق مجهود المقاطعتين داخلها، كما يكون هو مسئولا امام سكان الولاية، ويعتبر مساعدوه ضباطا تنفيذين للفروع الاساسية للحكومة المركزية، وهم، في حقيقتهم يكونون إمتدادا لسلطات وزراء الحكومة المركزية: للمعارف، والصحة، وللمالية والإقتصاد، وللخارجية، وللداخلية، وللزراعة، وللتجارة والصناعة، وللدفاع، وللعمل، كما أن للولاية لجانا تعتبر إمتدادا للجان المستقلة في الحكومة المركزية، وللولاية نظام خدمة مدنية يسير على نفس خطوطه في الحكومة المركزية، ولكل ولاية نظامها القضائي، حيث يرشح حاكمها قضاتها بمعاونة المجلس التشريعي، ثم يعينهم رئيس الجمهورية بموافقة رئيس القضاء ويعمل القضاة في إستقلال تام وبعلنية كاملة، ولا يخضعون إلا لرئيس القضاء المركزي الذي سيكون له نائب يشرف على قضاء كل ولاية، ويضمن الدستور لقضاة الولايات كل ما يضمنه من إستقلال لقضاة الحكومة المركزية، ولكل ولاية محكمة عليا تشرف على قضائها، ويستأنف إليها قضاء جميع محاكم الولاية، ويُستأنف قضاؤها هي للمحكمة العليا المركزية، وللولاية قوات بوليسها الكافية لحفظ الأمن الداخلي، وتخضع هذه القوات لحاكم الولاية مباشرة، ولكل ولاية، كما للحكومة المركزية، محكمة إدارية تختص بفض النزاع بين الأفراد والهيئات وبين حكومة الولاية، كما أن لكل ولاية محكمة عدل دستورية يُرفع إليها النزاع حول دستورية القوانين ولها صلاحية تفسير الدستور، ويستأنف حكمها لمحكمة العدل الدستورية المركزية.

الفصل العاشر
حكومة المقاطعة


كذلك لكل مقاطعة دستور مكتوب، يحوي المسائل الأساسية في الدستور المركزي: كتلك التي تخص حقوق المواطن الأساسية بالإضافة إلى القضايا المحلية الخاصة بالمقاطعة. ويراعى في هذا الدستور أن يستقيم أولا مع دستور الولاية، وألا يخرج عن دستور الحكومة المركزية. ويستهدف هذا الدستور تطوير المقاطعة لتلحق بمستوى الحكومة المركزية ويكون خطوة أولي في هذا التطوير، وهو يخضع للتعديل المستمر بواسطة الإستفتاء العام لسكان المقاطعة، أو بواسطة مجلس المقاطعة التشريعي، ويكون ذلك الدستور مصدر سلطات حكومة المقاطعة، وبمقتضاه ينتخب مجلس تشريعي يباشر سن القوانين التي تكفل تسيير المقاطعة في طريق الترقي بإطراد، وتكون لهذا المجلس بالنسبة للمقاطعة، نفس سلطات المجلس التشريعي، بالنسبة للولاية، ويعتبر هو في ذاته إمتدادا لذلك المجلس، ويشترك في إنتخابه سكان المقاطعة البالغون من العمر الثامنة عشرة من الرجال والنساء، على السواء. وبموجب الدستور ينتخب السكان حاكم المقاطعة، ويمكن أن يكون من سكان المقاطعة كما يمكن أن يكون من خارجها، إذا رأى السكان الفائدة في ذلك، وحاكم المقاطعة يعتبر مساعدا لحاكم الولاية. وهو مسئول أمامه كما هو مسئول أمام الشعب، وله أن يعين أعوانه الذين يعينونه على تنفيذ منهاجه ويكونون مسئولين أمامه هو عن حسن تأدية أعمالهم، وهم أيضا عبارة عن ضباط تنفيذيين للمرافق الأساسية في الحكومة المركزية من تعليم وصحة وزراعة وداخلية ومالية إلخ إلخ، هذا بالإضافة إلى ما هناك من مرافق قد تكون من حاجة المقاطعة المحلية، ذلك بأن أكبر جهد حاكم المقاطعة يجب أن ينصرف إلى العناية المباشرة برعاياه، بأن يجعل إستيطان البدو منهم ممكنا، وذلك بتوفير المياه لهم ولماشيتهم، وبصيانة المراعي، وبحفظ الكلأ بطريقة علمية ليستعمل في فصل الصيف، وبإستعمال الري الصناعي في زراعة العلف، وبتشجيع تربية المواشي على الطرق العلمية الحديثة، وتحسين نوعها، فإنه قبل أن يتحقق الإستيطان لا يمكن التعليم ولا التمدين، مما لا يتفق عادة إلا لسكان المدن، أو القرى. وغني عن القول أن التعليم هو الإسلوب الوحيد الذي يمحو الفوارق ويقارب بين العادات ويعمل على وحدة الشعب بوحدة اللغة، لأن التعليم يحيي اللغة العربية بين المواطنين، ويقتل اللهجات المحلية أو يضعفها. ثم أن على حاكم المقاطعة واجبات أخري، غير هذه، كثيرة: كتنمية الموارد الطبيعية من جميع وجوهها، وتحسين صحة السكان، وتنويرهم سياسيا وإجتماعيا وفنيا وعلميا.. ولكل مقاطعة نظامها القضائي على غرار ما للولاية، وأحكامها تُستأنف لمحكمة الولاية العليا، ولها كل فرص الإستقلال وهي لا تخضع إلا لممثل رئيس القضاء، وقضاتها يرشحهم الحاكم بموافقة المجلس التشريعي، ويعينهم رئيس الجمهورية بمشاورة رئيس القضاء، وللمقاطعة محكمة عدل إدارية ولها محكمة عدل دستورية، وأحكام كل منهما تستأنف للمحكمتين المماثلتين بالولاية، اللتين تستأنف أحكامهما بدورها للمحكمتين المماثلتين بالحكومة المركزية.
ولكل مقاطعة سلك خدمة مدنية يسير على غرار نظيره في حكومة الولاية وفي الحكومة المركزية، ويخضع لنفس الإعتبارات التي يخضع لها في الحكومة المركزية وكذلك لكل مقاطعة قوات بوليسها التي تخضع لحاكمها وتكون كافية لحفظ الأمن والنظام.